الرئيسية / home slide / غسان مراد في “مراياه”: تحريض على التحوّلات الرقمية العربية

غسان مراد في “مراياه”: تحريض على التحوّلات الرقمية العربية

02-09-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

“مرايا التحولات الرقمية” لغسان مراد.

جمال نون*

للمرة الأولى، ربما، ومع الآفاق الهائلة التي أتاحتها #الثورة الرقمية الجديدة وتحوّلاتها الشاملة والعميقة، تبدو المجتمعات البشرية، في غالبيتها، أمام فرصة دخول ميدان الحداثة والتطور، بالمعنى الفكري والتقني والبنيوي. وبالتوازي، يفترض خبراء وباحثون في هذا المجال، أن تقنيات الالكترونيات وتطبيقاتها في تطوّرها المتسارع، إنما توازي الثورة الصناعية التي انطلقت في القرن الثامن عشر. فهذه التطبيقات انتشرت بسرعة مذهلة، وشملت مختلف أوجه الحياة في المجتمعات المصنّعة، وأدّت الى تغييرات عميقة في البنى الاقتصادية والاجتماعية، وحتى الثقافية.

فهل #المجتمع العربي الذي لا ينتمي الى “المجتمعات المصنّعة”، مؤهّل، بنيوياً وفكريّاً، لمواكبة التحوّلات الرقمية التكنولوجية، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وما يتطلّبه ذلك من ثقافة رقمية معزّزة بمؤهّلات بشرية وبنية تحتية ملائمة، في ما يبدو تكاملاً ضرورياً؟، علماً ان التحول الرقمي، إستناداً الى طبيعته ووظيفته والآفاق التي يحملها، يتيح حرق المراحل واختصار الحقبات. أي أنه ليس ضرورياً ان نعود الى “ألف باء” الحداثة والتطور كي نصل الى “رتبة” العلمية وتجاوز صفة التخلف التي تـسم هذه المساحة البشرية.

كتاب الاستاذ في الجامعة اللبنانية، الزميل غسان مراد “مرايا التحوّلات الرقميّة والتمثّلات الذهنية للذكاء الاصطناعي”، الصادر حديثاً عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، يتبنّى وظيفة المحرّض على ضرورة وحتمية التحوّل الرقمي في المجتمعات العربية، بما هو “تمثّل للمعرفة مقروناً بفعل وممارسة”. وهذا ما تعبّر عنه عناوين الكتاب المتنوّعة والكثيفة، مستندة الى رصيد معرفي ينهل منه الكاتب بما يُغني الفكرة التي يدافع عنها.

يحدّد الكاتب الشروط الاولية لهذا التحوّل: بنية تحتية بشرية مؤهّلة، وبنية تحتية رقمية. ويعني ذلك أن هناك العنصر البشري المؤهّل علمياً. والتأهيل هنا متشعّب ويشمل أبواباً كثيرة، بدءاً من العلوم الانسانية وصولاً الى مجالات العلمية. أما العنصر الثاني الضروري، فيتمثل في البنية التحتية الرقمية التي يمكن اختصارها بمدى القدرة على تطوير البرامج والبرمجة.

وتحتل الاشكالية المتعلقة باللغة والدماغ موقع الصدارة في مقاربة مراد، إستناداً الى أن “المفاهيم الاساسية تحدَّد إنطلاقاً من الدماغ والفكر وصولاً الى دور اللغة الأم”، مسبغاً على “لغتنا الأم، اللغة العربية (صفة انها) هي لغة علوم”. هذا التوصيف (العلمي) يجد ترجمته من حيث الدور والوظيفة: “مواكبة كل أشكال التطور”، وصولاً الى سؤال: “كيف يمكن أن تستفيد اللغة العربية من تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ وكيف نستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي في حوْسَبة اللغة العربية؟”. ويمكن هنا أن نفتح مزدوجين للتذكير بأن اللغة العربية هي التي كتب فيها الخوارزمي أعماله، وتحديداً “الكتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة” الذي تناول علوم الجبر وقواعده واستخداماته المختلفة.

