الرئيسية / أخبار الاقتصاد / “غاز لبنان ونفطه: السنوات الضائعة”

“غاز لبنان ونفطه: السنوات الضائعة”

تصوير مارك فياض.

كثر الحديث الشهر الماضي عن أدوار الكثيرين في عملية استكشاف الغاز في لبنان بانتظار استخراجه بعد سنوات. ولذلك، أجد من الضروري وضع بعض المعلومات من تاريخ المراحل التي مر بها هذا القطاع الاقتصادي المهم بين يديّ القارىء. وللتذكير فان بدء العمل الفعلي وليس الانشائي كان مع الوزير سليمان طرابلسي وزير النفط في حكومة الرئيس سليم الحص بداية عهد الرئيس اميل لحود، وهو الأمر الذي لا يأتي أحد على ذكره.

حتى العام 2001 لم تكن قد جرت اية دراسة رسمية وأي مسح زلزالي رسمي للشاطىء اللبناني. ولكن في العام 1999 اتصل بي صديق انكليزي يعمل في مجال النفط، وكنا قد تواجدنا معاً في فيينا خلال انعقاد مؤتمر “اوبك”، والتقينا في باريس وكان معه ملف كامل عن المسح الزلزالي للشاطىء اللبناني، لأن شركة سبيكتروم البريطانية التي كان مستشاراً لديها، كانت تعاقدت رسميا مع قبرص لاجراء المسح الزلزالي للمياه الاقليمية القبرصية. وخلال مسحها للشاطىء القبرصي، حيث كانت بواخرها في المنطقة، قامت بمسح شاطىء لبنان من دون معرفة من أحد. وكانت قبرص سبّاقة عن لبنان واقرت قانونها للنفط سنة 1999، بينما كان لبنان غارقا في نوم عميق.

درسنا سوية دراسة الشركة واقتنعتُ بجديتها والنتائج التي توصلت اليها، وأُجرِيت الاتصالات  الضرورية مع الحكومة اللبنانية من خلال الاستاذ طانيوس عواد مدير المكتب الخاص لوزير النفط طرابلسي، وتم إخباره بموضوع الغاز، فأجاب ان الوزير سيكون خلال “الويك اند” في باريس، والأفضل هو اللقاء معه مباشرة. حصل اللقاء مع الوزير وعرضنا عليه موضوع الغاز وشرحنا له دراسة سبيكتروم التي تظهر وجود الغاز بكميات تجارية جيدة، واخبرناه كيف جرى المسح الزلزالي لشاطىء لبنان.

كان الوزير متحفظا في البدء لأنه ظن انه قد توجد كميات لكنها قليلة بسبب ما كان يسمعه جميع اللبنانيين من كلام انشائي عن النفط والغاز، وأن النفط وُجد مثلاً في بلدة يحمر وجرى طمره، لكنه اقتنع بجدية الدراسة غير الرسمية وطلب ان تتم متابعة الموضوع في بيروت، وهذا ما حصل من خلال لقاءات عقدت في مكتبه بكورنيش النهر، وانحصرت العلاقة بالوزير فقط. في هذه اللقاءات كان التركيز على الاهمية القصوى لاصدار “قانون للنفط”، وعلى ان اصدار القانون بالتزامن مع التعاقد للمسح الزلزالي الرسمي يشكلان البداية. واقتُرح ان تبدأ الوزارة مناقشة الموضوع مع شركة سبيكتروم، التي كانت عيّنت سابقا شخصاً من عائلة أ.ع ممثلاً لها ليتابع مع مسؤولي الوزارة تقدم العمل باتجاه المسح الزلزالي. لكن على صعيد قانون النفط لم يحصل أي تقدم (وهو ما بقي يجرجر حتى 2010).

