الرئيسية / مقالات / غناء سورة “الفاتحة”.. إنه “التريند”!

غناء سورة “الفاتحة”.. إنه “التريند”!

أحمد ندا|الخميس19/07/2018
Almodon.com

 

غناء سورة "الفاتحة".. إنه "التريند"!

القداسة كما يتصورها الأزهر هي قداسة اللفظ والمعنى والرسم الكتابي

يقف المنشد بزيّه الأزهريّ المعلوم، في مشهد يبدو أنه فرح شعبي، ويغني.. سورة الفاتحة.
المنشد، كسر بذلك كل المخاوف والتقاليد الإسلامية التي تقف بالمرصاد أمام كل محاولة للتعامل مع النص المقدس بهذه الطريقة. وغالباً ما يكون رد مؤسسة الأزهر أو دار الإفتاء، كما حدث مع ذلك الفيديو، ويأتي بعد ساعات قليلة على انتشاره في مواقع التواصل الاجتماعي. ويقول الرد المكرر: “قراءة القرآن ملحناً تلحيناً موسيقيّاً وسماعه مصحوباً بآلات الموسيقى، تحريف وتبديل لكتاب الله؛ وفي ذلك ضياع الدين وهلاك المسلمين، والتغني به محرَّم شرعاً”.

دائماً ما يكون رد الأزهر بهذا الحسم وهذه السرعة، في كل موقف له علاقة بالنص القرآني، لا تلحينه فحسب، بل إزاء كل تعاطٍ مختلف عن قنواته المعلومة. فهذا ما حدث مع طه حسين وكتابه “الشعر الجاهلي”، ومع نصر حامد أبو زيد في تسعينيات القرن الماضي. وبعد دعاوى الموسيقار محمد عبد الوهاب والموسيقار زكريا أحمد اللذين لحّنا القرآن – وكلاهما آتٍ من تربية دينية – فقد جاء رد الأزهر على تجويد القرآن وتلحينه بالصوت، لا بالآلات. ولذلك رأوا أنه من “المنطقي” أن تكتمل اللعبة اللحنية بمصاحبة الآلات الموسيقية.. وفي كل مرة يقف الأزهر بالمرصاد.

فالقداسة كما يتصورها الأزهر، هي قداسة اللفظ والمعنى والرسم الكتابي وطريقة التلقي وطبيعة التناول. كل ما يخصّ القرآن باعتباره مركز القوة الإسلامية، وآلية استمراريتها، يجب أن يظل على حاله من دون تغيير. بل إن بعض الآراء السنية الأكثر يمينية، تعتبر تجويد القرآن على الطريقة المصرية، نوعاً من المغالاة والشطط!

على أن الأزمة في ذلك الفيديو ليست في تلحين الفاتحة، أو في الطريقة التي يتفاعل بها الناس مع ما يعتبره الناس “تجاوزاً”. ما يلفت الانتباه هو إثارة هذه القضية بالأساس في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم في شاشات التلفزيون. فقد عرض محمد الباز، الفيديو، عبر برنامج “90 دقيقة”، أمس الأربعاء، وأعطاه فقرة كاملة من البرنامج.

إنه مكسب مضمون بالتأكيد، فعدد المشاهدات كبير، في الشاشة، ثم “يوتيوب”، ثم المنصات الإلكترونية، خصوصاً أنها تحمل الكلمات المناسبة لاستفزاز الجمهور. فما التقت عبارتا “تلحين” و”قرآن”، إلا وتحركت المشاعر الدينية وتحفزت عن آخرها.

لكن ذلك الفيديو ليس غريباً على التصور الشعبي العام للتدين، وهو ما يملأ الموالد والأفراح والفعاليات الشعبية الكبيرة. بل إن متتبع التعاطي الشعبي مع الدين سيجد الفيديو عادياً للغاية، وهنالك ما هو أكثر “تجاوزاً”، إذا جاز التعبير، بحسب التصور الاسلامي المقيد. فالتديّن الشعبي يتجاوز التفاصيل الفقهية اللوجستية المعقدة، ويتعاطى مع النص القرآني بمحبة متحررة من القيود الإجرائية، يتعامل مع الدين ككل بخفة المحبة التي تحددها قواعد.

عرض محمد الباز الفيديو وعلّق عليه قائلاً: “ده شيء مذهل، في حالة تفسخ في المجتمع.. لازم الأزهر يتدخل لتوعية الناس.. ما حدث يدل على أن الأزهر لا يقوم بكامل دوره في الحياة الدينية”.

أي “دور” بالضبط لا يقوم به الأزهر؟ وهو قابض على أنفاس الحياة اليومية في مصر، يتتبع النيات ويوصي بحبس كل من “خدش الحياء العام” ويعتبر أي رأي مخالف لكهنوته “ازدراءاً
للأديان”.

يلعب محمد الباز للأسف على الطبيعة الغيورة على الدين لدى فئات عامة من الشعب المصري، ويحاول أن يغازلها بكل قوته، خصوصاً أن ذلك “التفسخ” الذي يتكلم عنه يناسب المزاج العام لا أكثر. وقال في الحلقة أنه عرض فيديو آخر لرجل يغني في المسجد في مديح النبي على أنغام لحن لأم كلثوم. إذن، يحاول الباز أن يجد بضاعته التي ستروّج له في ظل الركود الإعلامي وتشابه المحتوى في كل البرامج الحوارية.

بشكل أو بآخر، بالمقصود هنا هو الرواج و”التريند”، وهذه أسهل الطرق للظفر به.

اضف رد