الرئيسية / مقالات / فرانشيسكو غويا… بين رسم جميلات البلاط والسقوط في دروب الخيانة

فرانشيسكو غويا… بين رسم جميلات البلاط والسقوط في دروب الخيانة

 ناصر الحرشي 
القدس العربي
15112019


عندما تنضج معالم الشخصية الفنية وتتبلور نزعاتها وطابعها المميز في نهاية المشوار الطويل لمسيرة هذا الفنان أو ذاك، تكون هي محصلة العديد من التجارب والتأثيرات والممارسات الجادة التي واكبت العمل الإبداعي في رحلة الحياة. وهكذا كانت حياة الفنان الإسباني الشهير فرانشيسكو غويا وسيرته الخصبة التي احتلت أسمى وأرفع منزلة في تاريخ الفن العالمي. وقد زخرت كذلك حياته بالمعاناة والقلق والعواصف الدرامية الصاخبة، بقدر ما اكتنفها من عوامل الطيش والعبث والشهرة والترف والبذخ، لذلك كانت أعماله متضاربة الأبعاد والدلالات. إلا أن أهم ما يميز أعماله تلك المواقف الصريحة والخالدة أزاء مجتمعه. ظل غويا مرتبطا بوطنه بأوثق الروابط حتى تحت دوي المدافع الفرنسية الذين حاربهم في بادئ الأمر بفنه ولوحاته المدوية والصارخة، وهو يتربع على عرش الإبداع في قصر الحكم، الذي اغتصبه جوزيف بونابرت شقيق نابليون من فرديناند ملك إسبانيا الشرعي، بعد أن اجتاحت القوات الفرنسية مدريد في هجمة شرسة.

من القرية إلى البلاط

كان غويا (1746- 1828) ابن فلاح بسيط نشأ في قرية جبلية فقيرة بمقاطعة (أراجون) وكان كجميع صبيان القرية يكدح في الحقل من شروق الشمس حتى مغربها، ولكنه ولد فنانا منذ نعومة أظفاره، لا تقع أعين أهل القرية عليه إلا وقد أمسك بين أنامله قلما أو حجرا يخط به رسومه، وكبرت معه هوايته مع سنوات عمره حتى أن رجال الدين وعمدة البلدة كلفوه بزخرفة الستارة الرئيسية في كنيسة القرية، وهو لم يزل في الثامنة عشرة من عمره. ومن غريب الصدف أن غويا زار مسقط رأسه بعد ذلك بستين سنة، وبعد أن عمت شهرته آفاق الدنيا، وجد أن هذه الستارة لم تبرح مكانها من كنيسة القرية. ومع بداية سن المراهقة وميعة الشباب المبكر أرسله أثرياء البلدة إلى مدينة سرقسطة ليتتلمذ على يد أحد الفنانين المرموقين من رسامي البلاد. ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلته العابثة الماجنة، كما بدأت طموحاته وتطلعاته نحو القصر الملكي في مدريد. كان يرسم بالنهار ويعربد بالليل، ويصارع الثيران في أيام الآحاد والأعياد، ويغني ويرقص ويستهوي الغانيات ويهوى الشجار والمبارزة. وكان لابد أن يؤدي هذا العبث والاستهتار إلى الجريمة ثم إلى الفرار. واستقر به المقام أخيرا في العاصمة مدريد التي لطالما حلم بها في تطلعاته وطموحاته الجامحة. وكانت شهرته في فنه ومغامراته قد ذاعت وانتشرت، فانهالت عليه العروض في المصانع الملكية لتصميم وزخرفة التحف والحلي للقصور والبيوت الحاكمة. وأظهر الفنان غويا نبوغا جعله محط أنظار النبلاء. ومن خلال تلك العلاقات الرفيعة توثقت عرى الصداقة بينه وبين شقيق الملك شارل الثالث. وكانت سمعته المشينة، جراء شططه ومجونه، قد فاقت شهرته كفنان لا يبارى، فلم يرض الملك عن غويا، ورفض كل وساطات رجالات القصر لتعيينه رساما للبلاط، بل أنذر شقيقه وولي العهد بأن يبتعد عن صداقة غويا العربيد. ومن الغريب أن سوء سمعته هذه لم تزده إلا تألقا في عيون نبلاء البلاط، ولاسيما النساء منهن. فكانت سيدات المجتمع المخملي يرتمين عند أقدامه ليرسمهن. كما تسابق الأمراء والأميرات إلى مرسمه علهم يحظون بصورة لوجوههم من إبداعه الملهم. ومات شارل الثالث وتولى شقيقه صديق غويا العرش تحت اسم شارل الرابع، فبادر إلى تعيين رفيق مغامراته رساما للبلاط. وبلغ الذروة في فنه، وكانت إسبانيا في ذلك الوقت (أواخر القرن الثامن عشر) تعيش عصر الفساد والانحلال، وعاشر غويا شتى طبقاتها.

