الرئيسية / home slide / غلاظ القلب والروح… في بلاد المسلمين!

غلاظ القلب والروح… في بلاد المسلمين!

 ابراهيم نصر الله 
القدس العربي
23072020

رغم تلك الأحزان العميقة التي خلَّفها، ويُخلِّفها وباء كورونا، إلا أنني كنتُ أحسّ بشيء من الأمل في تلك العبارة التي يختتم بها وزير الدولة لشؤون الإعلام، في الأردن، مؤتمره الصحفي، وهو يدعو الله أن «يحفظ البشرية جمعاء من شرِّ هذا الوباء». كانت تلك العبارة على بساطتها، من أجمل الرسائل التي توجّهها النفس لمعنى وجودها ولمعنى الحياة المشتركة على هذه الأرض، في زمن وجد البشر فيه أنفسهم، معًا، في غرفة ضيقة ليس فيها سوى الزوايا، وقد ضاقت الأرض وأقفِل الفضاء وتجهّمت البحار.
هذا الخطاب الإنساني كان النص الغائب في حياتنا، النص الذي تعامَل كثير من أئمة المساجد معه، وأشباههم، وكأنه نصٌّ مندسّ، لا يجوز لأحرفه أن تعتلي منبرًا، ولا لكلماته أن تُحلِّق في داخل مسجد أو في فضائه المحيط.
.. ولفترة، اعتقدتُ أن هذا الخطاب الرّحيم الذي لا يتعارض، بأي حال من الأحوال، مع جوهر الإسلام هو النص الذي تنبّهت له الدولة وباتت تحتضنه، ما دام من يحرص على قوله في ختام كل مؤتمر صحفي هو الناطق الرسمي باسمها. لكن ذلك تبدّد في لحظات.
كنت أقود سيارتي وأستمع إلى الإذاعة الأردنية الرّسمية حين ارتفع عبر أثيرها أذان الظهر، وبعد أن انتهى، باغتني ذلك (الشيخ) عبر التسجيل الصوتي الذي تعتمده الإذاعة الرسمية، ليبث عقْب كل أذان، كسلسلة من الأدعية المرفوعة إلى الله، بأن راح يدعو: اللهم احفظ بلاد المسلمين من هذا الوباء! وانتظرت قليلاً لأسمع دعاءً لبشر يجتاحهم الموت في البلاد التي ندعوها، للمفارقة «بلاد الله الواسعة»، إذ لم يسبق لي أن سمعت من يقول بلاد المسلمين الواسعة، أو بلاد العرب الواسعة، التي ضُيّقت علينا وسُدَّت حدوها «من الميَّة للميَّة» كما تقول الأغنية، أي: من الماء إلى الماء.
لا أخفي أن هذا النمط من التفكير يجعلني أشعر بالرّعب، فبإقصائه أو طرده البشر غير المسلمين من الدعاء، هو أشبه ما يكون بانتزاع حقّهم في الحياة، وحقّهم في الصحة، وحقّ أطفالهم في آبائهم وأمهاتهم، وحقّهم في المستقبل.
أما الأغرب من هذا، فهو أن ذلك الذي يريد أن يحرف رحمة الله عنهم بدعائه! لا يدرك أنه يتطاول على الذات الإلهية، لأنه في الحقيقة يأخذ الحقّ المطلق في أن يتدّخل بينها وبين مخلوقاتها؛ لا أعرف كيف يفعل هذا، متناسيًا أن شعبه وأمَّته وبلاد المسلمين كلها تنتظر الدواء اللازم لعلاج هذا الوباء، وكذلك اللقاح، من كل تلك الدول التي يُقصيها عن رحمة ربه، ويبيح للوباء أن يجتاحها!
