غياب مقومات الدولة الحديثة في العالم العربي [2]

الثورة الأولى هي الولاء للمتحد الجغرافي، أي للأرض قبل الولاء للعائلة أو العشيرة أو الاثنية أو الطائفة الدينية (هيثم الموسوي)من السمات الأخرى للهوية القومية، الإدماج بين جميع مكوّنات المجتمع ، فالإدماج أو الاحتواء لخَلق تجانس بين المواطنين يجب أن يكون على رأس أولويات الدولة، فتنتفي مواضيع كالأقلية والأكثرية بالمعنى العنصري والمذهبي والطائفي؛ ويتمّ التشديد على ما يجمع لا على ما يفرّق بين المواطنين خاصّة عبر تحديد عدوّ مشترك لجميع العناصر يهدّد وجودها. وفي حال رفضت السلطات عملية الاستيعاب والادماج ومارست سياسة الإقصاء، فذلك يؤدي إلى تدمير وحدة المجتمع وتقسيمه عامودياً، وعدم إمكانية خلق انسجام وتوازن بين سكانه. الإقصاء عملية خاسرة في النهاية، فلو أن الأديان نبذت وطردت كلّ من أخطأ لكانت اختفت من الوجود، لكنّها وجدت طرقاً للتكفير عن الذنوب مقابل بقاء مؤمنيها ضمن المؤسّسة الدينية. المطلوب إذاً، وضع قوانين لعملية الاستيعاب لا رفضها، وأن تعتبر السلطة نفسها جزءاً من هذه المكونات، فهي ليست موجودة لفرض الإلغاء والتعالي، بل للعمل مع الجميع لبناء الوطن. الوسيلة المثلى لإدماج عناصر المجتمع هي التشديد على التربية الوطنية في المدارس العامة والخاصة، وكان التقارب بين سكان دول سوراقيا أقرب حين عُمّمت التربية الوطنية، وزادت التفرقة والانشقاقات بعد إلغاء هذه المادة والاستعاضة عنها بالتربية الدينية للطوائف المختلفة.

