فائض مصالحات… وبعد؟


لا نقلل أبداً أهمية أي جمع سياسي او ديني او اجتماعي من شأنه ان يرسخ ما أرسته المصالحة التاريخية في الجبل التي عقدها البطريرك التاريخي مار نصرالله بطرس صفير والزعيم الاكبر للدروز وليد جنبلاط عام 2001. ولن تخرج الحلقة الاضافية التي ستجرى في قداس في دير القمر عن مسار تمتين المصالحة الا في جانب سياسي ثنائي هو احداث تقارب مناطقي بين الحزب الاشتراكي و”التيار الوطني الحر” تحديدا. لكننا مع ادراكنا لاهمية دلالات اي تطور كهذا الذي سيجري في قداس دير القمر نقارب المسألة من باب آخر لا يتصل بحسابات الأحزاب والتيارات والقوى المعنية. والحال ان ثمة حقائق في الوضع اللبناني لم تعد تحتمل مجرد رفع شعارات المصالحة والتقارب والغفران والاعتذار حتى لو سارت على خطى كلام السيد المسيح “أحبوا بعضكم بعضا كما انا أحببتكم” وهو السقف الذي يستحيل بلوغه طبعا في بيئة “محبة” كلبنان! واقعيا لم يعد الجبل برمته يحتاج الى مزيد من تلاوة افعال الندامة والاعتذار التي اطلقها بكثافة مشهودة الزعيم الاشتراكي تباعا ومثله فعل افرقاء مسيحيون وان بقدر اقل لكي يتأكد أبناء الجبل الدروز والمسيحيين وكذلك ابناء الطوائف الاخرى من شركائهم ان الجبل بات وأسوة بسائر المناطق اللبنانية الاخرى يحتاج الى ما يتجاوز بكثير مصل المحبة والعيش الواحد والشعور المشترك بكل ما يمت بصلة الى حاجات اللبنانيين الفائقة الحاجة والأكثر من ملحة. نقولها من دون قفازات وهي حقيقة مجردة ومتجردة ان ابناء الجبل كما ابناء كل منطقة لبنانية يحتاجون الى “عودة” دولة في المقام الاول والا لن يبقى من كل مبادرات التقارب وغسل بقايا ذيول الحرب والفتن الا الطقوس التي يشهد عليها اخطر واقع تشهده معظم المناطق اللبنانية في نزف الهجرة من الريف الى بيروت والمدن الساحلية وعبرها الى الخارج لمن تتاح له الفرص. لن ندخل في متاهات مسألة اعادة المهجرين حتى ان التسمية لم تعد جائزة لان العامل التهجيري الأمني زال تماما منذ ترسخت تباعا مصالحة الجبل. ولكن ما لم تجر ازالته اطلاقا بل تفاقم حضوره الثقيل والشديد التأثير هو التباطؤ القاتل في الإنماء الريفي والمناطقي بحدوده الدنيا الى حدود تشكيل عامل تهجيري اشد خطورة واتساعا من القتال الفتنوي الدامي بما أبقى عشرات البلدات والقرى على امتداد أقضية الجبل شبه فارغة تفتقد الحياة والحيوية والناس لافتقارها الى المشاريع المحفزة على صمود الناس والإنتاج والعيش الكريم. غالبا ما ترسم علامات التمايز على الجبل لكونه قلب لبنان السياسي تاريخيا وهو امر صحيح ومثبت تاريخيا. ولكن هذه الحقيقة لم تعد كافية لاطلاق شعارات مستعادة من حقبات وظروف سابقة لا تنطبق على الواقع الراهن مهما كانت شعارات براقة تلامس المشاعر الشعبية بما يحلو للناس سماعها. فكما ترزح معظم مناطق البقاع وعكار تحديدا تحت انواء الغياب التاريخي للخطط التي تقول لابناء هذه المناطق ان في لبنان دولة مزعومة كذلك تنطق البلدات والقرى الفارغة في الجبل بالحقيقة المفجعة نفسها ومن هنا يجب ان يبدأ كل تطور جديد.

nabil.boumounsef@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*