الرئيسية / أضواء على / “غرق الحضارات” لأمين معلوف يُسقط “هالة” الغرب ويكشف “يأس” العرب، فماذا في ثناياه؟

“غرق الحضارات” لأمين معلوف يُسقط “هالة” الغرب ويكشف “يأس” العرب، فماذا في ثناياه؟

وضع العضو في الأكاديمية الفرنسية الكاتب أمين المعلوف في كتابه الأخير “غرق الحضارات” الصادر عن دار غراسيه الفرنسية الحقائق ليسقط من خلالها آخر ورقة تين يحاول البعض التستر بها، متعاملين مع كل ما نعيشه على قاعدة وكأن شيئاً لم يكن.

بوضوح، ذكر معلوف أن العالم الغربي يفقد “بريقه” وسط تراجع مقلق لدور فاعل للحركات اليسارية في مواجهة التيارات اليمينية”. أما النكبة الحقيقية في كتابه، فهو وصفه للعالم العربي، الذي يعيش أسير شخصية الدكتور جايكل (القاتل الشرير) ومستر هايد (الطيب المستقيم) في الرواية الخيالية للأديب الاسكوتلندي روبرت لويس ستيفنسون، وهما يجسدان كائناً واحداً يعيش الصراع بين الخير والشر”.

مصير … “الـتيتانيك”

يضيف أمين المعلوف في هذا المؤلف مقاربة تاريخية واقعية للحضارات “التي يمكن أن تغرق فجأة وتلقى مصير سفينة الـ “تيتانينك” العملاقة”. وعكس صورة سوداوية وواقعية للعالم المحيط بنا مشيراً الى أننا “لسنا في محيط تتصارع فيه الحضارات، بل نشاهد انهياراً كلياً للحضارات كلها، ومن نتائج هذه الأزمة أنها لا تستثني أياً منها بل تمتد الى الحضارات الأكثر قوة والأكثر ضعفاً”. وأكد على “أن هذا ينعكس على واقع مرير من حولنا “، مشيراً الى انه “يجعل المنتصرين والمهزومين سواسية أمام حال من التراجع المقلق، والذي يمهد الى خطر الانهيار”.

معلوف.

يتصفح معلوف في كتابه محطات تاريخية يثبت من خلالها أن “الظلمة الحالكة، التي تجتاح العالم اليوم، اختبر “طيفَ” بعض منها، ولا سيما ما عاشه في بلده الأم لبنان عند انطلاقة شرارة الحرب الأهلية في 13 نيسان 1975″. وبيّن ذلك عندما كان شاهداً من باب المصادفة على حادثة بوسطة عين الرمانة، وهي نقطة بدء هذه الحرب التي برأيه انتهت فصولها في لبنان، “ولكنها العطب، الذي توغل في النموذج اللبناني، ولم تنته مفاعيله”.

الأصولية و… الجنة

في نظرة أكثر شمولية، لم يرحم معلوف العالم العربي بل ندّد به لأنه وقع في خيار “الطريق الخطأ”، موضحاً أن “هذا يرتبط بالإخفاقات، التي رافقت مسار النهضة العربية في بداياتها أي في منتصف القرن التاسع عشر، عند المجتمعات العربية”. وتوقف عند عجزها عن الانخراط الفعلي في الدعوات الإصلاح والتحديث التي شهدتها مرحلة النهضة مشيراً الى أن هذه “المجتمعات بقيت أسيرة الماضي، ورفضت إعطاء أي فرصة لها للمساهمة في هذا المنحى الحضاري الجديد”.

واستمر في تشخيصه لواقع البلدان العربية، والتي “بعد نيلها استقلالها وتحريرها من السلطات الاستعمارية المسيطرة عليها، رزحت تحت وطأة أنظمة محلية فاسدة ومتسلطة مارست البطش في حق شعوبها”. وشدد على أن “تفاقم هذه الأزمات مهّد الأرضية للحركات الأصولية المتطرفة بالتمدد في فضاء المجتمعات العربية متمسكة بحجة أنها قادرة على توفير عيش كريم لمن يؤمن بمسارها في الحياة كما في الجنة”.

تجربة عبد الناصر

الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

خصّ معلوف قسماً من مؤلفه لتفاصيل المشهد العربي مستعيداً “بدايات جمال عبد الناصر الذي رفع شعار الوحدة العربية، ما جعله يكسب ثقة الشعوب العربية دون اي منازع”. لكنه وجه في كتابه انتقادات لاذعة لعبد الناصر لكونه “لم يدرك تماماً واقع تحديات المرحلة، وما يترتب عليها من حلول”. 

ولم يتوانَ معلوف في اعتبار أن “اليأس العربي بدأ بعد هزيمة العام 1967 بحيث لم ينجح العرب في تخطي هذه الهزيمة، والتي قابلها تمسك إسرائيل بشعور الانتصار، وعزز لديها قناعة تامة بأنها غير ملزمة بتقديم اي تنازلات”. قال:” وقع العرب ضحية الهزيمة، فيما إسرائيل وقعت بدورها ضحية الانتصار”. واستخلص بعد هذا التحليل أنه “يستبعد اي تسوية في القريب العاجل للصراع العربي – الاسرائيلي”.

الدكتور جايكل ومستر هايد

ماذا يقصد معلوف من خلال تشبيهه عالمنا العربي بهذه الشخصية التي تعيش ازدواجية بين الدكتور جايكل ومستر هايد؟ بالنسبة إلى أمين معلوف فإن العالم العربي عرف مراحل تقارب ما هي عليه شخصية الدكتور جايكل بحيث إن “هذا الجو من السلام والصفاء عمّ الطبقات الاجتماعية في بلدان عدة مثل لبنان، مصر، تونس والعراق”. وشدد على ان “هذه الرؤيا الإيجابية ترجمت عملياً في تعزيز الحركات الفنية والأدبية والفكرية والمسرحية والنقدية، ونشر التفكير النقدي والفلسفي وتعزيز الصحافة الحرة او شبه الحرة”. لكنه لفت الى ان “هذا الامتداد الإيجابي تزعزع ليستبدل على الساحة العربية بوجه قبيح يشبه ما هو عليه وجه مستر هايد”.

مجموعة كتب لمعلوف ومنها جديده “غرق الحضارات”.

أوجد معلوف توازناً في كتابه من خلال وقفة خصها بما سماه “الردة الكبرى” في العالم. وشرح مقاربته للتغيير “المقلق”، الذي شهده الغرب في بداية السبعينات، على مستويات عدة والذي “ترجم عملياً في تراجع الحركات اليسارية والثورية في مواجهتها للأحزاب اليمينة، التي كان لها دور أساسي في وصول مارغريت تاتشر الى السلطة في بريطانيا، او في تبوء رونالد ريغن سدة الرئاسة في الولايات المتحدة”.

فوضى مميتة

وتناول في مؤلفه العالم الإسلامي “الثورة الاسلامية التي مهدت لوصول رجال الدين المتشددين الى سدة السلطة”، معتبراً أنه “نتج من هذه التحولات السريعة زيادة في مستوى الاضطرابات التي يشهدها العالم في الوقت الراهن، والتي تنذر بخطر وقوع العالم في فوضى مميتة وقاتلة، لن تتوقف الا إذا بادر الإنسان الى طرح حلول لهذه المشكلات في أقرب وقت ممكن”.

rosette.fadel@annahar.com.lb

twitter:@rosettefadel

اضف رد