تحدث المؤرخون كثيرا عن علاقة غويا بدوقة ألبا مايا الفاتنة التي رسمها عدة مرات، وكان بينهما غرام جارف ويحكي المؤرخون كيف كان يترك غويا العاصمة مدريد وهي تغلي ثائرة في وجه الغزاة الفرنسيين ويذهب إلى مخدع الدوقة الجميلة

شعبها الذي طحنه الفقر وشبابها المحروم وفتياتها الضائعات، ها هو ذا يخالط أفراد البلاط الإسباني وحاشيته الارستقراطية، الذين يعيشون خلف الأسوار المحصنة. وتترسب في ذهن الفنان ووجدانه قسوة الواقع، وهنا تأتي مرحلة النضج الفكري عند غويا، فيرسم لوحاته الملكية وكأنها هجاء لاذع لحياة التفسخ والخلاعة الارستقراطية والرذيلة المقنعة خلف الأسوار العالية. فبقدر ما كان يقسو الرسام في هجائه وسخريته من سادته، بقدر ما كانوا يغدقون عليه العطاء، ولاسيما السيدات منهن.

النزوات

واستبد الغضب بالفنان ولعلها صحوة الضمير أو عودة الوعي أو جلاء الواقع المرير. وكان لابد له من متنفس يصب عليه جام غضبه على مجتمعه المنحل، وحتى على نفسه كذلك، فعكف غويا على مجموعة لوحات حفرها على النحاس تعرف باسم (النزوات) أو (لوس كابريكوس) كانت من أروع وأصدق ما رسمه هذا الفنان الإسباني، حيث جسد فيها عيوب عصره، عصر العبث والتمزق والشهوات، وكانت النزعة المأساوية في تلك اللوحات تنطق بالوقع المؤلم وتنضح بالمرارة. والمشاهد لأعمال غويا في أيام اللهو والمغامرات يرى إبداعاته تتغنى بفتنة النساء لكنه يكتشف الصحوة المفاجئة لضمير الفنان، ويؤكد ذلك ما حدث لوطنه في أعوام التحول المصيري بدءا من سنة 1808، أي سنة الحملة الفرنسية على إسبانيا. يقول النقاد والباحثون في فن غويا وآثاره في تاريخ الإبداع إنه كان ملحمة من الصراعات النفسية والفكرية المستعرة، كما أنه سبق عصره في لوحاته السيريالية بأكثر من مئة عام. في سنة 1808 رسم غويا أروع لوحاته على الإطلاق، حيث صور بشاعة القتل في لوحات تجسد سفك الدماء وبشاعة الحرب وبربرية الجنود الفرنسيين، وهم يستبيحون حرمة الإسبان، بدون أن ننسى تمجيده للمحارب الإسباني وهو يدافع عن الوطن. في هذه الحقبة دارت المجازر الرهيبة بين أهل البلاد والغزاة واستيقظت روح المقاومة والانتماء للوطن في نفسية الفنان، وكانت وسيلته هي لوحاته المعبرة عن حجم الفجيعة. فأخرج مجموعته الأولى (كوارث الحرب) والزائر لمتحف (البرادو) في مدريد يقف مشدوها أمام هذه اللوحات وينتابه شعور غريب من الإحساس بالحقد على وحشية الغزاة الفرنسيين المبشرين بفلسفة أنوار مزعومة.

خيانة

وعلى الرغم من ذلك هذا هو السر الغامض في حياة غويا المشروخة، أو خيانات غويا كشخصية فصامية منقسمة، حيث ظل هذا الفنان رساما للبلاط تحت حكم الفرنسيين، بل ربطته صداقة قوية مع جوزيف بونابارت، حيث فضّل السير في ركاب الفرنسيين، واقتنع الشعب الإسباني بخيانته. ودارت عجلة الزمان وسقط نابليون وانقشعت غمامة الغزو، وتم جلاء الغزاة، وتولى فيرديناند السابع مقالد الحكم وجاء وقت القصاص، وتوقع الجميع أن يثأر الملك من غويا وتسمرت أنظار الحاشية على شفاه الملك وقسمات وجهه الغاضبة، حيث وجه حديثه قائلا (إنك تستحق الشنق أو النفي، ولكنك غويا فنان إسبانيا الكبير ومن أجل ذلك سأنسى كلما فات) ولا شك في أن الملك فيرديناند السابع، قد استعاد في مخيلته اللوحات العبقرية التي أبدعها غويا في أيام الصمود والمقاومة. وكانت بمثابة الشعلة التي ألهبت روح الصلابة والكفاح لدى الشعب الإسباني، ووجد فيها الشفاعة لفنان عظيم.

مايا الفاتنة

تحدث المؤرخون كثيرا عن علاقة غويا بدوقة ألبا مايا الفاتنة التي رسمها عدة مرات، وكان بينهما غرام جارف ويحكي المؤرخون كيف كان يترك غويا العاصمة مدريد وهي تغلي ثائرة في وجه الغزاة الفرنسيين ويذهب إلى مخدع الدوقة الجميلة، وفي زيارته الأخيرة لها كان قد ذبل جمالها تحت وطأة المرض، وما أن وصل إلى فراشها حتى لفظت أنفاسها الأخيرة بين ذراعيه، وتموت الدوقة الحسناء وتشير أصابع الاتهام إلى الملكة وتحملها مسؤولية موتها المفاجئ بدافع الغيرة والمؤامرات النسائية، التي تدور في أروقة القصر، ويتحطم فناننا العظيم ويخشى هو الآخر على حياته من انتقام البلاط ليهاجر ويموت بعيدا عن وطنه، في أرض الغزاة الفرنسيين. لقد مثل غويا الطريق الشاق إلى المعرفة، كما مثل الحوار الدائم بين سلطة البلاط وحيوية الشعب الإسباني التواق للحرية.

٭ كاتب مغربي

اضف رد