الرئيسية / أضواء على / غسان كنفاني والسينما في فيلم «المخدوعون» لتوفيق صالح

غسان كنفاني والسينما في فيلم «المخدوعون» لتوفيق صالح

 زوي كارل 
ترجمة: عبد المنعم الشنتوف
https://www.alquds.co.uk/
15052020

تهتم هذه الدراسة التي تقدم ترجمتها العربية بالتاريخ السينمائي للنكبة الفلسطينية، من خلال استعادة راقية لفيلم «المخدوعون» للمخرج المصري الراحل توفيق صالح، الذي احتفى في سباقه برواية «رجال في الشمس» للشهيد غسان كنفاني. وبصرف النظر عن الحمولة السياسية والتاريخية للفيلم، المتمثلة في محنة الفلسطيني المنكوب والمطرود من أرضه، بفعل الإرادة الصهيونية الإمبريالية والعنصرية، والمكره على أن يظل في وضعية شتات ومنفى تتكرر فصولها إلى ما لانهاية، فإن القراءة السينمائية المثيرة التي أنجزتها الكاتبة، والتي شفت عن معرفة عميقة بسمات الاتصال والانقطاع بين الكتابة الروائية والسرد السينمائي، أسبغت في الحقيقة على النكبة بعدا إنسانيا عميقا، يعلو على كل التواريخ والجغرافيات. تنتمي الكاتبة إلى الجيل الجديد للاستعراب في فرنسا، وتعمل أستاذة في جامعة السوربون باريس 3، وقد عرفت برحلاتها وتحقيقاتها عن العالم العربي ومصر بشكل خاص، ودراستها لأساليب الاحتجاج الشعبي من قبيل الغرافيتي، أو التخطيط والكتابة الغاضبة على الجدران.
عايشت زوي كارل ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 في مصر وأنجزت في هذا السياق كتابا جميلا صدر عن منشورات جامعة السوربون «شعرية الشعار الثوري». للكاتبة بالإضافة إلى ذلك دراسة مهمة عن الروائي المصري صنع الله إبراهيم.
يبدأ الفيلم بصورة رجل مذعور يمشي بصعوبة وسط الصحراء. وفي مقدمة المشهد هيكل عظمي بشري وبخلفية صوتية، هي عبارة عن عزف بالناي أشبه بالشكوى. وعلى الشاشة نقرأ بالأبيض على الإطار الرمادي للصورة أبياتا شعرية لمحمود درويش:


وأبي قال مرة
الذي ماله وطن
ما له في الثرى ضريح
ونهاني عن السفر
تكثف الإشارة إلى قصيدة الشاعر الفلسطيني، الإحالات إلى الأرض المفقودة والموت، بدون شاهدة قبر والجمود والحياة وفق طريقة غير شرعية. وهي تلخص بشكل لا أقل ولا أكثر، رهانات هذا الفيلم. ينبغي قراءة وتلقي هذا الأخير بوصفه تمثيلًا للمصير المأساوي للفلسطينيين. تضحى من ثم أي عودة إلى الأرض بالنسبة لهؤلاء محظورة. ويحول هذا الحظر دون أي مغادرة. يمثل فيلم «المخدوعون» اقتباسا يتسم بإخلاصه اللافت والمثير لرواية الكاتب الفلسطيني غسان كنفاني «رجال في الشمس» التي صدرت عام1963 بعد انصرام سنوات عديدة على النكبة واضطرار المؤلف للنزوح عن فلسطين. وبفعل اضطراره لمغادرة يافا صحبة أسرته، استقر كنفاني في البداية في لبنان وسوريا قبل أن يحط الرحال لاحقًا في الكويت، وهي الوجهة المقصودة للأبطال الثلاثة. يبدو هذا الفيلم حول المأساة الفلسطينية، الذي أنتج في سوريا وصور في العراق، من لدن مخرج مصري تمثيلًا أو تجسيدًا للقومية العربية بامتياز، وإن ظل لفترة طويلة ممنوعًا من العرض في مصر، بسبب النقد اللاذع الذي خَص به التعامل الرسمي العربي مع الفلسطينيين.
يقوم الفيلم على الصعيد الجمالي بتحريف اهتمام المتلقي في البداية بواسطة طريقة اللعب المشحونة بالغضب للممثلين، ونزوعها نحو الرمزية. ولا يحول هذان المنزعان، وهو ما يثير الدهشة، دون الانخراط والاندماج في الحكاية التي تتسم بمباشرتها وشموليتها. يبقى المتلقي مشدود الأنفاس إلى حدود الانفراج الدرامي، بفضل بناء يتسم بحذقه وبساطته في آن. تتمثل الحبكة في رحلة ثلاثة رجال فلسطينيين إلى الكويت. سوف يجري سرد المسار الخاص بكل واحد منهم على امتداد تطور الحكي، وبفضل أسلوب الفلاش باك. يتمحور الجزء الأول من الفيلم حول وصول الأبطال الثلاثة إلى مدينة البصرة العراقية وبحثهم عن شخص يسهل دخولهم سرا إلى الكويت. أما الجزء الثاني فمخصص حصرا للرحلة داخل الصحراء، التي قادها رجل غامض وغريب الأطوار اسمه أبو الخيزران، وكان فلسطينيا لاجئا في العراق، ولم يقع الاختيار عليه بتأثير تضامن وطني فلسطيني وإنما بدافع المقابل المالي الضئيل الذي اقترحه. علاوة على العناصر السير ذاتية التي يسهل رصدها، فإن البعد التمثيلي للفيلم ومن قبله الرواية لا يسع الفكاك منه. العلاقة بين فقدان الأرض وفقدان الفحولة في شخص أبي الخيزران، الذي سرعان ما نحيط علمًا بأنه عاجز جنسيا. الأعمار الثلاثة للحياة التي يجري التمثيل لها بالعجوز أبي قيس والشاب أسعد ومروان، الذي جاوز بالكاد طور الطفولة، وشكل الرحلة الذي يشبه الخروج في اتجاه المنفى، التي ستفصح عن افتقادها للجدوى منذ المشهد الأول، وحيث تبدو النهاية كما لو أنها تقرر مصير الشعب الفلسطيني برمته.
يحفز السياق الصحراوي على التأويل الرمزي. ترتد العناصر إلى ذاتها ويلفي المتفرج ذاته وجها لوجه أمام إطار الصراع بين الإنسان والطبيعة. ويساهم عنوان الرواية «رجال في الشمس» بشكل تام في تكثيف هذا الصراع، فيما يسهم الفيلم في تجليته بشكل باذخ، بواسطة الصورة السينمائية. يتم تصوير الرجال الثلاثة بين الأرض الصخرية للصحراء، وشمس شهر أغسطس/آب الحارقة. ويشدد المخرج على البعد الفيزيقي لهذا الصراع الذي يتم خوضه أثناء رحلة العبور هذه. الحرارة الخانقة لشهر أغسطس ونور الشمس الذي يعشي أبصار المهاجرين الثلاثة وأبي الخيزران داخل قمرة الشاحنة. الأجساد التي تتعرض للعسف والتنكيل في غمرة هذه الرحلة التي لا يمكنها أن تكون واحدة. يستشرف الجهد الجسدي الذي يمثله هذا التطواف ذروته في الآلية المتكررة، التي تتيح للرجال الثلاثة عبور حاجزين، وكان أحدهما زائدا ولا جدوى منه: الخزان الفارغ الذي كان بمثابة مخبأ في المسافة الزمنية التي كان فيها أبو الخيزران منهمكا في إنجاز المعاملات الجمركية التي لا مندوحة عنها. كان الإطار الحديدي للشاحنة والمتقد بتأثير لفح الشمس قد جعل الجو كاتما للأنفاس في الخزان الذي أجبر الرجال الثلاثة على النزول إليه وهم عراة. وتحصر هذه التجربة الجسدية بالنسبة للجميع سمات نزول إلى الجحيم. ولأن التأويل المجازي في المتناول والميسور، فإن الكلمة أقصد جحيم يجري الإشارة اليها مرارا وتكرارًا من لدن أبي الخيزران.

يحفز السياق الصحراوي على التأويل الرمزي. ترتد العناصر إلى ذاتها ويلفي المتفرج ذاته وجها لوجه أمام إطار الصراع بين الإنسان والطبيعة. ويساهم عنوان الرواية «رجال في الشمس» بشكل تام في تكثيف هذا الصراع، فيما يسهم الفيلم في تجليته بشكل باذخ، بواسطة الصورة السينمائية.

