الرئيسية / أبحاث / فرج الله الحلو قائد شيوعي من أبطال الاستقلال ورمز لانهيار الاحلام العربية 2 من 2

فرج الله الحلو قائد شيوعي من أبطال الاستقلال ورمز لانهيار الاحلام العربية 2 من 2

“النهار”: الخميس 30 آب 2007

انتقد الوحدة المتسرعة بين مصر وسوريا فاعتقل وقُتل
وتمّ تذويب جسده بالحامض الكبريتي لاخفاء الجريمة وآثارها

الحرية والديموقراطيةفي الجزء الثاني والأخير من سيرة حياة فرج الله الحلو وقفة عند مواقف بارزة في نضاله: الممارسة الحزبية، الوطنية اللبنانية، العروبة، الحرية والديموقراطية، تقسيم فلسطين، الوحدة المتسرّعة بين سوريا ومصر، وصولاً الى استشهاده. مع الاشارة الى اضطرارنا الى اختصار النص لضرورات تحريرية بحيث كثفت الأجزاء الثلاثة في جزئين.
ان النقاط البارزة التي وردت في التقرير الذي قدمه فرج الله الحلو في المؤتمر الأول للحزب عن التنظيم، ويشير الى مفهومه الى التنظيم في الحزب ومكوناته وقواعده.
يقول التقرير بالنَّص: “… وأشكال التنظيم في الحزب تخضع لظروف الحياة. ولا يمكن إخضاع ظروف الحياة لأشكال التنظيم. وليس لأي حزب جدي أن يزعم أنه يستطيع ذلك. وكل محاولة من هذا النوع تعطي تنظيم الحزب طابعاً انعزالياً وتقوده حتماً إلى الفشل والإفلاس. ولذلك يجب أن يقوم تنظيم الحزب بصورة تعطي الحزب الحد الأعلى من الإمكان لتنفيذ خطته السياسية وأهدافه الوطنية. فلا بد إذن من إجراء تعديلات في قانون الحزب الداخلي، تجعله أكثر انطباقاً مع سياسة الحزب الحاضرة، وأشد ملاءمة للنضال في سبيل ميثاق الحزب الوطني، وأكثر انسجاماً مع ظروف حياتنا الوطنية والسياسية في المرحلة الراهنة (…)”.
وكان من روائع ما قاله فرج الله الحلو في المعنى الذي ترمز إليه علاقة لبنان بأشقائه العرب، في الماضي وفي الحاضر، ولا سيما في المستقبل، هذه الكلمة التي حوّلها الحزب الشيوعي، في أعقاب المؤتمر الثاني وفي وهج قراراته، وتخليداً لذكرى القائد الشهيد، إلى شعار للوسام الذي حمل صورة فرج الله الحلو، والذي قُدّم للمتميزين من نشطاء الحزب في تلك الحقبة التاريخية:  “نريد أن يكون هذا الساحل العربي منبت حركة وطنية جديدة أكثر وعياً وأسلم محتوى تحتل مكاناً في الطليعة بين الحركات الوطنية في الأقطار العربية الشقيقة.”
أما في المسألة الوطنية اللبنانية فتشير إلى موقف فرج الله الحلو كتاباته المتعددة في جريدة “صوت الشعب”. ويبرز في مقدمة مواقفه تأكيده ضرورة إنهاء الجدل بشأن الكيان اللبناني، وحول هويته وحول موقعه في المنطقة، الجدل الذي كان يدور بين اللبنانيين وأحزابهم وزعاماتهم السياسية والدينية خلال النضال من أجل الاستقلال، وبعد تحقيق الاستقلال، داخل مجلس النواب وخارجه. وهو الجدل الذي حسمه بيان رئيس حكومة الاستقلال رياض الصلح، وحسمه الميثاق الوطني غير المكتوب، وهما يقرّان بأن لبنان وطن حقيقي لجميع اللبنانيين، وأنه ذو وجه عربي، وأنه لن يكون مقراً ولا ممراً للعدوان على سوريا أو على أي بلد عربي آخر(…)
