فان دايك “رفيق درب” المعلم بطرس البستاني في نهضة مدرسة عبيه وترجمة الكتاب المقدّس

فان ديك “من صناع التاريخ” الجامعة الأميركية في بيروت).

جمعت المرسل الأميركي الدكتور كيرنيليوس فان ديك والمعلم بطرس البستاني “وحدة حال” قلّ نظيرها في الحياة العادية والعملية، إن من ناحية تأسيس مدرسة عبيه، أو من خلال مساهمة البستاني في ترجمة بعض أسفار من الكتاب المقدّس.

ذهب فان ديك في حفل تأبين للبستاني، إلى اعتباره “معلمي وأستاذي ورفيقي، فكم من الليالي أحييناها معاً في الدروس والمطالعة والتأليف، وحلاوة المعاشرة الصادرة في اتحاد المقاصد والأغراض، فكيف أقف فوق جثته خطيباً ولا أركع بجانبه حزيناً كئيباً…؟!”.

في الجامعة الأميركية في بيروت حُفر اسم فان دايك، وفي كلية اللاهوت للشرق الأدنى، أرشيف عنه ومكتبته الخاصة.

من هو؟

الدكتور فان ديك (الجامعة الأميركية في بيروت).

عرَّف أمين سرّ لجنة الخدمات الاجتماعية الطبية في السينودوس الإنجيلي الوطني في سوريا ولبنان، القسّ سهيل سعود، من خلال بحثه عن “فان ديك”، بأنه طبيب، مترجم، وأكاديمي. وُلِدَ في نيويورك، ودرس الطبّ وتخرّج طبيباً في العام 1839 من جامعة  “جفرسون كولادج للطب”، فضلاً عن كونه عضوًا في الكنيسة الهولندية المُصلحة”. وتوقف القسّ سعود عند “إبحاره من بوسطن عام 1840 عن عمر 21 سنة، برفقة تسعة مُرسَلين إلى الشرق، في رحلة استغرقت شهراً ونصف الشهر حتى وصلت إلى سميرنا في تركيا في 2 أيار، حيث استقبله مُرسَلون يعملون في جمعية أميركية للكتاب المقدس، فبات عندهم لبعض الوقت”.

أما في كتاب سيرة “حياة كيرنيلوس فان ديك” لإسكندر نقولا بارود (كتاب متوفر في المكتبة العالمية الألكترونية، صادر من المطبعة العثمانية في بعبدا عام 1900)، أن “فان ديك وصل إلى بيروت في 2 نيسان 1840 (ص 4) “حيث شرع في درس العربية وحينئذ تعرف بالمرحوم بطرس البستاني… وجعل يدرس العربية على الشيخ ناصيف اليازجي ثم على الشيخ يوسف أسير الأزهري وغيرهما من علماء اللغة، وبذل الجهد في درسها والأخذ بحذافيرها حتى صار من المعدودين في معرفتها وحفظ أشعارها وأمثالها وشواهدها ومفرداتها، واستقصاء أخبار أهلها وعلمائها وتاريخها وتاريخهم”.

“بيت واحد”

صورة لمكنبة فان ديك في كلية اللاهوت للشرق الأدنى في شارع الحمراء.

كيف توطدت علاقته بالبستاني؟ يقول الكاتب بارود في مؤلفه (ص 9) إنه “كان البستاني وفان ديك عند تعرفهما عزبين، فسكنا معاً في بيت واحد وارتبطا من ذلك العهد برباط المودة والصداقة، وبقيا على ذلك حتى يصار يضرب المثل بصداقتهما”.

استمرت صداقة متينة جداً بين البستاني وفان ديك في محطات عدة منها صيف 1843. وذكر الكاتب يوسف قزما خوري في مؤلفه “رجل سابق لعصره المعلم بطرس البستاني -1819-1883″، في فصل عن تأسيس مدرسة عبيه (ص 18) أن اجتماع المرسلين في ربيع 1846 قرر “تجديد نظام مدرسة عبيه على أن تكون اللغة العربية لغة تدريسها (…) وعُيِّن كل من الدكتور كونيليوس فان ديك “لمقدرته على التحديث بطلاقة اللغة العربية، وبطرس البستاني لما اكتسبه من خبرة في التدريس، للقيام بتلك المهمة”. وشدد قزما خوري على أن الإثنين جدّدا “معاً نظام المدرسة ورتباها ترتيباً حسناً حيث قسما دروسها على نحو جديد يشمل دراسة أربع سنوات لاجتياز صفوفها الأربعة واحدهما بعد الآخر…”.

