فتات الأخبار وعيون الغزلان

 

إلياس خوري
Sep 11, 2018
القدس العربي

 

كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساء، وهو موعد نشرة الأخبار على الشاشة الصغيرة، حين سألتني ابنتي لماذا لا أفتح التلفزيون من أجل أن نستمع إلى نشرة الأخبار. وسمعت نفسي أجيبها بشكل عفوي بأن لا لزوم لذلك، فقد استمعنا إلى الأخبار البارحة!

وضحكنا من المفارقة العجيبة التي خرجت كزلة لسان، لكنها زلة تكشف حقيقة واقعنا اللبناني، وهو أن لا وجود للخبر الجديد، كل أخبارنا صارت قديمة ومكررة، ولا تثير سوى السأم.
الجديد في الأخبار له مصدران:

الأول هو فضيحة جديدة تضاف إلى سجل النهب والاستهتار، وهي فضائح متوقعة في كل يوم، وصارت تثير الملل، بعدما استنفد الغضب جميع أغراضه.
لم تعد طبقة المافيا الحاكمة تشعر بأي حرج، فهي تسبح في شاطئ ملوث بالمجاري، ولا مانع لديها من تحويل المدن اللبنانية إلى مزبلة، حتى المطار «الدولي» صار أشبه بمحطة باصات مكتظة بالاختناق والحر والأعطال.

والثاني هو عمل إضافي تقوم به القوى المسيطرة على المنطقة: إسرائيل أو روسيا أو إيران أو تركـــــيا، وهي أعمال لم تعد تثير سوى اللامبالاة، لأنها تشـــكل مجموعة من المحاولات التراكمية لتحطيم إرادة شعوب المنطقة. لا جديد هنا سوى الموت، حتى الموت صار صورة قديمة ومعتادة.

يستطيع المواطن اللبناني أن يعيش من دون الاستماع إلى الأخبار أو قراءة الصحف. ما الفرق بين تشكيل حكومة وعدمه؟ وما الفرق بين رئيس قوي ورئيس يستقوي بالخارج؟ ومن سيحارب الفساد في جمهورية الفساد؟

نجح النظام الرأسمالي الطائفي في تحويل السياسة إلى فراغ، فصارت نشرات الأخبار عنوانا للتصحّر السياسي والخمول الفكري، فلا نجد سوى مجموعات من المعتوهين وقد تحولوا إلى زعماء وقادة رأي، وهم يرصفون كلمات فقدت دلالاتها، معتقدين بذلك أنهم يصنعون رأيا عاما مؤيدا لهم.

أخبار اليوم سمعناها البارحة، وأخبار البارحة نعرفها من أخبار اليوم الذي سبقها، وإلى آخره…

لا جديد ولا قديم، فالزمن في عصور الانحطاط يتحلل ويصير جثة لا تجد من يدفنها.

الخبر الجديد يبدأ حين نقرر دفن جثة زمن الانحطاط، وهذه مسألة تحتاج إلى تغيير كبير في المنطقة، شرطه الأول وصول الثورة المضادة إلى نهاياتها المنطقية، أي إلى تسليم المشرق العربي لقوى الاحتلال الأجنبي، بشكل معلن لا التباس فيه.

من الخليج إلى بلاد الشام، ومن فلسطين إلى فلسطين، لا نجد سوى عربدة قوى الاحتلال، وهنا تتخذ الأمور شكل الهمجية الهادئة، فالصخب الذي رافق بدايات انتفاضات الربيع العربي الشعبية، وهجمة الأصوليات الجهادية التي شكلت الوجه الآخر للاستبداد، كلها هدأت اليوم أمام ما يمكن أن نسميه بالمتوقع المأساوي. لن يفاجأ أحد بسقوط إدلب الوشيك في أيدي النظام السوري وأسياده، كما لم نفاجأ بأحكام الإعدام في قضية رابعة، ولم نفاجأ بالفوضى العراقية التي تتفاقم، ولا بانبطاح الأنظمة أمام إسرائيل.

المفاجأة هي في بعض التفاصيل الصغيرة التي لن تثير أي ردود فعل، فبعدما شربنا مرارات المآسي ومشاهد القتل والتهجير والمذابح، لن تضيف هذه التفاصيل جديدا، ولن تحوّل الأحداث المتوقعة إلى أخبار مثيرة، فالمآسي دخلت في العادي المكرر، وفقدنا القدرة على الإحساس بها.

أما في فلسطين، فإن العربدة تصل إلى ذروتها، من قانون القومية إلى هدم الخان الأحمر، ومن لعبة دولة غزة إلى لعبة الفدرالية أو الكونفدرالية، كلها ألعاب لفظية تؤكد قرارا معلنا له اسم واحد هو إنهاء المسألة الفلسطينية وإلغاء الشعب الفلسطيني واحتلال الأرض الفلسطينية، ومحو القدس كي تعلو على أنقاضها أورشليم الصهيونية.

لا شيء يفاجئ، فالمستحيل صار جزءا من واقع الحياة اليومية، لذا لا تأتينا الأخبار بالأخبار، بل تأتينا بنسخة مكررة ومملة لموتنا المعلن.

الموت في كل ثقافات الشعوب هو الحدث الكبير الذي لا يتقادم بالزمن، هذا ما تعلمناه من الحضارة المصرية القديمة التي بدأت في المقابر والأهرامات، وهذا ما يشير إليه التراث الأدبي العالمي الذي جعل من المراثي أحد المحاور الرئيسية في الثقافة.

المشرق العربي اليوم يعيش في بلادة الموت، لقد حطمت حقول القتل معنى الموت، وحولته من حدث إنساني وفردي فريد إلى حدث جماعي فقد كل دلالاته.

لقد جردنا الانحطاط السياسي والأخلاقي من معاني الموت، وأعادنا إلى أيام حائـــــط الرؤوس المقطوعة الذي بناه تيمورلنك في دمشق، وسلب الموتى أسماءهم، فصار كل موتانا مجرد أرقام، وصارت بلادنا مقبرة أرقام شاسعة.

الإسرائيليون الصهاينة هم أول من اخترع مقابر الأرقام، عروا الفلسطينيين الشهداء من أسمائهم، وحولوهم إلى أرقام ضائعة في مقابر ضائعة.

أما المستبد العربي، فلم يكلف نفسه عناء بناء مقابر للأرقام، رمى الأرقام في العراء، أو حوّل السجون إلى مقابر.

أمس وأول أمس، قررت بشكل غير واع ألا أستمع إلى الأخبار التي لم يعد الاستماع إليها أو قراءتها يأتي بالجديد، وذهبت باحثا عن الجديد في عيون الضحايا.

هنا في العيون نصف المغمضة، وفي الألم الذي صار بلا صوت، نبحث عن معاني الأشياء، ونجد ما تبقى من صورتنا وهي تتمرى في عيون الغزلان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*