الرئيسية / home slide / فؤاد سليمان بعد سبعين على الرحيل كأنه سيكتب لنا غدًا

فؤاد سليمان بعد سبعين على الرحيل كأنه سيكتب لنا غدًا

23-10-2021 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

Bookmark
أضف للمفضلة
فؤاد سليمان كأنه سيكتب لنا غدًا.

لو قدِّر لي أن أختار أديبا لبنانيا عبّرت #كتاباته عن هذه المرحلة التاريخية والمأسوية التي يمر فيها لبنان، لكان #فؤاد سليمان (1912 – 1951) وأدبه في الطليعة. إنّه الذي امتشق قلمه وحلمه وقاتل بالكلمة والحرف والموقف لأجل كرامة الإنسان في لبنان ضد كل الفاسدين المدوّدين؛ هذا الذي لم ير اسمه على كتاب إلا بعد وفاته؛ وهذا الذي انقصف عمره في سن الشباب ورحل عن 39 سنة، وقد تصدع قلبه على الوطن والمواطن وأحوال الحياة في لبنان. 

ولد فؤاد خليل سليمان في فيع الكورة، ووالده في المهجر يشتاقه ولا يراه، وقد عانى من نزيف الهجرة التي تخطف الأهل والأقارب والأصحاب في بلادنا. لذلك كتب النص الملحمي عن مأساة الهجرة وكانت بعنوان “مغاور الزمرد والياقوت”، وعلى لسان والدته: “بيننا وبين البحر ثارات يا ولدي”. وروى كيف كان أهل القرى ينزلون إلى بيروت وقد خلعوا مرايا خزائنهم معهم إلى التلال المحيطة بالمرفأ لتنعكس الشمس في عيون أبنائهم المهاجرين. هكذا يبقى ضوء بلادهم في ذكرات بصائرهم فيشتاقون ويعودون.

درس فؤاد سليمان في مدرسة دير البلمند ومنها انتقل إلى مدرسة الفرير في طرابلس ثم إلى جامعة القديس يوسف دارسا اللغة العربية وآدابها. علّم في الثانوية العامة التابعة للجامعة الأميركية في بيروت 1937-1951 وعمل في الصحافة اللبنانية، جريدة “النهضة” وخصوصًا في “النهار”، موقّعا فيها مقالاته باسم تموز. كما تولى رئاسة تحرير مجلة “صوت المرأة”. دخل إلى الصحافة منتصب القامة مرفوع الهامة والرأس والجبين وخرج منها مناضلا ورمزا وضميرا. انتمى إلى صفوف النهضة القومية الإجتماعية وكان الأديب المفضل لدى أنطون سعاده أكان في تعليقه القصير أم في مقاله الموسع. وقد حقق فؤاد سليمان بعض الخواطر التي كتبها سعاده سنة 1930 على متن الباخرة التي أقلته من البرازيل إلى بيروت. وكتب مقدمة كبيرة ونشرت في جريدة الحزب “سوريا الجديدة” 1939. نشأت علاقة صداقة سامية بينه وبين الزعيم الذي عيّنه وكيل عميد الإذاعة وكان عبدالله القبرصي هو العميد في الفترة السرية. لبث فؤاد سليمان  مؤمنا  بسعاده باعث النهضة والقائد وكتب في 2 آذار 1947 “عودة الأسد”. كلفه سعاده مع عبدالله القبرصي زيارة الأديبة اللبنانية مي زيادة في بيتها في شارع السادات، رأس بيروت، وتهنئتها بالسلامة بعد خروجها من المستشفى. ولما فتحت الباب ورأتهما يقدمان إليها الأزهار قالت: “أهلا وسهلا بأزهار الأدب”.

نذكر من مؤلفاته وكلّها طبعت بعد وفاته: “درب القمر” و”القناديل الحمراء” و”تموزيات” و”يا أمتي إلى أين”، و”كلمات لاذعة” و”أغاني تموز” (شعر) و”في رحاب النقد” و”يوميات ورسائل” وقد صدرت أعماله الكاملة في مئوية ولادته. منحته الحكومة اللبنانية وسام المعارف من الدرجة الأولى 1951. ماذا بعد؟ هناك نصب تذكاري له في قريته فيع. ويعمل إبنه وليد بالتعاون مع العائلة على تدشين  “درب القمر” مزيّنةً بأقواله، وهي تلك الدرب التي أحبها فؤاد سليمان وأخذ منها سماحة الكروم وعلو النجوم. أسمعه يصف القرية بعد أن هجرها أهلها: “الساحات مقفرة يجول فيها شعاع الشمس الدافئ وحده فلا يطلع على زند مفتول… جرس الكنيسة الكبير محني الرأس في العيد، كئيب لا يدق دقاته. فقد قطع الشباب حبله وراحوا. أنوال الحرير في الدار يغص فيها الغناء، فلا يطلع في بالها إلا الندب”. كان فؤاد سليمان يعرف أنه حيال الفاسدين لن يبقى للشعب غير التراب اليابس. “ماذا يفعل الإنسان في بلد يبصق الدم فيه ليعلم أولاده أو ليلبسهم حذاء في يوم عيد”. وخاطب الحاكمين: “أنتم في مراكزكم لتخدموا الشعب لا لتستخدموه”.

بعد سبعين عامًا على غيابه لا يزال سؤاله “كيف نحقق كرامة الإنسان في بلادنا؟ وكيف نرفع من شأنه وقيمته؟” يقض المضاجع. هو سنديانة كورانية وازنة العطاء وارفة الظلال ومزهرة الثمار. أسمع ما قاله الشاعر صلاح لبكي في رثائه: “ما مت أنت، ولا نزحت/ ولا عزمت على اغتراب”، حيث لا تزال كلماته بيننا ترنّ وتترجع، ولا يزال نقده الإجتماعي والسياسي صحيحا لكل البنى والمؤسسات ورجال السياسة في لبنان وممارساتهم الإجتماعية، بعدما نفض يده من كل الزيف والخواء والفساد في الجمهورية، صادقا مع نفسه ورائدا أصيلا، والرائد لا يكذب أهله بل يعيش أعماره المضاعفة مع الناس، أما المارق فسيمر بلا أثر ولو حكم البلاد.