وإذ نتذكر دور الحزب الشيوعي وفرج الله الحلو في معركة الإستقلال، فإننا لا نستطيع إلا أن نعبّر عن الأسف والمرارة والاستغراب والاستنكار لكون المسؤولين اللبنانيين قد مارسوا طمساً متعمداً لتلك الأدوار التاريخية لقادة الحزب الشيوعي اللبناني، وفي مقدمتهم فرج الله الحلو، في صنع الإستقلال، وفي استكماله بتحقيق الجلاء.  لكن هذا الطمس المتعمد لتلك الأدوار لن يغيّر من الوقائع التاريخية، ومن الأدوار التي لعبها قادة تلك الحقبة من تاريخ لبنان. وسيظل دور الحزب الشيوعي وقياداته محفوظاً بأمانة في تاريخ وطننا، وفي ضمير شعبنا.
لم ينسَ فرج الله الحلو، وهو يهلِّل للانتصار الذي حققه الشعب اللبناني في انتزاع حريته واستقلاله، أن يعلن في مقال نشر في “صوت الشعب” في عام 1945، إثر العدوان الذي تعرَّض له البرلمان السوري في دمشق وتعرَّضت له مدينة حلب من قبل قوات الإنتداب الفرنسية، بأن الشعب اللبناني يقف بكل قواه إلى جانب شقيقه الشعب السوري. ويؤكد، في السياق ذاته، بأن الشعبين سيتابعان نضالهما المشترك للدفاع عن استقلال بلديهما، معلناً بأن الدماء التي سالت في دمشق وحلب لم تبذل في سبيل حرية سوريا وحدها بل في سبيل حرية لبنان، وأن لبنان سيقف إلى جانب سوريا في نضالها عبر تمسكه باستقلاله وسيادته وصون جمهوريته الفتية.
ولعل من أكثر المفارقات في ذلك التاريخ الأول من استقلال البلدين، أنه، في الوقت الذي كان فيه الحزب الشيوعي اللبناني يعلن موقفه المشار إليه، على لسان فرج الله الحلو، وفي البيانات الرسمية للحزب، دعماً لسوريا ولنضال شعبها، وتأكيداً للعلاقات التاريخية بين البلدين والشعبين، كان المندوب السوري إلى اجتماع الإسكندرية الذي انعقد عام 1944، لتوقيع بروتوكول تأسيس الجامعة العربية، يتحفظ عن توقيع لبنان، لأن هذا البلد كان، بنظر ذلك المندوب الرسمي للدولة السورية الجديدة، غير مكتمل العناصر التي تؤهله لأن يكون واحداً من البلدان العربية، التي يوقع معها على بروتوكول تأسيس الجامعة.  وحين واجه رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس باشا ذلك المندوب السوري بالتأكيد أن للبنان كياناً مستقلاً، وشخصية واضحة المعالم، حتى في ظل السلطنة العثمانية، وأنه سبق سوريا في الحصول على استقلاله، وقـّع ذلك المندوب البروتوكول المشار إليه مرفقاً توقيعه بالتحفظ.  ويشير هذا الموقف القديم للنظام السوري، الذي تكرر في العهود المختلفة، إلى أن إلحاق لبنان بسوريا، أو اتخاذ صفة الوصاية عليه، هو هدف دائم.  وهو ما نشهد في أيامنا هذه أمثلة صارخة عليه (…)
لكن فرج الله الحلو، إذ يحرص على التأكيد على استقلال لبنان وسيادته وحريته، وإذ يؤكد للأشقاء السوريين تضامن الشعب اللبناني معهم من أجل صيانة استقلالهم وحريتهم وسيادتهم الوطنية، يحرص على إظهار موقف الشيوعيين اللبنانيين غير القابل للجدل من التضامن العربي في المعركة المشتركة من أجل الحرية والاستقلال والتقدم الاقتصادي والاجتماعي ومواجهة العدوان الخارجي. وهو يعلن ذلك في أكثر من مناسبة وفي أكثر من مقال افتتاحي في “صوت الشعب”(…)