يشكل هذا المشهد الذي يتكرر مرتين المحطة النهائية لرحلة المنفى، وخلاصتها في آن. تتخذ المناسبة الأولى شكل اختبار محصور ومحدد داخل الزمن – ويشدد الفيلم على هذه الخاصية- ومنذور لاختبار وفحص عزيمة المهاجرين الثلاثة. وهي عزيمة جنونية وبطولية ولا جدوى منها. وتفسح المجال أمام الأمل في نهاية سعيدة. تمثل الصعوبة القصوى، بداهة قرينة على الإرادة التي تمنى بالخيبة في عبور الحدود، التي تعتبر محصلة طبيعية للوضعية الكارثية التي وجد الشعب الفلسطيني نفسه ضحية لها، والتي تسهم فيها من جهة حملات التهجير الإسرائيلية وخذلان الجوار العربي من جهة أخرى. ويبدو في السياق ذاته أن تكرار الاختبار يزج بأبطال الفيلم داخل دائرة جهنمية. سوف يجرب هؤلاء المخاطرة ومخاتلة الشيطان مرتين وسيتجسد هذا الأخير في شخص الجمركي الكويتي المرتشي والخبيث، الذي يؤخر بطريقة مأساوية أبو الخيزران. وبفضل تقنية مونتاج تراوح بين المشهد الذي يجري تصويره داخل مكتب الجمارك، حيث يخوض أبو الخيزران صراعا ضد الزمن، ومشاهد أو لقطات مكبرة للخزان المنقوع في الشمس، الذي تدوي داخله ضربات الرجال الثلاثة، فإن الفيلم يختلف والحالة هذه عن الرواية بشكل جلي. وتنحى العبارة الاخيرة التي اختتمت بها الرواية والتي وردت على لسان ابي الخيزران باللائمة على سلبية الرجال الثلاثة، وهم يحتضرون داخل خزان الشاحنة: لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ يمكننا أن نصل هذه النهاية المحبطة بإرادة غسان كنفاني، تقديم الشعب الفلسطيني بوصفه مستسلما لمصيره في ما يشدد الاقتباس السينمائي في المقابل على العناصر الخارجية، التي تجعل من أي إرادة في المقاومة مستحيلة. تسهم تفاهة الحوار الدائر بين الجمركي الكويتي، وأبو الخيزران وبساطة الوضعية التي لا علاقة لها بالمجهود الخارق المثير للإعجاب، الذي بذله الرجال الثلاثة في تكثيف المظهر المأساوي لما يجري الترتيب له. لا يرتبط ما سيتمخض عنه الاختبار بقدرات أو إرادة المقاومة الجسدية للرجال الثلاثة. لعبت هذه الإحالة غير المباشرة إلى الدور الذي اضطلعت به البلدان العربية الأخرى في التدبير الدولي لمصير الفلسطينيين – كان الجمركي الكويتي المسؤول بطريقة لا واعية عن إفشال مشروع العبور السري- علاوة على صور الأرشيف الموظفة داخل الفيلم، دورا كبيرا في منع الفيلم في مصر وأيضاً في سوريا، على الرغم من تكفل هذه الأخيرة بإنتاجه.
تشكل صور الأرشيف هذه علة أخرى للاختلاف بين الفيلم والرواية، وتكثف الطابع السجالي للفيلم. يعمد المخرج في الجزء الأول من الفيلم تخصيصًا، إلى اقحام هذه الصور من الأرشيف، وتحديدًا في لحظة غير متوقعة حين كان أبو قيس يناجي نفسه ويشرح الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قرار العبور سرًا إلى الكويت. تتوارى صور المخيمات وجحافل المهجرين والنازحين، لتحل محلها صور ممثلي الجامعة العربية والملك فاروق الأول والملوك الهاشميين والشخصيات المرتبطة بتلك المرحلة. تتداخل الشخوص والتاريخ بشكل حميمي بغية إسباغ شكل على وطأة القرارات السياسية المفارقة للواقع، في إطار مصائر فردية بفضل مزيج من الوثائق التاريخية والخيال. تبدو حصة الإرادة السياسية المتضمنة في هذا الفيلم ضئيلة نسبيا بالمقارنة مع النجاح الذي استشرفه على الصعيد الجمالي. ويتعارض جمال الصور السينمائية والتركيز التدريجي على العلاقات الإنسانية التي تنسج بين أشخاص موجودين داخل وضعية استثنائية في قلب فضاء الصحراء، الذي يجعل المشاعر والتجارب أكثر عنفا مع بداية الفيلم، حيث تتموقع الشخصيات داخل قصة لها مرجعية محددة بدقة. يجري التركيز داخل الجزء الثاني على الأبعاد الأنثروبولوجية والروحية بمعزل عن المعطيات الزمانية والمكانية للعالم. غير أن التجربة الصوفية أجهضت، ولم يلبث الواقع أن انبعث بشكل مباغت في صورته الأشد قتامة وعتاقة، لكي يسبغ الطابع التراجيدي الحقيقي على عملية السرد. ولن يتمكن المسافرون الثلاثة من الخروج من هذه الصحراء التي دخلوا إليها؛ إذ كانوا محكومين منذ الصورة السينمائية الأولى بأن يلبثوا في وضعية تيه وشتات دائمين وبدون أي أمل في العودة أو الرحيل.

اضف رد