الرئيسية / home slide / فؤاد سليمان في افتتاحيّة “النهار” قبل سبعين عامًا: إنّه الجوع ونحن جائعون لكنّنا لن نجوع. كيف؟

فؤاد سليمان في افتتاحيّة “النهار” قبل سبعين عامًا: إنّه الجوع ونحن جائعون لكنّنا لن نجوع. كيف؟

في “النهار”، في الصفحة الأولى من “النهار”، تحت توقيع “تموز”، قبل سبعين عامًا، وأيضًا قبل أكثر من سبعين أيضًا، كان الأديب اللبنانيّ الكبير الكبير جدًّا، فؤاد سليمان (1912-1951)، يكتب بلحم القلب، افتتاحيّة “صباح الخير”، مغمّسًةً بالغضب، بإخلاص شجرة الزيتون، محميّةً بالصوّان، وبالقليل المتقشّف والمقطوف والألمعيّ من الكلمات الحالمة الهادرة البارقة الجارحة الحارقة المكهربة والمشغولة بنار الغضب النقيّ، معبِّرةً عن الإنسان الطيّب، عن الأرض، عن الحبّ، عن الوجع، عن القمر، عن الحكم الفاسد، داعيةً إلى امتشاق “السيف” في وجوه رجال السياسة تجّار الشرف وباعة الكرامة، إكرامًا للبنان، ودفاعًا عن الحياة المضرّجة.

أمس، في غمرة ما يواجه اللبنانيّين من أهوالٍ ومشقّاتٍ حياتيّةٍ داهمة، تُذكّر بأيّامٍ لبنانيّةٍ مضفورةٍ بأكاليل الظلم والمرض والفقر والجوع والموت الفرديّ والجماعيّ، على الطرق، على الأرصفة، في البساتين، في الجبال، في المدن، في الأودية، على ضفاف الأنهر، على مرمى نظر من مراكب الهجرة الراسية في الموانئ والمتأهّبة للإقلاع، وفي البيوت المكسورة الخاطر، ذكّرني شقيقي الأكبر بمقالتَين لفؤاد سليمان، واحدة عنوانها “لن نجوع”، تحمل تاريخ 6 تموز 1950، وثانية عنوانها “جوع” غير مؤرّخة، لكنّها كُتِبت على الأرجح في الفترة ذاتها. لكأنّ التاريخ يعيد نفسه. بل لكأنّ فؤاد سليمان يحبّر في جريدتنا الآن وهنا، ويقيم بيننا اليوم، وقد كتب مقالتَيه تباعًا، وللتوّ، ونشرتهما له “النهار” تباعًا، وللتوّ. فما أشبه اليوم بالأمس. وما أشبه الأمس باليوم.

لكنّه الجوع، فكيف لا نجوع يا فؤاد، يا صديقي فؤاد سليمان، وأنتَ أطلقتَ على هذا الجوع تسمية “الكافر”، في معرض وصفكَ له: “ويله، ويل أمّه، كم هو كافر. ينكر ربّه، ألف مرة في اليوم. كافر، يمسك ربّه من عنقه، ويخنقه”؟!

كيف لا نجوع، ونحن عالقون، لا في المشقّة العالميّة التي يواجهها البشر فحسب لألف سببٍ وسبب، بل نحن عالقون خصوصًا بين أنياب السلطة اللبنانيّة، والطبقة السياسيّة المتوحّشة، كما لم يكن ثمّة توحّشٌ من قبل، يا فؤاد.

أخاطبكَ، باعتباركَ أبي الروحيّ الأدبيّ الأوّل، لجهة الدستور الذي طرّزْتَه بقلمكَ للقيم والمعايير والمناقبيّات والأخلاقيّات. فأنتَ أبي الروحيّ بالكلمة، وبالوجدان المطعون، وبالبدايات الأولى التي شققتَ بها تَفتُّح الدروب نحو قصيدة النثر اللبنانيّة والعربيّة.

إنّنا عالقون عالقون عالقون، يا فؤاد، يا صاحب “درب القمر”، و”القناديل الحمراء” و”تمّوزيّات”، وهي كتبكَ الثلاثة التي تنشّأتُ عليها، وأفراد العائلة، جدًّا وأبًا وأمًّا وأخواتٍ وأخوةً، فجعلتنا جميعنا أبناءً مكرّسين لإعلاء شرف الحقّ والحقيقة، بالكِبَر والرأس المرفوع، مكتفين بالفراش الجماعيّ على أرض المنزل المتواضع، محفوظي الكرامة، بشغل عرق الجبين، وبحبّة الزيتون، وبرغيف الصاج، وبمقعد الدراسة.

إنّنا عالقون. وأكادني أقول، لولا انتفاضة الغضب والثورة في لحم القلب، وفي الكلمة المكابِرة: لا خلاص. وأكادني أكرّر قائلًا: لا خلاص.

فنحن جياعٌ يا فؤاد. الناس كلّهم جياع. هؤلاء الذين يؤلّفون الطبقة الاجتماعيّة (المتوسّطة، فضلًا عن الفقيرة) الأشرف والأغنى بين كلّ الطبقات، على قول زميلنا جهاد الزين في مقاله الأخير، تحت عنوان “ملاحظات في اليأس السياسيّ”.