تكتسب قضية الحرية أهمية خاصة في كتابات فرج الله الحلو ذلك أن بوادر الالتفاف على الديموقراطية كانت تبرز منذ السنوات الأولى لحصول لبنان على استقلاله. وكانت انتخابات 25 أيار في عام 1947 المزورة المشهد الخطير الذي يعبّر عن ذلك الاتجاه.
ويعلِّق الحلو على تلك الانتخابات في مقال نشره في جريدة “صوت الشعب” بالكلمات الآتية: “حقاً إنني كلبناني وكعربي لم أشعر بمثل الخجل والخزي الذي شعرت بهما أمس لمّا التقيت بعض المناضلين العرب من فلسطين فقالوا لي: أهكذا تصنعون بلبنان؟ لقد جعلتمونا موضع شماتة المستعمرين والصهيونيين وأتباعهم الذين يتهمون العرب بعدم الأهلية لتفهم الديموقراطية ولممارسة الاستقلال”.
ويذهب فرج الله الحلو في دفاعه عن الحرية إلى اعتبارها مهمة عامة وشاملة لكل قوى المجتمع، وفي المقدمة من هذه القوى المثقفون، معتبراً أن أقدس مهمات الثقافة هي النضال من أجل الحرية، حرية الأفراد وحرية الشعوب. ولا يحصر مهمة دفاع المثقفين عن الحرية في بلدهم، بل يعتبر هذه المهمة عامة وشاملة. لذلك فهو يكتب عدداً من المقالات دفاعاً عن حرية الفكر والمفكرين في مصر، وعن حرية الشعب العراقي في النضال ضد القوى التي تريد تكريس ارتباطه بمعاهدات مع المستعمرين، ويحيي انتفاضة الشعب العراقي ضد “معاهدة بورتسمارت” التي أرادت الحكومة العراقية ربط العراق بها. وهي الانتفاضة التي أسقطت الحكومة والمعاهدة معاً. وكان ذلك في مطلع عام 1948.
مجمل هذه المواقف التي أعلنها فرج الله من موقعه كرئيس للحزب الشيوعي اللبناني، وكعضو في القيادة المشتركة للحزبين اللبناني والسوري، أثارت حفيظة خالد بكداش الذي كان يمارس دور القائد الأعلى للحزب. ذلك أن تلك المواقف كانت قد أعطت لفرج الله الحلو صورة فيها بعض الاختلاف عن الذي كان سائداً في الحركة الشيوعية العربية والعالمية، بمعنى التركيز على الطابع الوطني، بكل المعاني، للانتماء إلى الشيوعية وإلى مرجعيتها الماركسية. وسيظهر ذلك في مواقف لاحقة عند فرج الله الحلو تفقده كل مواقعه. ففي أواخر عام 1946 طلبت القيادة الحزبية المشتركة من الحلو الذهاب إلى فرنسا، فيما اعتبر معاقبة له على مواقفه المتميزة المشار إليها آنفاً. وكان في وداعه على ظهر الباخرة التي أقلته إلى فرنسا عدد من كبار المسؤولين في الحزب اللبناني والحزب السوري، وفي مقدمتهم نقولا شاوي وخالد بكداش.  وربما كان ذلك للتقليل من الآثار السلبية لذلك القرار في وسط القاعدة الحزبية.  فقد صدر في اليوم ذاته البيان الآتي عن المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني “عقد المكتب السياسي للحزب الشيوعي اللبناني اجتماعاً في بيروت حضره كل من فرج الله الحلو ونقولا شاوي وفؤاد قازان وحسن قريطم وهاشم الأمين ومير مسعد ويوسف خطار الحلو وأرتين مادايان. وقد تقرر بالإجماع الموافقة على سفر فرج الله الحلو إلى باريس ولندن. وقرر المكتب السياسي بالإجماع انتخاب نقولا شاوي رئيساً للحزب الشيوعي اللبناني”.
إلاَّ أنَّ الحلو لم يبقَ أكثر من ثلاثة أشهر في الخارج، عاد بعدها إلى لبنان، بعدما كان حضر مع خالد بكداش مؤتمراً للأحزاب الشيوعية في بلدان الكومنولث. وقد استقبل فور عودته استقبالاً جماهيرياً من الشيوعيين ومن مناصريهم الكثر.
ويذكر نقولا شاوي في بعض أحاديثه الشفهية لرفاق الجيل الثاني من قياديي الحزب اللبناني، بعد انفصاله عن الحزب الشيوعي السوري، أنه ارتكب خطأً فادحاً بموافقته على إقصاء الحلو من موقعه في رئاسة الحزب والحلول محله في ذلك المركز الذي كان شغله الحلو بامتياز.