أنشأ مع “صديقه بطرس البستاني مدرسة عبيه الشهيرة، وشرع من يومه في تأليف الكتب اللازمة للتدريس في تلك المدرسة، فألف كتاباً في الجغرافيا، وآخر في الجبر والمقابلة، وآخر في الهندسة، وآخر في اللوغارثمات وفي المثلثات البسيطة والكروية، وفي سلك الأبحر والطبيعيات، وقد طبع بعضها وبعضها الآخر لم يطبع”، وفقاً لما جاء في كتاب خوري (ص 9).

ترجمة الكتاب المقدّس

وفي التفاصيل، وفقاً لقزما خوري (ص 20) فقد “كان المعلم بطرس البستاني في السنة الأولى من تجديد نظام مدرسة عبيه، يعلّم في الساعات الأولى من البرنامج، المخصصة للتدريس، مادتي الحساب والقواعد العربية. بينما كان الدكتور فان ديك يعلّم في الساعات التالية، مادتي الجغرافيا والكتاب المقدس. وأما “تعليم اللغات فقد خُصص للطلاب المتفوقين الذين يتم اختيارهم لدراستها لكي يصبحوا مترجمين…”.

من التربية إلى ترجمة الكتاب المقدس. في التفاصيل، أنه في العام 1847، تعين فان ديك عضواً في لجنة المرسلين ومعه الدكتور عالي سميث والدكتور وليم طمسن وغيرهما ليطلبوا تعيين سميث لترجمة الكتاب المقدس من اللغتين العبرانية واليونانية إلى اللغة العربية(….).

ما دور البستاني في هذا العمل؟ ذكر قزما خوري في المؤلف نفسه (ص 34) “إن البستاني نُقل، إثر انتهاء السنة الدراسية 1847-1848 من مدرسة عبيه إلى مركز “الإرسالية السورية” في بيروت، وعُين معاوناً للدكتور عالي سميث في الترجمة”، مشيراً إلى أن سميث “يذكر في تقرير قدّمه عام 1854 حول ترجمة الكتاب المقدس، أن اختيار بطرس البستاني للقيام بأعمال ترجمة الكتاب المقدس كان نتيجة لمعرفته اللاهوت المسيحي الذي كان قد درسه في مدرسة عين ورقة…”.

1923 دولاراً

صورة من صفحة كتاب عن “كرنيلوس فان ديك” لإسكندر نقولا بارود (من World Digital library).

وغاص قزما خوري في تفاصيل عملية الترجمة التي كانت تجري على النحو الآتي: “كان على البستاني أن يترجم العهد القديم عن الأصل العبري، والعهد الجديد عن الأصل اليوناني، ثم يسلم ترجمته إلى سميث، الذي كان يدقق هذه التجربة بنفسه أولاً، ويعود إلى مناقشة البستاني حول معاني بعض الكلمات التي تحتمل أكثر من معنى واحد، وذلك لاختيار المعنى المناسب بعد مقارنتها مع نسخ الكتاب المقدس الموجودة تحت تصرفهما من عربية وعبرانية وسريانية ويونانية….”.

وسرد قزما خوري وقائع هذه الترجمة مشيراً إلى أنه “عند وفاة الدكتور عالي سميث في 11 كانون الثاني عام 1857 لم يكن طُبع من أسفار الكتاب المقدس سوى سفر التكوين و39 إصحاحاً من سفر الخروج…(ص 35). وأكد أنه “في 11 نيسان عام 1857 عُين الدكتور كرنيليوس فان ديك لإتمام ترجمة الكتاب المقدس، خلفاً للدكتور عالي سميث. ولفت إلى أنه “إثر استلام فان ديك مهمة الترجمة لأسباب يذكرها الدكتور فان ديك بأنها تتعلق بطبيعة العقد بين سميث والبستاني، والذي كان ينص على أنه في حال وفاة أحد الطرفين المتعاقدين تعتبر الاتفاقية لاغية. وبذلك يكون بطرس البستاني قد قام بترجمة الكتاب المقدس باستثناء الأسفار الآتية: أيوب، والمزامير، والأمثال، والجامعة، ونشيد الأناشيد، والنبؤات الآتية حزقيال، ودانيال، وحبقوق، وزكريا وصفيا وحجي وملاخي. وقد بلغ مجموعة ما حصل عليه البستاني لقاء أتعابه من أجل ترجمة الكتاب المقدس خلال ثماني سنوات متتالية 50 ألف غرش أو ما يعادل 1923 دولاراً أميركياً”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

Twitter:@rosettefadel

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*