الرئيسية / مقالات / غاب زمنه قبله

غاب زمنه قبله

غاب زمنه قبل ان يغيب هو. ميشال اده كان صورة اللبناني المتعدد الموهبة، المتعدد الأفق، الكثير الانفتاح: عائلة بورجوازية وفكر ماركسي، عروبي بكل قناعة وماروني بالخمسة، متقشف على نفسه وعطاء بلا حساب، ظرف بلا حدود وجدّ بلا نهاية، سياسي وصحافي ومحامٍ ومفكر ورجل أعمال ومثقف رؤيوي.

في زمنه، كان كل لبناني يريد أن يكون هكذا: وطن الحدود، وهوية لا حدود تحد مكوناتها. حرية فكرية بلا أسر وبلا ايديولوجيات معقدة، وبلا ديماغوجيات تافهة، ينقلها الخواة بعضهم عن البعض، وينسخها عديمو المواهب كما ينسخ التنك عن الذهب.

في كل ما فعل وما سعى وما حقق وما أمل، كانت قاعدته المقياس القيمي. لا تحت القيم ولا فوقها، بل بها. وفي زمنه كانت كل هذه الاشياء لزوميات، لا ميزات، يكتسبها الناس في بيوتهم وعائلاتهم وأحيائهم وقراهم والمزارع المعزولة في الثلج والعتم والريح.

كان زمن الطاعة فيه للخلق والتواضع والنزاهة. ميشال اده لم يكن فريداً في جيله، بل كبيراً ضمن سرب من الكبار. حشد من الكبار. الصغار يمتنعون. هذا أكثر ما يؤلم في غياب هذا الجبار. ليس أنه مات، بل أن زمنه مات أيضاً.

تقول الامثال، لا تحيا نفس إلا تموت أخرى، هل هذه الثورة هي ولادة جيل ما بعد ميشال اده؟ الحق ان 17 تشرين الأول يصلح جداً لأن يكون موعد ولادة جيل. فجأة، خرج شعب لا نعرفه، من كل المنافذ، يسخّف بروعة، اليمين واليسار، التجار الكبار والتجار الصغار، السماسرة والثراثرة. كل شيء سقط أمامهم وصغر. وبعد 17 تشرين الأول، لم يعد مكان للشعوذة. لن تخدع الناس بعد اليوم، ولن تتظاهر هي بأنها صدَّقت الخداع. اذهبوا وابحثوا عن شعب آخر يمكن ان يتحمل جلده ما تحمل هذا الشعب. هنا، في لبنان، بصرف النظر أين تبدأ الحدود وأين تنتهي، هنا، كفى…

شاهدت في هذا العالم عروضاً كثيرة. البولشوي، وعيد العمال في موسكو، ومسرحية “شيكاغو” في نيويورك، ما من عرض أثار بي مشاعر الفتاة التي ترفض السفر الى كندا كي لا تبتعد عن أمها. لست أذكر من قبل مرة نزل فيها اللبنانيون الى الشوارع هاتفين، لن نهاجر. اعتدناهم يملأون المرافىء، وأقبية المترو في باريس، ومصاعد المكاتب في دبي، ومطاعم الكبة في الامازون، وآخر دكان على آخر حافة من حوافي الأرض في الارجنتين. فاجأنا اللبنانيون هذه المرة. هاجروا الى ساحة الشهداء، وساحة النور، وساحة الميدان في زحلة، وساحة ايليا في صيدا، وساحة كفر رمان.

فاجأونا. علم واحد، وصوت واحد، وهتاف واحد. هل انتم حقاً الشعب الذي كان ينقسم على رؤية الهلال وعيد الاستقلال؟ ووقف فيكم فنان يبلغكم ان نشيدكم الوطني مسروق من الريف المغربي؟

أين كنتم قبل 17 تشرين الأول؟ كنتم مثل العبيد تماماً في المجالس. وكان فخركم الاعظم مدى رضا المستَعبد عن مدى عبوديتكم.