تقسيم فلسطين

إلاَّ أن قضية الحلو لا تنحصر في تلك الحادثة التي تشير إلى أساليب ذلك الزمان، الستالينية الطابع. بل هو سرعان ما وقع في مشكلة من نوع آخر، كان مصدرها والسبب في وقوعها ما اشرت إليه من نزعة تجديدية تحررية في فهمه لمعنى أن يكون الإنسان شيوعياً، وأن ينتمي إلى حزب شيوعي في بلده، الذي هو في مثالنا لبنان الخارج حديثاً من الانتداب إلى الاستقلال، والمرتبط، بفعل موقعه، بمحيطه العربي، تاريخاً وثقافة ومصالح مشتركة في النضال من أجل التحرر والتقدم. وكانت المشكلة هذه المرة ذات صلة بالقضية الفلسطينية. فعندما اتخذ قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947، بموافقة الاتحاد السوفياتي، صدر بيان مشترك من الأحزاب الشيوعية المشرقية بالموافقة على قرار التقسيم. وكان لفرج الله الحلو تحفظ عن موافقة الحزب الشيوعي اللبناني على ذلك القرار، لكونه ينال من حقوق شعب فلسطين، معتبراً أن للاتحاد السوفياتي ظروفه ومصالحه واعتباراته التي يقدرها هو ويتحمل مسؤوليته فيها. ولم يكن الحلو يرمي قط إلى اتخاذ موقف عدائي من الاتحاد السوفياتي.  يضاف إلى ذلك، في تبريره لموقفه، أن كل سياسة الحزب وكل مواقفه كانت على امتداد أعوام طويلة، لا سيما في الفترة التي سبقت قرار التقسيم، تندد بالتقسيم وتعتبره مشروعاً استعمارياً. وكان ذلك يقضي بألاَّ يتغير موقف الحزب إلى نقيضه لمجرد أن الاتحاد السوفياتي غيَّر موقفه، لأسباب كان يبررها القادة السوفيات بتفاقم الصراع بين العرب واليهود، أي من دعوتهم الأولى إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة لسكانها العرب واليهود إلى الموافقة على قرار التقسيم، الذي اشترط السوفيات أن تتخذ خطوات لاحقة لإنشاء اتحاد فدرالي بين الدولتين وصولاً إلى إنشاء دولة فلسطين ثنائية القومية. واتخذ الموقف نفسه رشاد عيسى، الذي كان في حينه سكرتيراً للحزب الشيوعي السوري، وكلّفه هذا الموقف الخروج من الحزب. لكن كل تلك التبريرات التي قدمها الحلو بعدم التبني الحرفي لقرار التقسيم لم تقنع القوى المسيطرة داخل الحزبين اللبناني والسوري، بقيادة خالد بكداش. وتجدر الإشارة هنا إلى أن تحفظ فرج الله عن قرار التقسيم، ترافق بمواقف إنتقادية له في قيادة الحزب في سوريا ولبنان، مواقف كانت تتهمه أحياناً بانعزالية لبنانية. وكانت تتهمه في أحيان أخرى بميول برجوازية صغيرة، وباعتداد مفرط بالنفس، وبفقدان الروح الثورية، وبضعف الثقافة الماركسية. وبدأت عملية تجريده من المسؤوليات الحزبية تحصل بالتدريج، وصولاً إلى المحاكمة الحزبية التي جرت في نهاية الأربعينات،  وتوجت برسالة سالم (اسم فرج الله السري في حينه). وهي رسالة النقد الذاتي التي أمليت عليه إملاء. وهي كانت نموذجاً لهذا النمط الستاليني في معاقبة الخارجين عن سلطة القائد الأوحد. واستناداً إلى هذه الرسالة جُرِّد من كل مسؤولياته، وفرض عليه أن يتحول من قائد سياسي أساسي في الحزب إلى مجرد مترجم لمجلة الحركة الشيوعية العالمية في ذلك الحين: “في سبيل سلم دائم في سبيل ديمقراطية شعبية”.
