الرئيسية / home slide / غاز لبنان المسال وزواريب نصر الله الضيقة

غاز لبنان المسال وزواريب نصر الله الضيقة

 صبحي حديدي
القدس العربي
12062022

هذه المرّة لم تكن في جعبة حسن نصر الله مفاجآت من الطراز الذي خرج به على اللبنانيين، مساء 14/7/2006: «الآن في عرض البحر في مقابل بيروت، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية وعلى بيوت الناس وعلى مدنيين، انظروا إليها تحترق». منصّة التنقيب عن النفط والغاز المسال، التي استأجرتها دولة الاحتلال وتركزت مؤخراً في حقل كيشان المتنازع عليه قبالة السواحل اللبنانية، عبرت قناة السويس قادمة من سنغافورة تحت حماية البحرية الإسرائيلية، وهكذا تواصل العمل حتى إشعار آخر يسبق الإعلان عن بدء الاستخراج والاستثمار.
ذلك لأنّ مضيّ نصر الله في اجترار البلاغة الجوفاء العتيقة، من طراز أنّ «المقاومة تملك قطعاً القدرة، مادياً وعسكرياً وأمنياً، على منع العدو من استخراج النفط والغاز من حقل كاريش»، لا يصحّ أن يدخل في عداد مفاجآت الأمين العام لـ«حزب الله»؛ حتى في مستوى ما عوّد عليه جمهوره، خاصة بعد اختيار القتال إلى جانب بشار الأسد ضدّ الشعب السوري، من جعجعة بلا طحن حول وعود لم تعد صادقة بأيّ معنى، لأنها ببساطة باتت في منزلة رثّة بين المخادَعة والمكاذَبة.
مثير للسخرية في المقابل أنّ نصر الله، في خطاب التعليق على القرصنة الإسرائيلية (وهي هكذا بالفعل: ليس أقلّ، ولكن أكثر وأشدّ صفاقة)؛ ذهب بالوعظ إلى هذه الدرجة الفضاحة له شخصياً: «في المعركة الوطنية الكبرى، يجب الارتقاء إلى مستواها، والخروج من الزواريب السياسية الضيّقة». ذلك لأنه الأَوْلى، قبل رؤساء لبنان الثلاثة بل قبل أيّ من ساسة لبنان الكبار والصغار، بالخروج من الزواريب الضيّقة، وليس تلك التي تخصّ السياسة والسياسات والأثلاث التي تعطل وتهيمن وتخرّب، فحسب؛ بل تلك التي يشخّصها المعنى المادي للمفردة، في الأقبية المعتمة والسراديب الخفية والتحركات المموّهة.
وقد يصحّ أخذ نصر الله بجريرة ما يقول حول الزواريب، من جهة أولى لا تحثّ عليها الروابط بين المجازي والمادّي طيّ مفهوم «الزاروب» فقط؛ بل يُخوّل للمرء أن يأخذه بجريرة ما يستعرض من أخطار وتحديات تكتنف ملفات النفط والغاز المسال على وجه التحديد، وهي عنده ثلاثة أصناف: «سلخ مساحة كبيرة جداً من لبنان، بما تحويه من حقول وثروات»، و«لبنان ممنوعٌ من استخراج نفطه»، و«إفراغ الحقول». هذه لائحة تحصيل حاصل، أين منها بروق نصر الله ورعوده في الماضي، عدا عن أنّ منصّة التنقيب جاثمة على مرمى البصر، تحرسها البحرية الإسرائيلية، غير بعيد عن مرفأ شهد كارثة انفجار هيروشيمية الأذى بشرياً ومعمارياً؛ ولا يلوح أنّ أية «مفاجأة» تنتظرها، آتية من داخل الزاروب إياه تحديداً.
إلى هذا، وكما هو ديدنه الأثير، تغافل نصر الله عن الإشارة إلى مسؤولية شريكه في الحكم، أو تابعه إذا توخي المرء بعض الدقّة في التوصيف، الرئيس اللبناني ميشيل عون نفسه؛ الذي أبى توقيع مرسوم تعديل الخط البحري 6433، متوهماً أنّ وسطاء من أمثال دافيد ساترفيلد وفردريك هوف ودافيد شنكر يمكن أن يسايروه في تخفيف ضغط الإدارة الأمريكية عن صهره جبران باسيل، مقابل إحالة حقوق لبنان في ثرواته إلى ثلاجة التجميد.
ولعلّ نصر الله صدق، والحقّ يُقال، في أمر واحد جاء على لسانه صريحاً هذه المرّة، عارياً من نفحات التهديد أو الوعيد أو التنافخ أو التبجح: «إننا لا نريد الحرب، لكننا لا نخشاها ولا نخافها»، ومع حفظ الفوارق بين الخشية والخوف، و«السيد» مفوّه متفاصح عادة، فما العاقبة سوى هذه: «كل الخيارات مفتوحة لدى المقاومة». وكانت الكليشيه ذاتها قد نفعت «الحرس الثوري» الإيراني تحت وابل القاذفات والصواريخ الإسرائيلية هنا وهناك في سوريا، حتى تنفع مخفر إيران السياسي والمذهبي قبالة بحر بيروت، من جهة الضاحية الجنوبية!

صبحي حديدي