كل يوم، كنت أحاول أن أبحث في وجوهكم عمن تشبهون. في القرن التاسع قامت في العراق انتفاضة سميت “ثورة الزنج”. ثورة بلا قائد حركها الشعور بالذل. رجال من شرق أفريقيا، وعرب فقراء، وفرس وترك وأجناس أخرى. لكنها سميت “الزنج” لأن اللون الأسود كان لون العبودية.

لم تنتصر ثورة الزنج، لكنها أرغمت العباسيين على تغيير الكثير من سلوكهم حيال المتعبين. سوف تغير ثورة 17 تشرين الأول الكثير في السلوك السياسي المعيب. لا غطرسة بعد الآن. لا بلد يموت في الروائح والفضائح. لا مستشفيات أقرب الى المقابر. لا أولاد ينامون بلا عشاء لكي يتمشى فوق صدورهم مهرجو السرية المصرفية.

“تياترو”، كان يقول منح الصلح، وهو يسخر من المشهد السياسي. لن ينتهي طبعاً. لكن محل ذلك العرض السمج اللجوج، حل عرض منعش مدهش عفوي وصدوق. في الستينات جاء الى بيروت من نيويورك ممثل يدعى بيار سلامة. وقد نوى أن يقدم شيئاً مختلفاً عن المسرح آنذاك، فظهر في “ايدي يوريديس” من بين الجمهور، لا من وراء الستارة. مثل يوريديس.

خرجوا من بين الجماهير وتركوا الخشبة خالية. الدور الحقيقي تحت، بين الناس، لا فوق. وبما انه ليس هناك خشبة، ليس هنا ملقن أيضاً. ولا تبادل أدوار. ولا أقنعة.

بركان بلا توقيت انفجر في لحظة غير مناسبة. الاقتصاد تحت الصفر، والليرة في النَفَس الأخير، والبطالة في ذروتها. ولكن أليست هذه ايضاً اسباب الثورة؟ ألم تقم الثورات دائماً بسبب الانكار المتمادي، السلطة في مكان والشعب في دنيا أخرى؟ لقد نسب الى ماري انطوانيت تلك الغباوة الشهيرة، فليأكلوا البسكوت، لكن النمساوية كانت اذكى من ذلك. كانت تعرف، على الأقل من خلال مبعوثها السري ميرابو، أن طاقة الاحتمال البشرية قد فرقعت. بلغ السيل الزبى، قالت العرب، رجوح كفّة الميزان، سماها الفرنسيون، النقطة الأخيرة، قال الانكليز.

تتشابه حالات الشعوب ومراحلها. وفجأة، تستيقظ ذات يوم وتخرج الى الشارع. في تشيلي وفي بغداد وفي جل الديب. في سانتياغو، كانت القشة رفع أسعار المترو. وبما اننا لانملك “مترو” ولا باصات ولا سكك حديد، ولا ترامواي جميلاً، كانت قشتنا “الواتساب”. وترجمتها “ماذا يجري”، أو “ماذا في الأمر”. الحكومة تريد ان تعرف لماذا هذا الضجيج، وما الذي يزعج اللبنانيين، ألا يكيفهِم أننا اعطيناهم هذه الوجوه الصبوحة، وهذا الاداء الاستثنائي، فضاقت بهم 6 دولارات في الشهر؟ كيف يمكنكم أن تروا الناس وهمومها من وراء 20 سيارة معتمة الزجاج؟ ممن يخاف هؤلاء المواكبيون الى هذه الدرجة؟ خفض رئيس أوكرانيا موكبه الى سيارتين، ومكتبه إلى ثلاث غرف، ورفض فرنسيس الأول الانتقال الى الجناح البابوي في الفاتيكان لأن كل تلك الزخارف المتحفية تشوش العلاقة مع الله، والصداقة مع يسوع، طفل المذود. شيء من الحياء. ولو منسوخاً.

اضف رد