ومعروف أن السلطات في سوريا ولبنان حلـّت الحزبين وأقفلت الجريدة الناطقة باسمهما “صوت الشعب” عقاباً للحزبيين على موافقتهما على قرار التقسيم وفضحهما مؤامرة الحكومات العربية في الحرب التي خاضتها ستة جيوش لمنع قرار التقسيم ثم انهزمت هزيمة نكراء أمام العصابات الصهيونية عام 1948.  فأسهمت تلك الحكومات، بفعل هزيمتها في الحرب، في إنشاء دولة إسرائيل. وعاقبت الشعب الفلسطيني بمنع إقامة دولة له، وفق قرار التقسيم.  وعملت على توزيع ما تبقى من أرض فلسطين بين مصر، وقطاع غزة، والأردن، والضفة الغربية.  أما الشيوعيون اللبنانيون فقد عوقبوا على موقفهم المشار إليه، أي الموافقة على قرار التقسيم وانتقاد خيانة الحكومات العربية في الحرب وتحملها مسؤولية “النكبة”، باعتقال عدد كبير من قادتهم وكوادرهم في قلعة بعلبك التي حوّلتها السلطات معتقلاً. وساهم في ذلك رياض الصلح الذي كان في فترات سابقة صديقاً وحليفاً للشيوعيين في النضال من أجل الإستقلال ومن أجل تحقيق الجلاء (…)
كان الحلو يرى بحسه العميق مدى الأثر السلبي الذي سيتركه على الحزب ذلك الموقف الخاطئ في حينه بالموافقة على قرار التقسيم، والتراجع الكامل عن المواقف السابقة المعترضة على ذلك القرار. وقد حصل بالفعل ما كان يخشاه. وحين وافق على كتابة رسالة النقد الذاتي فإنه فعل ذلك تلافياً منه لاحتمال وقوع مشكل في الحزب، وتمسكاً بعضويته فيه، وليقينه بأن الظروف ستتغير في زمن لاحق قريب، فيعود عندئذ إلى موقعه، ويعيد معه الحزب إلى ذلك الموقف. وبالفعل فقد عاد الحلو إلى موقعه القيادي، لكن في صورة مختلفة. ففي المرحلة التي أعقبت دخول الحزبين اللبناني والسوري في السرية، ذهبت أدراج الرياح كل الاعتبارات التي كانت في أساس تشكيل حزبين. إذ صار الحزبان حزباً واحداً بقيادة جديدة واحدة هي قيادة خالد بكداش. وكان بكداش شخصية كبيرة في كل من البلدين. وكان زعيماً وطنياً حقيقياً. وكان حضوره مميزاً في كل من البلدين. كما كان قد أصبح شخصية شيوعية عالمية، فضلاً عن كونه قد أصبح الشخصية الشيوعية الأولى على الصعيد العربي. وقد أهَّله لذلك، إلى جانب سطوته الستالينية، كفاءاته السياسية وثقافته الواسعة وشخصيته القوية(…)