ويتدرّج مراد في مقاربة اللغة؛ من توضيح التسمية والوظيفة، وعلاقة اللغة مع علم النفس وعلم الأعصاب، متوقّفاً عند “آليات عمل الدماغ” وانعكاس اللغة على التفكير، مرتكزاً في ذلك على نظريات ودراسات متعددة في الساحتين العربية والغربية. كما تبرز مسألة بديهية في هذه المقاربة تُختصر في ضرورة فهم الرقمنة كأداة، على قاعدة أن “التغيير ليس عملية فهم المتغيَّر فحسب، ولكنه أيضاً فهم الأداة التي أدّت الى ذلك. فالتقنيات باتت أداة قابلة للبحث بذاتها”.

ويتناول الكتاب في المجال الاكاديمي مسألة إدخال المعلوماتية الى المنهاج التعليمي لكليات الآداب “كعِلم في العلوم الانسانية”، بهدف تهيئة الأجيال الجديدة لدخول ميدان المعرفة والعمل، في الوقت عينه، وما يعنيه ذلك من تعلّم المنطق، والخروج من ثقافة التلقين السائدة في المناهج.

وفي العنوان المكرّس ل#تكنولوجيا “الميتافيرس”، والذي “تتداخل فيه الحدود الفاصلة بين ثلاثة عوالم: رقمية وافتراضية وواقعية”، وانطلاقاً من حقيقة ان الميتافيرس سينقلنا الى ما بعد العالم الواقعي، فان السؤال المركزي الذي يطرحه الكتاب يركّز على “تأثير هذا التواصل الافتراضي على الأجيال الحالية” وعلاقة الفرد مع ذاته أولاً، ومع الآخرين تالياً، في سياق التفاعل الاجتماعي.

وارتباطاً بهذه العوالم، يطرح مراد سؤالاً محورياً: “هل تُستخدَم التقنيات (الحديثة) في خدمة الواقع، وترسم صورة حقيقية له، أم انها تُستخدم في تضليل الواقع … بما يتناسب مع السياسات التي توجّه هذه العملية؟”.

هذا السؤال لا يأتي من باب التكهّن واستشراف المستقبل. إذ ان “الحروب الحديثة ليست حُكماً للسيطرة على الارض، بل تحصل من خلال التحكّم بالسلطة عبر تغيير السلطة”، علماً أن الأسلحة المستخدمة دعائياً انما هي الاعلام الجديد والاعلام التقليدي والمنظمات الاهلية. هذه الحروب عمادها اللغة والصورة والصوت.

هنا، عودة الى مبدأ الدعاية ووظيفتها وعناصرها، كمتغيّر من حيث الأداة فقط، أو كتطوير للأداة، باعتماد آخر المبتكرات العلمية المتمثّلة خصوصاً بالاعلام الرقمي. وفي المقابل، يبقى الهدف المركزي ثابتاً: كيفية هزيمة الخصم والانتصار عليه.

يغامر مراد في “مراياه” عن التحوّلات الرقمية حين يحاول، جدّياً ومنهجياً، مخاطبة العقل العربي ضمن رؤية علمية مستقبلية. هذه الرؤية ترتكز الى “المعرفة وكيفية استثمارها”، بما ينقل الإنسان العربي الى مساهم جدّي في الابتكار والتطوير، سواء في البنية التحتية الرقمية، أي الأجهزة ومدى تطورها التقني، او في مجال البرامج والبرمجة، أي الرقمنة، وذلك بدل ان يبقى مجرّد “خبير” في تقنية الاستخدام الوظيفي او الخدماتي، او بحثاً واستطلاعاً واستعلاماً.

ما يريده غسان مراد في “مراياه” أن يدرك المجتمع “ان الرقمنة والثقافة الرقمية هما رؤية شاملة للحياة” على قاعدة ان “التقنيات غيّرت في رؤيتنا للعلاقات العامة، للسلوكيات وللقيم الاجتماعية”. وعلى هذا، قد يلتقط المجتمع العربي هذه الفرصة “الرقمية” لتغيير مسار طالت عتمته.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية