غادة اليافي تتذكّر زمن “الشياكة” في السياسة: خلاص لبنان بالعلمانية

روزيت فاضل
النهار
08102018

الدكتورة اليافي (الرابعة على اليمين) في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية.

الصورة الأساسية في الموضوع، أن غادة اليافي، ابنة الرئيس الراحل عبد الله اليافي عادت في العام 2015 الى مقاعد الدراسة في كلية الحقوق –#الجامعة_اللبنانية في الحدت. قبل ثلاثة أعوام، قررت الدكتورة اليافي أن تتعمق في المواد القانونية لتفهم “ما على المواطن اللبناني وما عليه” من واجبات تجاه نفسه أولاً وتجاه الآخرين ثانياً. تعود الى الدراسة لتنكب هذه السنة على متابعة مواد لنيل إجازة في الحقوق.

مما لا شك فيه ان الحديث مع اليافي في منزل العائلة، له ميزات خاصة جداً لأن أمام امرأة حرة في فكرها، لا قيود تتحكم بقراراتها. لم تنجح في الانخراط في السياسة لأن شخصيتها لم تراعِ التغيرات الفاضحة بين زمن ” الشياكة” في السياسة وواقعها الرديء اليوم.

50 عاماً من السياسة

بيت اليافي عريق بتواضعه. هو نموذج لمقتنيات البيوت السياسية في الزمن الجميل، والتي تهاوت خلال الحرب الدامية على لبنان. منزل يعبق برائحة الكتب والثقافة، ويتميز أيضاً بأثاث دمشقي تقليدي فيه زخرفات منقوشة ومحفورة على خشب الجوز الجاف، وهو من ذوق والدتها السيدة هند العظم، السورية الجنسية.

ماذا ورثت عن والدها؟ تجيب بثقة: “تربّت العائلة على الفكر، العروبة والوطنية والاستقامة في الرأي ونظافة الكف”. وأكملت أن “والدها، الذي انخرط في السياسة نحو 50 عاماً، لم يجمع ثروة بل عمد الى تقسيط ثمن المنزل”.

الرئيس اليافي قرب الإمام المغيب موسى الصدر والرئيسين صائب سلام ورشيد كرامي (أرشيف “النهار”).

العلم للجميع

تحن غادة الى البيت الآخر الذي تسميه “بيت البيوت”، والذي كان قرب سباق الخيل “ذاكرة” الحياة السياسية لـ “دولته” والمكان الذي عاشت فيه في كنف العائلة. تتحدث عن والدها، وهي تنظر الى صورة معلقة على الحائط تخلد ملامح رجل دولة، وقالت: “لقد سهر والدي على مساواة الصبيان والبنات في فرصة تحصيل العلم الجامعي. درستُ الطب وتخصصت في أمراض الدم في فرنسا. هذه حال شقيقتي ناهلة، التي حصلت على الفرص ذاتها. وهذا ينطبق على أشقائي الذين حصّلوا شهاداتهم من كبريات الجامعات في فرنسا والولايات المتحدة”.

لا للسياسة

وشددت على أن “والدها، الذي كان من اوائل الذين نالوا دكتوراه في الحقوق من جامعة السوربون، حرص شخصياً على تشجيع أولاده على طلب العلم”. لكنه أوصاهم بعدم الانخراط في السياسة، وقالت: “لقد كان والدي متفانياً في السياسة. أوصى أولاده الشبان بعدم الانخراط في هذا المعترك لأن طريقه تبدو شاقة جداً لمن هو مستقيم الرأي إذ قد يواجه خيبات عدة من عالم السياسة”.

وعما إذا كان يشارك العائلة في هموم السياسة، قالت: “لا أبداً. كان يفصل دائماً بين العائلة والسياسة. إذا جاءنا أي زائر سياسي كان يحرص دائماً على ان يبقى إطار اللقاء محصوراً بشخصه وبالضيف”. ورداً على سؤال عن “هيبة” والدها في البيت قالت: “طبعاً. كنا نهابه، ونحن صغار كنا نلجأ الى والدتي لتطلب منه بعض الأمور”. من كان يقصد البيت؟ أجابت: “عائلات بيروتية عدة”. واستطردت مشيرة الى “أن بعضهم كانوا يرافقوه الى الصيد وهي من هواياته المفضلة”.

الرئيس عبد الله اليافي (أرشيف “النهار”).

وطني اصيل

قبل الحديث عن ذاتها، ذكرت اليافي أن “والدها الشغوف بالعروبة عبّر أمام عائلته عن خوفه الشديد من بقاء القوات السورية في لبنان لمدة غير محددة”. وعرضت “مفهوم العروبة”، الذي نشأت عليه، “وهو يعني التضامن في القضايا مع احترام سيادة كل بلد وعلى رأسها سيادة لبنان”.

عاش عبد الله اليافي وعائلته “هول” الحرب، وتهجّر أسوة باللبنانيين من بيته، وانتقل مع عائلته من مكان الى آخر. وقالت غادة: “كانت وطأة الحرب موجعة جداً، وهذه حال اللبنانيين”. وعن والدها؟ “كان يخشى على لبنان وأهله، كل أهله. كان يتابع خوف الناس ومشكلاتهم بألم كبير”. وعما إذا كان اللبنانيون قد عرفوا فعلياً مزايا عبد الله اليافي، قالت: “أليس عليهم ان يدركوا قيمة “الأوادم”، الذين امتهنوا السياسة بشرف وأمانة؟ والدي هو من ساهم فعلياً في شق طريق كورنيش المزرعة تلبية منه لحاجة البيروتيين اليها”.

الدكتورة غادة اليافي (الانترنت).

الخوف من الطائفية

“لنعد إليكِ”. نظرت الينا مبتسمة وقالت:”ماذا عني؟”. عادت بالذاكرة الى دراستها وتخصصها بأمراض الدم في باريس، وقالت:”عدت الى لبنان في العام 1972. ومضى وقت قصير وبدأت تلك الحرب المجنونة. مارست مهنتي وعشت مأساتها ومرارة أن تسمع من يردد امامك أن شطري العاصمة أضحيا في تلك الفترة شرقية وغربية، وهذا ما لم أعتده”. “خشيت كثيراً”، وفق ما صارحتنا، “من الطائفية التي تنخر في مجتمعنا”، مشيرة الى أن “ممارسة الشعائر الدينية حق، لكنه يندرج في خصوصيات كل واحد منا، وليس شيئاً نجاهر به لأن اللجوء الى الله ومناجاته هو أمر خاص جداً بكل إنسان”.

الرئيس اليافي في زمن “الشياكة” في السياسة (ارشيف “النهار”).

“العلمانية هي مدخل أساسي لخلاص لبنان”، قالت اليافي. وهل تدعم الزواج المدني قالت: “طبعاً. أنا من مؤيديه”. وتوقفت عند محاولتها خوض تجربة الانتخابات البلدية او النيابية وقالت: “لم يتملكني أي شعور بالإحباط لأنني لم أنجح في التجربتين. سأتعاطى السياسة وأعبّر عن رأيي في مواقف عدة وهذا حقي”.

الرئيس اليافي في زمن “الشياكة” في السياسة (ارشيف “النهار”).

اليافي، امرأة صريحة جداً. تناولت في حديثها التفاوت الفاضح، الذي لمسته في المجتمع اللبناني، وقالت: “تغيرت أنماط مجتمعنا وبعض سلوكياته. لمست بعض الفوارق بين مجتمعنا قبل الحرب وبعدها ولاسيما عندما انتقلت مع زوجي السابق محمد قدورة وابنتنا الوحيدة للعمل في فرنسا. في الحقيقة، لم أعتد مجاراة واقع المسايرة الذي فرض نفسه بعد الحرب، هو شيء لم أعتده إطلاقاً”.

Rosette.fadel@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*