طُرِح اقتراح على الوزير ان تطلب الوزارة نسخاً من قوانين النفط من قبرص ومصر وبعض الحكومات العربية الصديقة، وأن يقوم اختصاصيون بوضع مسودة القانون اللبناني. كما جرى توضيح مشاكل ترسيم الحدود بين لبنان والدول المجاورة وبخاصة اسرائيل التي سيكون الترسيم صعباً معها، وسيصبح موضوعا دوليا، لكنه سيكون ممكنا مع قبرص. أما مع سوريا فيجب عدم الدخول في اي مفاوضات في ظروف الاحتلال والهيمنة لانها ستستقوي على لبنان وتستحوذ على بضعة آلاف من الكيلومترات المربعة.

وتم أيضاً اعطاء الوزير فكرة عن كيفية تحديد أملاك لبنان البحرية، وكيف يمكن التلاعب فنيا بالموضوع مع سوء النية، بحيث ان جزءا من درجة واحدة في رسم الخط العمودي مع خط التماس في نقطة الحدود يتسبب بسلب لبنان مئات او آلاف الكيلومترات المربعة. وتجدر الاشارة هنا الى مقالة الدكتور عصام خليفة في جريدة “النهار” اللبنانية بتاريخ 25 آذار “حدود المنطقة الاقتصادية اللبنانية وقضايا النفط والغاز: الاحتساب الذي جرى أفقد لبنان 15% منها”، فهل من محاسبة للمسؤولين عن هذه الخسارة الكبيرة”.

استقالت حكومة سليم الحص قبل اتمام التعاقد مع شركة سبيكتروم للمسح الزلزالي (كان يلزم حوالى شهرين او ثلاثة للتوصل الى التعاقد)، وهكذا أرجّىء الموضوع الى حكومة رفيق الحريري في العام 2000.

مع حكومة الحريري، وتعيين السيد محمد عبد الحميد بيضون وزيراً للنفط عن حركة “أمل”، وجدتُ ان “موقعي الشخصي” لن يسمح لي بان اتابع الموضوع. لذلك تم ابلاغ الشركة ان وجودي سيكون مضراً في فريق العمل مع الوزارة. وتابعت شركة سبيكتروم المفاوضات ووقعت عقدا رسميا للمسح الزلزالي، وكانت هذه اول دراسة علمية رسمية للغاز المصاحَب بالقليل من النفط على طول الشاطىء اللبناني.

أضاع لبنان عشر سنين حتى اقرار قانون للنفط ا كان من الممكن ان ينجز في 2001 هو والمسح الزلزالي معا، ولكان بالامكان بدء تلزيم البلوكات في 2003 او 2004، والاستعانة ببعض المتخصصين بالنفط كالاستاذ نقولا سركيس وبعض الخبراء العرب، لكن السياسيين اللبنانيين اضاعوا اول عشر سنين لاقرار القانون وعشر سنين أخرى لتلزيم البلوكات والبدء بالتنقيب والحفر، بينما بدأت اسرائيل وقبرص بتصدير الغاز. 

وعلى رغم ضياع 20 سنة، نأمل الآن في ان تسير عمليات الاستكشاف وفق البرنامج بعدما بدأت عمليات حفر البئر الاستكشافية الاولى في آذار 2020، وان تكون الهيئة المشرفة على النفط والغاز على مستوى المسؤولية الوطنية.

أضاع سياسيو لبنان (ولا أستثني احدا منهم) فرصا كثيرة كان بالامكان الاستفادة منها لتخفيف العجز التجاري وعدم ارهاق كاهل الشباب اللبناني بديون ليسوا مسؤولين عنها، ولا قدرة لهم أو للوطن على خدمة هذه الديون. كان لبنان في طليعة دول المنطقة، فاصبح دولة فاشلة بفضل سياسييه الطائفيين، ومن دون الانتقال من هذا النظام الطائفي الى الدولة المدنية، لن تُبنى دولة طمحنا لها نحن جيل “لبنان الجميل”، لبنان الطليعي 1970، وجيل نضال الحركة الطالبية بقيادة “حركة الوعي” التي انتميتُ اليها ممثلا للطلاب عن كلية التربية في الجامعة اللبنانية، واصبحنا نحن كهولا دون تحقيق أماني جيلنا، جيل ما قبل الحرب التي أكلت وما زالت تأكل الاخضر واليابس والنفط والغاز، وطموحات الاجيال الشابة.

اضف رد