فماذا نفعل بالجوع، يا فؤاد؟

وإذ أذكّر بمقالتيكَ “جوع” و”لن نجوع”، فلأنّك ختمتَهما بالثورة: “ولن يجوع اللبنانيّون. ولن يدفعوا من أعراضهم ومن كرامتهم ومن دمائهم، ليعمّر المجرمون مرّةً أخرى قبابهم وقصورهم. إن السيف، في يد الشعب، رهيب عجيب فاحذروا”، أرجعوا رغيف الخبز النقيّ الشهيّ أيها المتاجرون برغيف الحياة! هذا رغيفنا نحن.. طحنّاه بقلوبنا، ونحن عجنّاه بدموعنا، بآلامنا خبزناه.. وسنأكله لأنه لنا!! لا تحاولوا أيها المجرمون مرةً أخرى، فالسيف في يد الشعب، رهيب عجيب، من دم ومن نار”.

أدعو اللبنانيّين إلى امتشاق “السيف” الذي تحدّث عنه فؤاد سليمان في مقالتيه.

أيّها الناس، نحن جائعون، أنتم جائعون. ويجب أنْ لا نجوع. يجب أنْ لا نجوع. هذه مسؤوليّتكم. فامتشِقوها!

akl.awit@annahar.com.lb

جوع

بقلم فؤاد سليمان

ويله، ويل أمه، كم هو كافر!!

ينكر ربّه، ألف مرة في اليوم

كافر، يمسك ربّه من عنقه، ويخنقه

يا له من ظلمة مرعبة!!

يا له من أفعى تأكل نفسها!!

جوع … مَن دكّ العروش، غير الجوع؟

مَن أطلع ملايين من العبيد، من قبورهم غير الجوع؟

مَن جرّد لحوم الملوك عن عظامهم غير الجوع؟

مَنْ ترى، مَنْ غيره، عرّى الإنسان من إنسانيته وتركه، ضبعاً مع الضباع، وحشاً في الوحوش.

ظلمة كافرة سحيقة؟؟؟

جوع … أُطعِمنا في لبنان، مرة في التاريخ، لحم الجيف المنتنة في القبور!

من القبور نبشناها لنشبع!!

وأُطعِمنا لحوم أطفالنا، نذبحهم لنأكل!!

وأكلنا الديدان من جيف البغال الميتة!!

أكلناها يومذاك..

وعضضنا النعال من الجوع..

وما رفّ لأحد من الناس جفن علينا

مساكين كنا… أذلاء.

أنا ما ذكرته عهداً إلا وتنشف دمائي في عروقي.

ويله من شعب، جاع يومذاك، ليشبع السلاطين وحاشيات السلاطين الصعاليك.

ويهددوننا بالجوع اليوم…

وينسون أن التاريخ لن يعيد نفسه،

ولن نرضى أن يعيد التاريخ نفسه

لنا نحن، للشعب اليوم، التاريخ..

سنقبض على عنق التاريخ

لن يحاول التاريخ محاولته مرة أخرى

لن نجوع … أرجعوا رغيف الخبز النقيّ الشهيّ

أيها المتاجرون برغيف الحياة!!

هذا رغيفنا نحن .. طحناه بقلوبنا، ونحن عجناه بدموعنا، بآلامنا خبزناه..

وسنأكله لأنه لنا!!

لا تحاولوا أيها المجرمون مرة أخرى

فالسيف في يد الشعب، رهيب عجيب

من دم ومن نار.

■ ■ ■

لن نجوع

… مرة جعنا نحن في لبنان

كان ذلك في الحرب العالمية الأولى.

يومذاك، أكلنا التراب، وأكلنا لحوم الجيف المنتنة.

وعضضنا عظام البغال الميتة من الجوع…

وشبعت كواسر الوحش من لحومنا.

وباعت المرأة عرضها، من أجل رغيف…

وذلّت كبرياء الرجال، على عتبات المجرمين، من اجل رغيف…

يومذاك، كدّس المجرمون كنوزهم وبنوا قصورهم، وعمّروا قبابهم، من رغيف الشعب…

… ومرة أخرى، ليست بالبعيدة، بيننا وبينها ضربة حجر كان ذلك في الحرب الأخيرة…

في الحرب الأخيرة هذه، مشت أشباح المأساة رهيبة في قرى لبنان وفي مدنه، تهوّل بمنجل الجوع، تحصد به أطفال اللبنانيين ونساءهم.

وكدّس المجرمون مرة اخرى، ثرواتهم، أكداساً أكداساً.. بالملايين كدّسوها…

بالعيب والعار واللصوصية والجريمة الشنعاء كدّسوها…

وها نحن اليوم، وفي الأفق العالمي عاصفة، قد تمرّ وقد لا تمرّ، يحمل تجار لبنان رفوشهم ليحفروا قبور اللبنانيين.

ولكن الجريمة لن تفرّخ ولن تبيض…

ولن يجوع اللبنانيون… ولن يدفعوا من أعراضهم ومن كرامتهم ومن دمائهم، ليعمّر المجرمون مرةً اخرى قبابهم وقصورهم. ان السيف، في يد الشعب، رهيب عجيب فاحذروا…