فاروق مردم بك… عن صلاح الدين

 

المدن – ثقافة|الأحد02/12/2018

Almodon.com

صلاح الدين يشرف على أسر جنود فرنجة، منمنمة فرنسية من القرن الرابع عشر

صلاح الدين الأيّوبي من الشخصيّات التاريخيّة النادرة التي تحوّلت إلى أسطورة، في الشرق والغرب على السواء، وما كُتب في تمجيده في أوروبا، منذ عصره، يفوق أضعافاً مضاعفة ما كتبه المسلمون.
على الباحث عن حقيقته، أن يقرأ بعنايةٍ وحسٍّ نقديّ، أعمال المؤرّخين الذين رافقوه وأحبّوه، خصوصاً عماد الدين الإصفهاني وابن شدّاد، والذين انتقدوه بشدّةٍ حيناً واعترفوا بفضله حيناً، مثل ابن الأثير، والذين ندّدوا به، وهم غالباً من أنصار الفاطميّين الذين أجهز صلاح الدين على دولتهم بعدما هزّ أركانها نور الدين الزنكي.

وتستدعي”أسطرته” السؤال عن أسبابها: لماذا امتدحه الشعراء والإخباريّون الأوروبيّون في العصر الوسيط وجعلوه أنموذجاً للفارس الشجاع والسلطان الكريم، العادل، الحكيم، على غرار الإسكندر الأكبر؟ لماذا احتفظ بمكانته العالية عند دانتي وبوكاشيو، ومن بعدهما، في القرن الثامن عشر، عصر الأنوار، عند ليسنغ وفولتير، وفي القرن التاسع عشر، في روايات والتر سكوت وغيره؟ ولماذا، بعد صمتٍ طويل، ظهر من جديد في الأدب العربي، في بداية القرن العشرين، على يد جرجي زيدان، واعتبره فرح أنطون، المُفكّر المسيحي العلماني، رمزاً للبسالة في الدفاع عن الوطن؟

أجابت عن هذه الأسئلة وغيرها، المؤرّخة اللبنانيّة آن ماري إدّه (في كتابها الذي صدر بالفرنسيّة في 2016)، بعد رواية سيرة صلاح الدين بدقّة وموضوعيّة، استناداً إلى جميع المصادر المتوافرة، ولم تُهمل استخدام شخصيّة صلاح الدين في أيّامنا لاستنهاض الهمّة ضدّ إسرائيل، كما في فيلم يوسف شاهين، ولا لتمجيد عبد الناصر وصدّام حسين وحافظ الأسد.

هكذا يُكتب التاريخ، أمّا محاكمة شخصيّاته بمعايير لا صلة لها بعصرهم، تقديساً أو تدنيساً، أو بتضخيم بعض الوقائع والسهو المُتعمّد عن غيرها، أو بمنظورٍ طائفيّ، فلا يستحقّ أن يُناقش.

(*) مدونة كتبها الباحث السوري فاروق مردم بك في صفحته الفايسبوكية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*