وما دمنا نتحدث هنا بهذه الشفافية، فإن علينا أن نوضّح أن هذه المسؤولية هي مسؤولية الدولة، في الأردن وسواه، ليس لأن ما قيل يُبثّ عبر الإذاعة الناطقة باسمها وحسب، بل لأن عليها أن تنتزع هذا الخطاب من جذوره، لأنه خطاب التكفير الذي مارسته وتمارسه كل القوى الظلامية التي لم تترك خلفها إلا الدمار على مدى سنوات العرب السوداء الممتدة منذ أكثر من عِقد. ولعل هذا مسؤولية كل إنسان في قلبه رحمة، فاستثناء العالم من رحمة الله، والدعوات الفجّة، العنصرية على «النصارى» بشكل خاص، والذين يمكن أن يكونوا أحياناً في بيت عزاء أو عقد قران أو جيران لمسجد، أو في مظاهرة من أجل (بلاد المسلمين)، هي عنصرية وغباء لا حدود له.
يرفع هذا النمط من المُنذرين بالويل والدمار أصواتهم، ويحرمون أكثر من ستة مليارات إنسان، من غير المسلمين، على هذا الكوكب من رحمة الله! فيهم أطفال رائعون، وأمهات طيبات، وأجداد وجدّات، وآباء يهدّهم التعب ويضنيهم المرض من أجل قوت أطفالهم، بشر يزرعون ويبنون، ويكدحون من أجل حياة يستحقون أفضل منها، ليأتي هؤلاء العاطلون عن العمل، والعاطلون عن الرحمة، والعاطلون عن الإنسانية، والعاطلون عن الضمير، والعاطلون عن جوهر الدين، وكأن الله لم يخلق سواهم، وكأن رحمته لهم وحدهم.
ثم إنهم حين يدعون الله أن يحفظ بلاد المسلمين، ألا يعرف هؤلاء الجهلة أن المسلمين هم في كل مكان في هذا العالم، هل يعني أن يُهلك الهند ومن عليها، ومن ضمنهم 189 مليون مسلم، أو ما يعادل نصف سكان العالم العربي، إلّا قليلًا؟! وهل يعني أن يُهلك نيجيريا ومن عليها، وفيها 95 مليون مسلم، والصين ومن عليها، وفيها 24 مليوناً، وتنزانيا التي تضم 19 مليوناً، وساحل العاج وروسيا والكنغو ومن عليها، وفي كل منها 9 ملايين مسلم تقريبًا؟! وهل يُهلك أربعة ملايين مسلم أيضًا، في كل من فرنسا وبريطانيا، وأمريكا، وكل من يعيشون في هذه البلاد، لمجرد أننا نكره نظامها أو أنظمتها. ثم لماذا يُهلك ثلاثة أرباع البشرية؟! هل لأن فيض الإيمان لدى مثل هؤلاء؛ غلاظ القلب والروح والمشاعر، قد عمَّ سلامًا وازدهارًا وأمنًا ونهوضًا صناعيًّا وحضاريًّا على من حولهم في بلاد المسلمين هذه؟!
في هذا العالم بشر كثر يعملون ويُبدعون ويخترعون ويقفون في وجه الظلم مناصرين العدالة، وفي وجه القوة مواجهين الغطرسة، وفي وجه الجشع مواجهين حدّة أنيابه، وفي وجه الكذب رافعين قيمة الصّدق، وهؤلاء موجودون في كل مكان، ولم يتم إنتاجهم في مختبرات، بل هم من خلق الله أيضًا.
وبعــد:
في رواية «قناديل ملك الجليل»، يجيء على لسان ظاهر العُمَر، بطل الرواية، الذي انطلق في مشروع تأسيس أول دولة حديثة في فلسطين، في القرن الثامن عشر: «أنا لا يعنيني ما تؤمن به، يعنيني ما الذي يمكن أن تفعله بهذا الإيمان: تبني أم تهدم، تظلم أم تعدل، تُخلص أم تخون، تسلب أم تمنح، تحب أم تكره، تصدق أم تكذب، تحرر أم تستعبد، تزرع أم تقلع، تنشر الأمن أم تطلق وحش الخوف يلتهم قلوب الناس. والله، لو وقف بباب قلبيَ رجلان، رجل عادلٌ من أي مذْهَبٍ أو ملّة أو دين، ومسلمٌ ظالم، لأسكنتُ الأول قلبي، وطردتُ الثاني..».

ابراهيم نصر الله