عاد الحلو بعد تلك النكسة التي أصابته بسبب موقفه من قرار التقسيم إلى الصعود مجدداً في مراتب الحزب العليا. وعادت معه تقاليده في التعبير عن مواقفه في شكل مختلف، هو الشكل الذي كان قد اختاره منذ وقت مبكر، أي الشكل الذي يحدد فيه فهمه الصحيح للانتماء إلى الشيوعية وإلى مرجعيتها الماركسية، الذي يراعي فيه ظروف بلاده، ليس في مستوى تطورها الاقتصادي والاجتماعي وحسب، بل كذلك في كل ما يتصل بالثقافة وخصوصياتها القديمة والحديثة.
ومعروف أن فترة الخمسينات شهدت تطورات عاصفة في المنطقة وفي العالم. أبرز تلك التطورات في المنطقة كان قيام ثورة يوليو الناصرية، ثم تأميم قناة السويس، والعدوان الثلاثي الذي تعرضت له مصر، والإنذار السوفياتي المعروف بإنذار بولغانين الذي، بالاشتراك مع الموقف الأميركي برئاسة أيزنهاور، فرض على المعتدين الانسحاب من مصر خاسرين. أما أبرز الأحداث على الصعيد العالمي فتمثل بوفاة ستالين وصعود خروشوف إلى موقع الزعيم السوفياتي الأول بعد ستالين، ثم انعقاد المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي الذي شكلت قراراته ثورة في الحركة الشيوعية العالمية في اتجاه التحرر من القيود الستالينية السابقة والتجديد في فهم الاشتراكية وفي تعدد طرق الانتقال إليها  وتعدد نماذجها. وفي ظل تلك التطورات، وانسجاماً معها وارتباطاً بها، جرت تحولات في سياسة الحزب السوري اللبناني في اتجاه الانفتاح على القضايا العربية والدولية.
في ذلك المناخ الجديد في الحركة الشيوعية عقد اجتماع موسع للجنة المركزية في عام 1956 للبحث في مجمل القضايا التي تهم الحزب، المحلية منها والعربية والدولية. واتخذت قرارات جديدة ذات أهمية كبيرة تتعلق بالقضية الفلسطينية، أعيد النظر فيها بالموقف السابق للحزب، وبقضية الوحدة العربية، لجهة تأكيد أهميتها كقضية مشتركة للشعوب العربية، لكن على قاعدة الديموقراطية، في ما يشبه التذكير بما كان قد اتخذه الحزب في عام 1932 في بيان مشترك مع الحزب الشيوعي الفلسطيني.  وهو البيان الذي أشرت إليه آنفاً. كما اتخذت قرارات أخرى مهمة في ذلك الاجتماع، اجتماع 1956، تتعلق بالمهمات الخاصة بكل من الحزبين في لبنان وسوريا.  وكان الموقف من قضيتي فلسطين والوحدة هو الأساس في السياسة التي سلكها الحزب في الأعوام اللاحقة، بما في ذلك في فترة الوحدة المصرية – السورية.  وكان بين تلك القرارات قرار يدين ظاهرة عبادة الفرد، التي كانت سائدة في الأحزاب الشيوعية، تقليداً للدور الذي كان لستالين في الإتحاد السوفياتي وفي مجمل الحركة الشيوعية.  والغريب في هذا القرار أنه، إذ يدين الظاهرة، فإنه  يحمّل مسؤولية وجودها إلى الرفاق في قيادة الحزب، كبارهم وصغارهم، ويبرّئ القائد المعبود من المسؤولية عنها.  وكان فرج الله الحلو من الذين وافقوا على القرار، وساهموا في صوغه.  وتلك كانت إحدى مفارقات شخصية هذا القائد، اسوة بسواه من القادة الشيوعيين في ذلك العصر (…)

