الرئيسية / home slide / فالروض قفر

فالروض قفر

“ننظر وراءنا في ندم، وحولنا في خوف، وامامنا في يأس”.

توفيق الحكيم

زحمة عروض على الجمهورية اللبنانية وهي تبتهج سعيدة باحتفالات المئوية. الرئيس ميشال عون يعد بالدولة المدنية، أب الافلاطونية السمحاء، والرئيس الفرنسي يطلب عقداً وطنياً جديداً. والطائفة الشيعية تريد دولة بديلة تماماً، كما يوحي المفتي الجعفري، الذي لا يبدو أنه يعترف بالدولة القائمة في اي حال.

وثمة بارقة بين العروض الشيقة والاستعراضات الحية. كلها تنادي بالطائفية. وعليه لا يكون شرط الرئاسة ان يكون الرجل الأقوى في طائفته، بل المتمتع برضا اكثرية المواطنين وثقتهم ومحبتهم. ولا يعمل من اجل استعادة حقوق طائفته، بل من اجل احترام حقوق المواطنين. ولا يشكو الرئيس الى المجلس الدستوري قانون الكفاءة في التعيين ، ولا يجمد قرارات مجلس القضاء الأعلى ولا حتى يخاطب القضاء في اي امر.

والحال ان طموحات ومطالب واحلام اللبنانيين في هذا الزمن، دون ذلك بكثير: ربطة خبز. صفيحة بنزين. قسط مدرسي. ومرفأ لا يعرض عليهم، بالصوت والصورة، مشهداً من يوم القيامة واشراط الساعة. ومن يطبق الدولة المدنية ويقيمها؟ اهل النظام واركانه، تماماً كما تولى اهل الحرب رسم معالم السلام؟

المشكلة ان جميع العروض ورقية وزمنها طويل. فالدولة المدنية في حاجة الى حوار عميق ونحن بلد، الحوار فيه مرفوض. أو مشروط سلفاً. والتجارب كثيرة. وهو لا يدوم، بل يسقط في اول امتحان، كما سقط اتفاق الدوحة أو معراب أو الطائف. من حيث المبدأ، الدولة المدنية، افضل نظم الأرض. لكنها لا تقوم إلا بالغاء المفاضلة والفروقات وعنصر الغطرسة في الطبع البشري. وعكس الروح العسكرية، لا تسمح بالتوريث والتعيين والعائليات. وعندما ينحرف المدني ايضاً الى هذا السلوك، تختل النظم وتتردى احوال الناس وتنهار ركائز الدولة.

عروض شيقة، لكن كل واحد منها في داخله عرض آخر، مثل الدمية الروسية. ومن الصعوبة أن تقنع بها مجتمعاً متباعداً، ضعيفاً وهشاً ودائم الخوف والقلق. لفتني السبت الماضي (القضايا) في مقال الاستاذ عبد الرحمن المولى اشارته الى “بلاد الأرز”. هذه التسمية لم تكن واردة في ادبيات المسلمين من قبل. لكن لبنان الذي كان مرفوضاً من قبل عند معظم المسلمين اصبح اليوم هوية بسبب الاضطراب الاقليمي والخوف من سيطرة ثقافة غير عربية اندفاعية، اضعفت السنّة بالدرجة الأولى، وقرضت قوتهم التاريخية الى درجة ان رئيس الوزراء اصبح، مثل سواه، مرشح الآخرين وانتقاءهم.

كيف تقيم دولة مدنية او عقداً جديداً وبيروت لا تزال تئن تحت الركام. قبل إقامة دولة مدنية يجب ان نقيم اي دولة، أو شبه دولة، أو “ماكيت دولة”. ففي اي دولة أو ساحة أو غابة يمكن ان تكون القضية الكبرى الغاء سد بسري والمفقودون لا يزالون تحت الأرض وتستقبل رئيس فرنسا في العتم. إن احداً لم يذلّ اللبنانيين مقدار ما أذلتهم دولتهم، تعويضاً نفسياً، عن عِقَدها وعمّا اذلها الآخرون وامعنوا في إهانتها وتجاهلها. اتفاق القاهرة لم يكن اول معالم الاذلال، بل كان نتيجة لسلسة طويلة منه. والاستباحة كانت دوماً نتيجة للإباحة التي يعتصم بها فريق من اللبنانيين، مستقوياً على الافرقاء الآخرين، بنفوذ طارىء وتسلط اقليمي ما أو انفصال كلي عن السياق الوطني المراد والمرتضى.

خلاصة الحقيقة ان احداً من السادة المحليين لم يرَ ماذا حدث لبيروت أو ادرك ماذا حل بالعاصمة. الذي اعلنه المشهد التوراتي، أو القيامي، هذه المرة، ان اعلان لبنان الكبير قد أُعلنَ الآن دولة متوسلة وشعب متسول. اعظم بارقة أمل لمعت في عروق اللبنانيين كانت يوم اهتز الكلب التشيلي “فلاش” لفكرة ان ثمة نبضاً تحت حطام وركام الجميزة. منذ 4 آب لم يخامر الناس اي نوع آخر من مشاعر الأمل. لقد ماتت كلها يوم تطلعت بيروت حولها، وهي غارقة في الدماء، ولم تجد احداً. فقط الغرباء جاءوا يؤاسونها وينفضون الرمال وكسرات الزجاج وحسرات الخراب. المحليون اعطوها ما اعطوها دائماً: التوجيهات! ولا حتى كسرة خبز.