سلطة «التقليد» في مواجهة سلطة «العقل»
الحداثة إذن غير ممكنة دون تطبيق مقوّمات الدولة القومية التي تنقلنا من منظومة المجتمعات البدائية إلى منظومة الدولة الحديثة التي تستعمل شعارات ورموز وتراث دولتها المتشعّبة والممتدة جذورها إلى بداية التاريخ وليس إلى بداية الأديان التوحيدية فقط. المرجع الأساس في هذا التطوّر هو الارتكاز على العقل والعلم اللذين يتخطّيان ذاتهما بشكل دائم، فتتغير نظم المجتمع باتّجاه أكثر سواسية، وأكثر ديمقراطية وعدالة لجميع المواطنين.
السلطة التقليدية تستمدّ شرعيتها من الإيمان بقدسية ما هو قديم ومتعارف عليه. هذه السلطة التقليدية قد تكون دينية أو اقتصادية أو سياسية أو قانونية أو مرتبطة بأنظمة قبلية ــــ عشائرية، بينما ترتكز السلطة العقلانية على جهد واعٍ ومحسوب لجعل قيادة الدولة متوافقةً مع متطلّبات الواقع المجتمعي دون التخلّي عن معيار المنطق والعقل. إذاً، شرعيتها مستمدة من عقلانيتها، لذلك نرى أن المجتمع يخضع لما نسمّيه «دولة القانون»، أي القبول بقوانين تتماشى مع الزمان والمكان، وتتغيّر تبعاً لتطوّر المجتمع، فلا هي جامدة، ولا هي نهائية، ولا هي مقدسة. وينتج عن ذلك تضارب بين شرعية العقل وشرعية التقليد لأن العقل يرفض القبول بالتقليد إذا لم يكن متماشياً مع الوضع القائم، ومبنياً على المنطق وديناميكية التغيير. من نتائج هذا التحول أن المجتمع ينظر إلى السلطة على أساس أنها سلطة قانون لا سلطة شخص كما كانت الحال في القرون الوسطى الأوروبية وكما هي الحال في معظم دولنا العربية، حيث لا يزال التعامل مبنيّاً على الولاء للشخص. من أجل تطبيق مفهوم دولة القانون، على العالم العربي أن يمرّ بثورتين: الثورة الأولى هي الولاء للمتحد الجغرافي، أي للأرض قبل أي شيء آخر، قبل الولاء للعائلة أو العشيرة أو القبيلة أو الاثنية أو الطائفة الدينية. والثورة الثانية تتطلّب من قاطني العالم العربي الانتقال من النظرة السلبية والتشاؤمية والقدرية التي يرزحون تحتها، إلى نظرة إيجابية تعتبر أن التطور والتقدم ممكنان وهما منوطان بإرادة المواطن ومدى تبحّره بالمعرفة والعلم. حين يحرّك المواطنون المياه الراكدة ويطالبون بالتغيير لما فيه مصلحتهم، يقودهم ذلك إلى فترات نهضة فكرية ضخمة لأن عليهم أن يقدّموا حلولا ناجعة في المضامير كافة من سياسية واقتصادية واجتماعية وتكنولوجية، ويستمدّ المجتمع شرعيته في هذه الحالة من معرفته العقلانية والمنطقية، ويقبلها الجميع لأنهم انتقلوا من الخضوع للقدر المحتم، إلى فرض إرادتهم ورؤيتهم على أرض الواقع. لذلك، حين يجد مجتمع ما أن سلطته لا تتصرف على أسس عقلانية، تفقد هذه السلطة شرعيتها وتتحول إلى أداة قمعية واستبدادية. وكي يظلّ العقل في حال تطور دائم عليه مقارنة ومراجعة ما أنتجه بنماذج أخرى غير التي يحتذي بها، ويلعب «النقد» دوراً بنّاءً في عملية التقدم. هذه المقارنة النقدية يرفضها المجتمع الذي لا يزال قابعاً في القبلية والطائفية تحت ستار رفض التراث الغربي أو رفض العودة إلى تراثنا ما قبل الإسلامي، وبكلمات أخرى، رفض العقل كمرجع أول لبناء المجتمع الحديث. والغريب، أن بعض سياسيينا يرون هذا التخلف على أنه لوثة وراثية لا فكاك منها، فيقول مثلاً نائب رئيس مجلس النواب الحالي، إيلي الفرزلي إن «الدولة المدنية لم تنجح في أيّ مكان في الشرق، فجينات المنطقة، جينات طوائفية، لذا لم تنتصر العلمانية هنا يوماً على الدين»(6). هذا القول خاطئ لسببين: أولاً، نجحت الدولة المدنية في أقصى الشرق كاليابان، والصين، وكوريا وغيرها، وأدت إلى نهضة دولها حتى أصبحت تنافس الغرب، بل تفوقت عليه في العديد من المجالات. ثانياً، جينات منطقتنا ليست طائفية بأكثر ما كانت طائفية في الغرب في القرون الوسطى ما أدى إلى حروب دامت لعقود، قبل الانتقال إلى الدولة القومية المدنية. وستظلّ الجينات طائفية عندنا إلى أن نقرّر تغيير نمط تفكيرنا!
من أولى نتائج الاعتماد على الشرعية العقلانية في السلطة المبادرة إلى إنشاء بيروقراطية توزّع المهام ليس بطريقة شخصية (وراثة، محاسيب، انتماءات شخصية)، بل بطريقة علمية تضع المواطن المناسب في المكان الذي يستحقه بسبب جدارته، أي اختيار الشخص الأفضل لخدمة الشعب، ولا مكان هنا لتبوّء سلطة لأنه بيك أو باشا، أو أمير أو رئيس حزب، فنجد أن لقب وزير(ة) خارجية الولايات المتحدة الاميركية مثلاً هو: سكرتير، لأن مهمته/ها الحقيقية هي خدمة مصالح دولته/ها.
هنا أيضاً، يختلف مبدأ العدالة بين الاتحادات الشخصية والمتحدات الوطنية/القومية. فالعدالة في الاتحادات الشخصية تنحو باتجاه معاقبة «جماعة» ما على فعلة أحد أفرادها، كالثأر من أي فرد من أفراد القبيلة أو العشيرة، ولا يزال هذا النمط سائداً في مجمل الدول العربية بما فيه لبنان، ما يعني أن الاتحاد الشخصي الذي تسيّره العشيرة أو القبيلة أو الطائفة يرفض التنازل لمصلحة سلطة الدولة الوطنية الجامعة.
إن تطور مقوّمات الدولة الحديثة يؤدّي إلى سيادة الدولة القومية، وهذا ما هو حاصل في الغرب، وإلى حد بعيد في العديد من دول أميركا اللاتينية والشرق الأقصى؛ المفارقة أن الدول العربية لا تزال تتمسك بالهويات الشخصية والأنماط القديمة التي لم تعد تتماشى مع واقع العالم، ما يعني أنها عاجزة عن مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، فلا تمثّل سلطات هذه الدول الإطار الجامع لكلّ مكونات المجتمع من جهة، ومن جهة أخرى، تفشل في أن تكون الرابط والممر الإلزامي بين مجتمعاتها والأمم الأخرى. 
* أستاذة جامعية

6 – ميسم رزق، «الدولة المدنية»… لا تندهي ما في حدا، جريدة «الأخبار»، 8 كانون الثاني، 2019.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*