الوحدة المتسرّعة

ثم دخلت سوريا في الوحدة مع مصر في ذلك الشكل المتسرع الذي لم يخضع القرار بإعلانها للوقت الكافي من الدرس لكي تتمكن من النجاح والاستمرار، كخطوة أولى في طريق الوحدة العربية المنشودة. وأدى ذلك التسرع إلى الخلل الذي قاد الوحدة إلى الانهيار. وكان من مآسي تلك المرحلة دخول الشيوعيين في حالة صراع مع دولة الوحدة ومع الرئيس جمال عبد الناصر، بسبب موقفهم الذي عبروا عنه في البنود الـ 13، التي كانوا يرمون من ورائها إلى جعل هذه  الوحدة أكثر ديموقراطية وأكثر احتراماً لخصوصيات البلدين، لكي تكون قادرة على الحياة. وكان من نتائج ذلك الصراع أن مات تحت التعذيب في سجون شطري الوحدة، مصر وسوريا، عدد من الشيوعيين البارزين كان فرج الله  الحلو واحداً منهم. وكان هذا في حزيران 1959. ولم يكن الرئيس عبد الناصر على علم باعتقال الحلو، كما قال لكل من تيتو ونهرو اللذين تدخلا لمعرفة مصيره، معتبراً أن عبد الحميد السراج، وزير الداخلية في ذلك الحين، هو الذي وضع دولة الوحدة والرئيس عبد الناصر في إحراج كبير باعتقال ذلك القائد الشيوعي اللبناني في دولة الوحدة. إلا أن الذين عذبوا فرج الله الحلو حتى الموت اضطروا إلى الإعتراف بالجريمة خلال المحاكمة التي جرت لهم في أعقاب الانفصال. وكان قرار الاتهام الذي أصدرته النيابة العامة واضحاً. كما أصدر قبل بضعة أعوام أحد المساهمين في اعتقال فرج الله (سامي جمعة) كتاباً يروي القصة الكاملة حول اعتقال القائد الشيوعي، لكن على طريقته هو، وبكثير من التصرف، من دون أن يتجاوز الحقيقة في موضوع الاعتقال والتعذيب حتى الموت وتذويب جسد فرج الله الحلو بالحامض الكبريتي لإخفاء الجريمة وآثارها.  لكن تحميل المسؤولية عن قتل فرج الله الحلو للسراج لا يلغي المسؤولية عن الرئيس عبد الناصر الذي كثرت في تلك المرحلة خطبه التي يتهم فيها الشيوعيين بالخيانة. وكان للشهيد فرج الله الحلو رفاق في الشهادة في مصر، كان أبرزهم أحد قادة الحركة الشيوعية شهدي عطية الشافعي الذي قضى تحت التعذيب في إحدى زنزانات تلك الحقبة من تاريخ مصر، حتى قبل قيام الوحدة المصرية السورية (…)

  • ••

هذا هو فرج الله الحلو، وتلك هي ملحمة حياته. وتشير سيرة هذا القائد، وسيرة قائد آخر من النمط ذاته هو كمال جنبلاط، وسيرة آخرين من الكبار في لبنان، كم أن لبنان الحديث، لبنان ما بعد الحرب الأهلية على أقل تقدير، لبنان الزمن الحالي، زمن الإستقلال الثاني، يفتقد في هذه الظروف الصعبة الراهنة أمثالهم من أجل إعادة صوغ مشروع بناء وطن لبناني حقيقي، ديموقراطي تعددي، وتحرير المجتمع اللبناني من الآفات الكثيرة التي تفتك به من جراء هيمنة الطائفية على مصائر السياسة فيه، ومحاولات تحكيم الخارج في مصيرنا، الخارج بكل تنويعاته، الشقيق منه والصديق والعدو، القريب من حدودنا والبعيد منها، على حد سواء. وهو تحكم تستدعيه قوى طائفية بعينها، وتمنع بذلك قيامة لبنان الوطن، بعد كل الأعوام السابقة من تاريخه، الحافلة بالانقسامات وبالصراعات وبالحروب الأهلية على اختلاف أنواعها، وبالحروب مع إسرائيل، حتى بعد تحرير أرضنا من احتلال قواتها لها.
إن لاستحضار سيرة فرج الله الحلو الملحمية أهمية خاصة في هذا المنعطف الصعب في تاريخ لبنان الحديث.

كريم مروّة

ص. 13

اضف رد