فاشية العصر الحديث

حياة
29052017

كان أمبرتو إيكو في العاشرة من عمره عندما شارك في مسابقة «وطنية» بين طلاب المدارس وحلّ في المرتبة الأولى، ودارت المسابقة الإنشائية حول سؤال «فاشي» هو: «هل يجب الموت في سبيل مجد موسوليني وخلود إيطاليا؟». هذه الجملة لم تغب بتاتاً من ذاكرة هذا المفكر والناقد والأكاديمي والروائي الذي يعترف بأنه لم يقرأ كلمتي «حرية» و «ديكتاتورية» إلاّ بدءاً من العام 1943 بعد سقوط الفاشية وسقوط الديكتاتور الإيطالي موسوليني.

في العام 1995 طلبت مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الشهيرة، من أمبرتو إيكو أن يكتب مقالاً طويلاً في الذكرى الخمسين لتحرر أوروبا من قيود النازية. حينذاك كتب صاحب «اسم الوردة» نصاً رهيباً عنوانه «الفاشية الأبدية» وجمع فيه بين ذكريات الفتوة أو الشباب ونظرته الفريدة إلى الفاشية. ولقي النص حينذاك رواجاً ليس فقط لأنّ صاحبه أمبرتو إيكو، المتضلع في مثل هذه الشؤون، وإنما أيضاً لأنّ رؤيته إلى الفاشية تخطت المفاهيم الرائجة عنها ووضعت لها معايير جديدة استنبطها إيكو من حضارة العصر الحديث. ولم يتوان حتى عن استعارة أحد تعابير الكاتب الأميركي جورج أورويل في روايته الرهيبة «1984»، وهو تعبير «نوفلانغ» أو «نيوسبيك» كما بالإنكليزية.

هذا النص البديع الذي لا يتعدى الخمسين صفحة ارتأت دار غراسيه الباريسية أن تصدره في كتاب مستقل عنوانه بالفرنسية «التعرف إلى الفاشية». ولئن باتت الفاشية في علم السياسة والتاريخ مصطلحاً واضحاً وشائعاً، فهي هنا في نص إيكو، تكتسب مواصفات لم تكن لتخطر في ذهن القارئ. فهو سعى انطلاقاً من مراسه في حقل التحليل السيميولوجي إلى إعادة رسم حدود الفاشية وإبراز «تقاطيعها» في سائر وجوهها أو تجلياتها، في السياسة والثقافة والحياة اليومية، جاعلاً منها على طريقة رولان بارت واحدة من «أساطير» (ميتولوجيا) العصر الراهن. وفي رأيه أن الفاشية أصبحت في هذا العصر مصطلحاً قادراً على التكيف مع كل معطى يبرز من حولها حتى أننا لو حذفنا من أي نظام فاشي مظهراً أو مظاهر عدة، يظل مفضوحاً ومعروفاً بكونه نظاماً فاشياً. ويقول إيكو إننا إذا نزعنا على سبيل المثل، عن الفاشية طابعها الإمبريالي يظهر أمامنا الديكتاتور فرانكو أو الديكتاتور سالازار. وإذا حذفنا من الفاشية الطابع الكولونيالي لظهرت الفاشية البلقانية.

يسمي إيكو الفاشية التي يسعى إلى تفكيكها بـ «الفاشية الفطرية والأبدية» (يستخدم أيضاً عبارة أور- فاشية) وهي برأيه تحيا بيننا ولو متنكرة، ولا بد من تعريتها وكشف أقنعتها وفضح تعابيرها الجديدة الرائجة باستمرار في كل جهات العالم، وأحياناً ببراءة وبراءة تامة. ويستخلص إيكو أربعة عشر نموذجاً لهذه «الفاشية الفطرية والأبدية» ويحللها مستخدماً أدواته كناقد ومفكر ومؤرخ. والنماذج هذه هي: عبادة التراث، رفض الحداثة، عبادة العمل (أكسيون) من أجل العمل، عدم القدرة على تحمل النقد، استغلال الخوف من الاختلاف، تعبئة صفوف الطبقات المتوسطة المحبطة والمحرومة، هاجس المؤامرة خصوصاً الدولية، هاجس الثراء الاستعراضي وقوة العدو، الرؤية إلى النزعة السلمية بصفتها تواطؤاً مع العدو واحتقار الضعفاء، عبادة البطولة المرتبطة بعبادة الموت، الذكورية، الشعبوية الكيفية القائمة على إقحام الشرعية البرلمانية، استخدام «النوفلانغ». وهذه «النوفلانغ» (أو النيوسبيك) هي اللغة التي ابتدعها الكاتب جورج أوريل في روايته «1984» وهي قائمة على اختزال الكلمات الهادف إلى اختزال الأفكار مما يجعل «الشعب» في حال من التضاؤل الفكري.

يطرح أمبرتو إيكو مقاربته هذه لما يسميه «الفاشية الفطرية والأبدية» متيحاً أمام القارئ أن يقبلها أو يرفضها ويناقشها وأن يضيف إليها نماذج أخرى لم يوردها هو. والنماذج هذه التي أمعن في تحليلها ليست جاهزة و «نهائية» بل هي تحث على السجال وبعضها يصب في النقاش الدائر اليوم في أميركا وأوروبا حول قضايا شائكة مثل الشعبوية والثراء الاستعراضي والخوف من الاختلاف وسواها. وبدا واضحاً من خلال هذه النماذج أن الفاشية لم تبق رهن حدودها السياسية والعسكرية، ووقفاً على مفهومها العام وعلى الرموز الدكتاتورية التي رسختها تاريخياً. إنها الفاشية التي تعيش بيننا ونعيشها، تحكم مسار حياتنا، نختارها أو تختارنا، نتواطؤ معها قصداً أو عن غير قصد.

كم أصاب أمبرتو إيكو في مقاربته الجديدة للفاشية، الحديثة والقديمة، المتجذرة في الروح البشرية والمكتسبة سياسياً أو سلطوياً، سليلة التاريخ والعصر الراهن. إنها فاشيتنا نحن، مثلما هي فاشية الآخرين، فاشية ثقافتنا مثلما هي فاشية السلطة والمال والعنجهية واللاإنسانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*