الرئيسية / home slide / فاهان روميليان بمريوله الذي يغمز إلى النسّاك المنسيّين!

فاهان روميليان بمريوله الذي يغمز إلى النسّاك المنسيّين!

10-06-2022 | 17:59 المصدر: “النهار”

هنادي الديري https://twitter.com/Hanadieldiri

فاهان روميليان.

لم نتمكّن (بعد) من أن نزور مُحترفه المسكون بالموسيقى الصاخبة في انفعالاتها، والقائم في العاصمة يريفان التي تتميّز بهندسةٍ طَبعها العصر السوفياتي السابق. ولكنّه، وخلال ساعة من الوقت نقلنا إلى حيث يمضي أيّامه مع الألوان التي يُتقنها لغة ثانية، قد يتخلّلها تغيير طفيف في بناء الجملة، ولكنّها ثابتة في جنونها وانسيابها في كلّ الاتجاهات انطلاقاً من إيقاع الموسيقى التي تصدح في الخلفيّة وتؤثّر على “ضربة” فرشاة الرسم التي لا يُعاملها بلطف، بل يجعلها ترقص في كلّ الاتّجاهات، وكأنّها ترتجف غضباً بأمر من نظرته الثاقبة.

لم نقف وجهاً لوجه مع المريول الذي يرتديه بانتظام فوق ثيابه ويجعله يظهر وكأنّه أقرب إلى ناسك، لولا مئات البُقع المُلوّنة التي تستريح على “كلّ شبر” من القماش الذي لا يخفي قامته المهيوبة. ولكنّه أصرّ على وصف أدقّ التفاصيل التي يعيشها في طقوسه اليوميّة، متوسّلاً باللغة الأرمنيّة لينقل كلّ انفعالاته بصوته الجهوريّ.

أردنا أن نعيش معه يوميّاته الفريدة في مُحترفه القائم في العاصمة الأرمنيّة، وإن كنّا في الواقع، نحتسي فنجان قهوة في غاليري ARAME العريقة القائمة في “الزايتوني باي”، وتتخصّص في الفنّ الأرمنيّ الأنيق الذي يليق بالمتاحف العالميّة الكبيرة.

تحدّث باللغة الأرمنيّة بشغف ترجمه لنا القيّم على الغاليري، مايكل فاييجيان، فيما كنّا نُحدّق باللحية الرماديّة التي تضيف إلى وجهه

لمسة مُحبّبة. ولا ننسى القبّعة التي يُصرّ على الإطلالة من خلالها في كلّ الصور والمناسبات الاجتماعيّة.

الفنّان الأرمني الكبير #فاهان روميليان لا ينتمي إلى هذا العصر. والصفقة التي عقدها ذات يوم مضى مع الروح تتحوّل إيقاعات موسيقيّة صاخبة على #الكانفا. كلمات شاعريّة لا تصف الواقع بشكل دقيق، بل تتّكل على الصور المجازيّة؟

ربما.

ولكنّها تليق بهذه الخطوط غير المُنضبطة، وغير المُهذّبة في إطلالتها على الكانفا الكبيرة الحجم التي يهذي أمامها فاهان روميليان بشكل يوميّ. يترنّح “مقابليها” هو الذي عرض “عدم انضباطه” في باريس، موسكو، برشلونة، لاس فيغاس، نيويورك، فلورنسا، وبقي مُتمسّكاً بالعاصمة الجميلة التي يقول البعض أنّها تولد فيهم ولا يولدون فيها.

هيا بنا نُبدّل الصيغة المُعتمدة إلى الحاضر. “فلاش باك” إلى ذاك الصباح المُشمس في الغاليري الحميميّة في إطلالتها. نعيشه بالحاضر وكأنّه وليد اللحظة.

إنّها الساعة العاشرة صباحاً. والرصيف البحريّ “مُنهمك” بمشاهده الصغيرة.

داخل الفُسخة “المكنكنة”، نحتسي فنجان القهوة خلال هذه الصباحيّة الهادئة ببطء. وفاهان ينظر في عيني وهو يروي قصصه في الأرمنيّة، ومايكل يُقاطعه بفرح ليتمكّن من ترجمة شغفه الشهيّ قبل أن ينسى النقاط التي “يرمينا بها” هذا الفنّان الرائع “بلا ما ياخد

نَفس”. مُعظم أعماله تحمل عناوين تغمز إلى الوقت الذي يهرب منّا من دون أن يستأذن من أحلامنا الضائعة، ومن هذا المُنطلق يُريد “ناسك يريفان” أن يروي بعض مقاطع من تجارب واقعيّة عاشها.

وهو يندفع في اتّجاه الكانفا.

يُهاجمها، ويرقص “مقابيلها”، ويمزج الألوان بواسطة فرشاة الرسم بعصبيّة خلّاقة، غير صبورة.