من التشيلي جاء المتطوعون، من حافة الأرض، وآخر الدنيا. وكما في اعمال ديزني والنهايات السعيدة حملوا معهم “فلاش” المدرَّب على تشمم وتحسس القلوب النابضة في انهيارات مناجم الفحم والفوسفات. لعلك يا “فلاش” تتعرف الى ضحايا نيترات الامونيوم وفتائل القتل الرهيب. وصل “فلاش”متأخراً برغم كل نواياه الطيبة ورقته وعذوبة قلبه وارتجافه حزناً وفرحاً عندما خُيّل إليه ان ثمة معجزة تريد ان تكشف عن نفسها. وما دام الكلام لفيروز في كل مكان، وكل حكي آخر سماجة فوق الصدور والقبور، يحضرنا بين هذه الدماء والدموع شدوها:

فالروض مهما زهت قفر \ إذا حرمت من جانح رفّ او من صادح صدحَ.

بلاد الاخطل الصغير، الجميزة. كان يأتي منها ماشياً إلى مقهى الروكسي على البرج، يجلس خلف طاولة يضع عليها طربوشه، وينضم الى حلقة من حلقات اهل الفن والأدب والفكر وشعراء الخمول والتندر وتجزية العمر في هناء المدينة. “الجميرة” شجرة هائلة الحجم، اعطت اسمها لتلك البقعة، واستغله سعيد فريحة لكي يسخر من نفسه أومن رفاق الاحجام الضخمة ويسميهم شجر الجميز. لكن الجميز كان ايضاً وارفاً وظليلا ومنعش الانسام في حر بيروت ورطوبة البحر. احرق الانفجار البهيم، ورق الشجر وقلوب الامهات، وحوّل بيروت الى وادي العويل. محا الذكريات واباد الروض وطفق يمزق عروق المدينة.

مشفقون، ونبلاء، جاءنا التشيليون من بلاد بابلو نيرودا وملح المحيط الذي علا جميع شعره مثل الزغب. كأنه على مرفأ بيروت كتب: “حيث يضرب الموج فوق الحصى المضطربة (…) المسافر السحري الذي يسقي موته الزهور”.

جاء التشيليون وعادوا، والميناء يحلم بالسفر. في الماضي، كان يعشق بيروت، ويطمئن الى ان الفارس مار جرجس سوف يحميه برمحه الذي يشبه رمح عنترة وفرسان الطاولة المستديرة. لكن الآن اصبح خائفاً في هذه المدينة. ولا فرسان. والانذال يجمعون “الحصى المضطربة لبيعها في الاسواق القريبة.

إذا مررت بالجميزة، بعد تنين 4 آب جهة المرفأ، فسوق ترى رجالها المسنين، جالسين بالقمصان “البروتيل”، امام بقايا منازلهم، في انتظار احد ما. أو وفد من التشيلي. أو “حوالة” من ميريل ستريب، التي رقت لحال نساء بيروت، اللاتي نتّف الإعصار فساتينهن وانتزع منها ذكريات المدينة والبحر، وصوت صفير البواخر، تعلن وصولها أو ابحارها، على ايقاع رهبة البحر واحمال الميناء.

ما في حدا، لا تندهي، ما في حدا. لقد سافر الشاب الفرنسي وغادر الوفد التشيلي آخذاً معه “فلاش” وقد خاب امله وتوقف عن تحريك ذيله وربض على الأرض باكياً وحزيناً، هل من اجل هذا الفشل تحمَّل 17 ساعة من الطيران، وهو في سلة صغيرة من القصب؟ تحزن الكلاب حتى على الضحايا الذين لا تعرفهم. أما الهر فهو عقلاني: حيوان مكتمل قصير الذنب صغير الأذنين ولا يؤخذ بالعاطفة، كما كتب نيرودا.

الجزء الوحيد من تدويل التحقيق، الذي سمح به المحليون، كان المتطوعين القادمين من سانتياغو دو تشيلي. والباقي احتفالات عامرة بذكرى بلد لم يبق منه سوى نبض الركام في الجميزة. وتقول الاسطورة ان بلدكم مثل سيزيف وصخرته، يقع وينهض، وتقول الخرافة أنه مثل طائر الفينيق، يموت وينبعث. أيه، تباً للإثنين. تباً بترجمتها عن الانكليزية. شبع هذا البلد موتاً وقيامات واساطير. وتشريداً وشرفات تتهاوى. ورقّة “فلاش” يرتجف فرحاً ثم خيبتة فوق كومة من الحجارة والرمل. وليذهب سيزيف الى الجحيم. ومعه هذا الفينيق الحمار. سئم هذا البلد لعبة الموت والقيامة. وقد رآها حقاً هذه المرة في الميناء. وقد ملّ الحياة مع هذا النوع من السياسيين. تكراراً: كفى بك ان ترى الموت شافيا. حسوا.

Samir Atallah

Twitter: @samir_n_atallah