الرئيسية / home slide / فاصل “فرح وسعادة” بين سوادٍ سابق… وسوادٍ لاحق!

فاصل “فرح وسعادة” بين سوادٍ سابق… وسوادٍ لاحق!

07-07-2022 | 00:25 المصدر: “النهار”

سركيس نعوم

سركيس نعوم

استقبل الوافدين إلى لبنان في مطار بيروت (النهار).

يعيش ال#لبنانيون أو قسم مهم منهم هذه الأيام حالاً من الفرح وربما السعادة بعدما رأوا بأم العين أن مواطنيهم المنتشرين في معظم دول العالم لا يزالون يحنّون الى وطنهم والى أصدقائهم وعائلاتهم فيه ولا تزال في قلوب الكثيرين منهم النخوة اللبنانية الأصيلة. وهي قد تكون دفعت آلافاً منهم الى القدوم الى بلادهم الأصلية أولاً لرؤية أهاليهم وأقربائهم والأصدقاء، وثانياً لمساعدة من يكون في حاجة منهم الى بعض عملة صعبة لمواجهة الآثار البالغة الصعوبة لما ارتكبته المنظومة السياسية على تنوّع طوائفها والمذاهب من إجرام في حقهم بل في حق شعب لبنان، بعدما قسّمته شعوباً وأوصلت غالبيته الى ما تحت عتبة الفقر وجعلت الشعور بالذل والمهانة يسيطر عليه. يعيش اللبنانيون أنفسهم فرح عودة سيّاح الى لبنان بعضهم عربي شقيق اشتاق الى لبنان ما قبل الحرب فتجاوز محظورات كثيرة وتحذيرات أكثر، وبعضهم أجنبي دفعه انهيار قيمة العملة الوطنية اللبنانية وسحر الطبيعة اللبنانية ومضيافية اللبنانيين الى المغامرة بل الى المخاطرة في بلاد تعيش من زمان على فوهة براكين الطوائف والمذاهب التي يبدو أنها بدأت تستفيق منذ سنوات قليلة من سباتها غير العميق. ولا أحد يدري في أي وقت تسقط حممها على المواطنين والمنتشرين والسيّاح.

“الموقف هذا النهار” يرتاح الى أجواء الفرح السياحي وفرح لقاء الأهل والأحبة وإن لمدد قصيرة بعد فراق طويل وربما دائم، لكن كاتبه يرى نفسه ملزماً بالإشارة الى أمور عدة. منها ضرورة تصرّف اللبنانيين المقيمين على طبيعتهم الترحيبية بكل مغترب ومنتشر وسائح وأيضاً بكل “أجنبي” يطأ أرض بلادهم، وفي الوقت نفسه ضرورة عدم نسيان حالهم المزرية والوقوع في وهم الاعتقاد بأن لبنان “زكرة العالم” بعربه وبكل أجانبه وتالياً الانصراف الى حياتهم السابقة التي لم تكن محاسبة الحكّام والمنظومة السياسية الفاسدين على جدول أعمالها. ومنها أيضاً عدم تصديق الإعلانات الإعلامية المتنوّعة وتصريحات المسؤولين. فالتلفزيونات أظهرت فعلاً جمال لبنان بكل مناطقه وسواحله وجباله وبحره وأنهاره ولكن من الجوّ وبالسياحة الدينية والترفيهية فيه، وأظهرت أيضاً اللبناني المضياف والمحب للحياة. لكنها لم تظهر أن تحت الجمال الباهر هذا وأحياناً بالقرب منه والى جانبه أطناناً من النفايات وتلوّثاً شاملاً للهواء وللأنهر وللبحر حيث المنتجعات السياحية الخلابة وشواطئ الفقراء تختلط بـ”المجارير” والفضلات البشرية، وتحاول الأجهزة المدنية المختصّة أحياناً التقليل من خطر السباحة فيها بالقول إن تحليلات مياهها أثبتت أن نسبة “البراز” فيها تسمح بالغطس فيها وبالسباحة، وهذا أمر غير موجود في الدول السياحية سواء في العالم المتقدم أو في العالم الثالث. لكن وسائل الإعلام نفسها أظهرت القرى والبلدات والمدن ساحلاً وجبلاً مشعشعة بالكهرباء وأن اللبنانيين المقيمين والمغتربين و”الوافدين” يعيشون سعادة غامرة. إلا أنها أغفلت، ولا سيما في إعلاناتها السياحية، الغياب التام والشامل للكهرباء عن معظم البلاد والانقطاع شبه الشامل للمياه والغلاء الفاحش للمحروقات وغياب الأدوية على أنواعها والغلاء غير المحتمل لأسعار السلع فيها وتحكّم “الشركات الكهربائية الخاصة” أي المولدات بالناس في كل حي وشارع وزاروب من مدن لبنان ومن بلداته وقراه، ووفاة شركة كهرباء لبنان الرسمية رغم عشرات المليارات من الدولارات الأميركية التي أُنفقت عليها رسمياً وعلى الفاسدين من أهل السياسة الذين تولوا إدارتها والإشراف عليها أو الذين شاركوهم مكاسبهم ولا سيما أمراء الطوائف والمذاهب.

طبعاً يحتاج لبنان الى العملات الأجنبية التي يحملها معهم المنتشرون والسياح الذين اشتاقوا الى بلادهم وجمالها الرباني الذي “وسّخه” البشر. ويحتاج الى سنوات لإزالته ورجال دولة وسياسيين ومواطنين يتمتعون بالنزاهة والنظافة والأخلاق والولاء الوطني السليم. لكن هذه الحاجة يجب أن لا تدفع الى “سرقة” هؤلاء، وهي عادة كانت موجودة في لبنان في فترات سلامه الواقف دائماً على “صوص ونقطة” الحروب والهزات. علماً بأن الفقر والذل قد يدفعان المقيمين الى التغاضي عن هذه القيم.

في النهاية ليس كاتب “الموقف هذا النهار” واعظاً مسيحياً أو محمدياً لكن سمعة لبنان ومواطنيه وشعوبه وقبائله صارت في الدق بل هي مزّقته. ولا بد من تنظيفها ويحتاج ذلك الى زمن طويل. كما أن وضعه الحالي السياسي والاقتصادي والأمني والنقدي والمالي فضلاً عن الذل والفقر والتعتير والفساد يتعايش كل ذلك اليوم مع عيد السياحة في لبنان ومهرجاناته ودولاراته والغش الذي مارسه المسؤولون والأفرقاء السياسيون عندما توافقوا على نزع كل ما يشير الى دقة الوضع ووساخته في لبنان من الشوارع والخوف من انزلاقه الى فوضى ما. لا أحد يعرف متى تعود مظاهر الاحتراب السياسي والانقسام الطائفي والمذهبي والمناطقي والفوضى والعصابات والخطف والتشليح وسرقة السيارات.

يتمنى “الموقف هذا النهار” للسياح اللبنانيين والعرب والأجانب وللمنتشرين إقامة من دون خضات وخيبات، ويتمنى أن لا يقع المقيمون في وهم أن الوضع جيد، وأنهم يرون حكومة قريبة تعد لانتخاب رئيس جمهورية بين أيلول وتشرين الأول المقبلين رغم تمني كاتبه ذلك. لكن الواقع يشير الى أن لبنان هو عملياً وفعلياً في “مرحلة سوداء” سماتها الفوضى القاتلة أحياناً والمزعزعة للاستقرار بعمق دائماً والسرقة والقتل وربما أكثر لكن الحرب الأهلية وهي الأخطر لن ينزلق إليها لبنان استناداً الى معلومات العارفين.

Sarkis.naoum@annahar.com.lb