والموسيقى في المُحترف تصدح عالياً. تتنافس مع هذيان الألوان ورقصة فاهان “غير المُنضبطة” تماماً كخطوطه، هو الذي بدأ يرسم في سنّ الخامسة، وسُرعان ما اكتشف أهله بأنّ “هذا الصبيّ مُختلف”، لا ينتمي إلى الأيّام العاديّة.

وتنقّل الفتى بين الأكاديميّات والمدارس المُتخصّصة بالرسم، وبدايةً، بطبيعة الحال كانت المدرسة الواقعيّة هي العنصر المُهيمن في يوميّاته الأكاديميّة.

وبما أنّ أرمينيا، خلال نشأته، كانت تحت هيمنة الاتّحاد السوفياتي، كانت مسألة مُستحيلة ومرفوضة أن يغور في حديقة المدرسة التجريديّة. القوانين الفنيّة كانت واضحة: يرسمون الفلاح والأراضي الزراعيّة، وكل ما يُجسّد الواقع الاجتماعيّ ويعطيه حقّه. أمّا الكتب الفنيّة فكان يأتي بها من الخارج ليتمكّن من الخروج من هذا السجن الافتراضيّ الذي لا ينتمي إليه فاهان بقامته المهيوبة وتلك الثورة الحادّة التي يُجسّدها بنظرته الثاقبة ورقصته المُترنّحة أمام الكانفا.

وشعر فاهان بالاختناق، هو الذي لا يُتقن لغة القوانين الصارمة، وكانت مسألة طبيعيّة أيضاً أن يتمّ طرده من الأكاديميّة المُتمسّكة بالجفاف الفنّي الكلاسيكيّ بفعل هيمنة الاتّحاد السوفياتيّ.

في ذلك الوقت، كان الذين يرتدون “الشعطة” والأفكار الليبيراليّة سترتهم المُخمليّة، ملاحقون، ينبذهم المُجتمع.

ولكن قدرة فاهان على التواصل مع الغرب، أمّن له “مونة” الكُتب التي كانت تُساعده في السفر، بين دفّتي القصص والكلمات بعيداً من الجفاف والعزلة داخل البلد.

وفي العام 1989 شارك في معرض كبير في فرنسا حيث تعرّف إلى الرسّام الفرنسيّ الكبير جورج ماثيو، وتأثّر بالليبيراليّة التي تقطن أعماله، من دون أن تُبرّر أو أن تشرح.

وفهم آنذاك، أنّ خطوطه غير المُنضبطة، لها الحقّ في أن تحيا.

وأنّه اختار المسار الذي يتوافق مع شخصيّته.

أسلوبه في الرسم اليوم سريع، يُشبّهه البعض بالبرق.

لا مجال للخطأ. وما من فرصة ثانية ليُصحّح.

وكان على يقين منذ البداية بأنّه سيصل إلى أسلوبه المُعتمد حاليّاً.

هذا الأسلوب غير المُنضبط الذي وُلد بعد سيطرة مُطلقة على تقنيّات الرسم الكلاسيكيّة.

“أحتاج إلى الكثير من التركيز لأنجز هذه الأعمال الحرّة”.

وليتمكّن من أن يتحاور مع خطوطه الملوّنة، “لا بدّ لي من أن أجنّ. الجنون وحده يوصلني إلى الخطوط”. والجنون يصل إليه من خلال الأنغام الموسيقيّة التي تصدح في المُحترف الجميل في يريفان.

أحياناً يختار الأوبرا. وربما انساب في اتّجاه الروك.

في الحالتين، لن نجده “مصموداً” بلا حركة أمام الكانفا.

في حياته العاديّة، لا يتحمّل ناسك يريفان الظلم. لا يستطيع أن يصمت أمام الرعب الذي ينبثق من ثنياته. زوجته فنّانة تماماً مثله. تغور في فصول الأشكال التجريديّة.

فنانان في المنزل الواحد؟

“مسألة صعبة”، ولكنّ التجربة ناجحة جدّاً. والحبّ ما زال ينبض في المنزل المُزخرف بالأشكال غير المُنضبطة.

يعتبر نفسه مايسترو، قائد أوركسترا. كلّ لوحة تحمل في طيّاتها مقطوعة مُحددة. مُختلفة عن الأخرى. وقائد الأوركسترا وظيفته خلق التوازن بين كلّ هذا الجنون الجميل.

لا وقت لديه لأيّ شيء باستثناء الفنّ. وهو يشعر أحياناً بأنّ ثمّة من يقف خلفه، فيما هو مُنهمك بالترنّح أمام الكانفا. ربما كانت طاقة مُحدّدة تُلهمه. تدلّه على المسار الصحيح.

وهو يترنّح ويُهاجم الكانفا مُرتدياً المريول الذي يغمز إلى الرهبان أو “شي ناسك” لا ينتمي إلى ضوضاء هذا العالم.

لولا مئات البُقع الملوّنة التي تفضح سرّه وهويّته الحقيقيّة!

Hanadi.dairi@annahar.com.lb