الرئيسية / مقالات / غضب الناس ليس بتصرف السلطة… هل تنهار التركيبة السياسية للنظام؟

غضب الناس ليس بتصرف السلطة… هل تنهار التركيبة السياسية للنظام؟

تحركات بيروت (تصوير حسن عسل).

غضب اللبنانيين لا بل اختناقهم دفعا بهم إلى الشارع. لا أحد من القوى السياسية والطائفية في البلد يستطيع أن يحيّد جسمه عن هتافاتهم، ولا تستطيع السلطة والطبقة السياسية أن تتصرف وكأنها غير معنية من الغضب الذي وصل الى الإختناق بفرض الضرائب والإجراءات والسحب من جيوبهم، ثم استمرار الفساد والسرقات وكأن شيئاً لم يكن وتحميل الفئات الشعبية والفقيرة أعباء الأزمة المالية والاقتصادية، إلى حد لم يعد لدى اللبناني شيئاً يخسره، فخرج شبان وشابات من أجيال جديدة رغم وجود وجوه اعتدنا عليها في تحركات سابقة، ومعهم عائلات وشباب من الأحياء الفقيرة تمردوا على أحزابهم والقوى المسيطرة في مناطقهم داعين إلى إسقاط النظام.

نزول اللبنانيين إلى الشارع يدل على أن النظام الحالي لم يعد قابلا للاستمرار. هو لم يعد يقدم بطبقته السياسية غير الانسداد المفتوح على الأزمات والاضطرابات. وإذا كان البعض هتف بإسقاط الحكومة، وهذا ليس حلاً برأي متظاهرين آخرين، فلماذا لا نهتف لإسقاط كل أسلحة النظام خصوصاً مجلس النواب الذي انتخبه الغاضبون انفسهم وهو الذي انتخب رئيس الجمهورية في عملية ظهرت وكأنها تعيين بعيداً من تقاليد الصيغة اللبنانية التاريخية وتسوياتها. وقد شعر الغاضبون اللبنانيون الى حد الإختناق بتحركهم وكأنهم قادرون على فعل شيء حتى الثورة، برغم أن لا طاقة لهم عليها، وهم الذين خرجوا إلى الشارع عفوياً وبلا دعوات سياسية أو من عصبيات مسبقاً، فوجدوا أن حراكهم يستحق للتطلع إلى تغيير ما وإن لم يستطيعوا إسقاط النظام أو العهد الذي يعتبرونه مسؤولاً عما حل بهم من مآس.

كان الشارع مساء 17 وطوال نهار 18 تشرين الأول مفتوحاً على كل الاحتمالات. الناس عبرت عن غضبها من الإجراءات الضريبية وإن كان دخل على خط الحراك بعض المجموعات المحسوبة على أطراف سياسية تحاول الإستفادة من تداعياته ونتائجه. وقد بدا لافتاً أن التظاهرات جمعت جيلاً شبابياً جديداً غالبيته لم يشارك في الانتخابات النيابية الأخيرة. فتيات وشبان جلهم من طلاب الجامعات وتلامذة المدارس، لا تتجاوز أعمارهم العشرين عاماً، إلى الحضور النسائي الذي كان أساسياً على الأرض، إضافة إلى قطاعات شعبية ترفض تحميلها تبعات الازمة المالية والاقتصادية-الاجتماعية وإجراءات تضربها في ابسط مقومات حياتها، فضلاً عن الصرخات ضد القوى والأحزاب في الحكم، ما يعني أن لا ولاء مشروطاً بعد الآن، وهو الذي يمكن الخروج بنتيجته في أول تقييم للتحرك والتظاهرات، وكذلك أن هذا التحرك ليس بتصرف السلطة.

لعل ما يحصل في شوارع بيروت، وبعيداً من محاولات الإستئثار السياسي والطائفي والدخول على خط حراك ناشئ وجديد بكل معانيه، يدل على أن التركيبة السياسية في االبلد أيضاً انفجرت في شكل أسرع من المتوقع. أولاً لأن التحركات الاحتجاجية عبرت عن غضب الناس من السلطة مجتمعة، وثانياً لأن لا اتفاق بين هذه القوى على التعامل مع التطورات في المحيط والخارج، فبدا أن الحكم سقط في تركيبته الراهنة وفي التسوية بين أقطابه وهو في الأساس منكشف على الخارج في الصراع بين محاوره. لكن الناس هتفت ضد المحورين وبدا أنها تحاول الخروج من تحت عباءة القوى الطائفية في الحكم وأولئك الذين يدّعون الإصلاح والتغيير ويحمّلون الآخرين المسؤولية في شكل دائم.

وأياً تكن نتائج الحراك الشعبي اللبناني على الأرض، رفضاً للإجراءات الضريبية وضد الجوع، فإن الأمور لم تعد قابلة للحل عبر كلام معسول حول الإصلاحات. وليست الأمور تتعلق بمسائل استراتيجية ومؤامرات كي نفسر لماذا خرج اللبنانيون إلى الشارع ومن كل الطوائف والمذاهب ضد السلطة وحكامها وضد القوى السياسية بما فيها تلك المسيطرة على القرار. وليست تظاهرات الناس لفرض شروط سياسية، هي تريد حلاً لا يبقي الدولة ومؤسساتها رهينة الفساد والسرقات والمحاصصات. هذا يعني أن المتظاهرين، وان كان بعضهم يدعو لإسقاط الحكومة وتشكيل حكومة عسكرية، يريدون تغييراً جذرياً في الحياة السياسية وفي التركيبة الراهنة التي تقوم على مصادرة كل شيء. وعندما يتهم البعض الناس بأنهم ينفذون مخططاً بالضغط لتثبيت معادلة جديدة تتغير يموجبها موازين القوى، فإنهم بذلك يضربون التحرك في الصميم ولا يعطونه حقه، وهو ليس تحركاً بإمرة أي من أطراف السلطة، إلا إذا أراد البعض استنفار عصبياته الطائفية والمذهبية وتحريك غرائز جمهوره ضد مصالح الناس وحياتهم ومعيشتهم.

هناك خطر على التحرك الناشئ ومحاولات تفكيكه وجره الى مواجهات مع أطراف محددين في السلطة، وهو ما يستدعي الحذر من محاولات قوى سياسية تصفية الحسابات مع غيرها عبر خرق التحرك الشبابي. لذا إذا كان لا بد من تهدئة الناس في الشارع، ليس عبر الاستقالة التي لا تقدم شيئاً لأنها تضيع المسؤوليات عن الأزمة في البلد وتعلّق القضايا المعيشية إلى احتمالات الإنهيار، أن يُعمل على فرض تعديلات على الموازنة المطروحة واتخاذ اجراءات إصلاحية مباشرة بتعهدات واضحة تتلاقى مع الحد الادنى من مطالب المواطنين.

لكن التحرك أيضاً لا يستطيع أن يستمر بلا قيادة، وإن كان المطلوب قيادة عابرة للطوائف وان يمثّل الحراك نفسه بطرق وابتكارات مختلفة، وألا يسمح بأن تدخل قوى السلطة لمصادرته لحساباتها. ويبقى الحذر من الفوضى التي تطرق الابواب وتؤدي الى قطع الطرق وشرايين التواصل بين اللبنانيين، ولتصوب السهام نحو المسؤولين الحقيقيين عن الأزمة.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد