الرئيسية / مقالات / عيِّنتان من مختبَر الثورة

عيِّنتان من مختبَر الثورة

من التظاهرات في وسط بيروت.(نبيل اسماعيل)

الانخراط في ثورة 17تشرين الأول بديهي لمن يريد ومن يستطيع ومن يملك السمعة التي تسمح بِـ”قبوله”في الثورة بمعزل عن شكل انخراطه تظاهراً أو نشاطاً تنظيميًا أو فكريًا أو إعلاميًا. لكن هناك مجال آخر تتيحه الثورة وهو التعامل معها كمختبر تحولات.

مختبرياً يبدو بيان “الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات” (LADE) أمس عينة عن كيف تغيِّر الثورةُ في لغة وبالتالي موقع مؤسسة قائمة فتنقلها من خطاب تقني إلى خطاب جذري سياسيا.

أتابع دائماً نشاطات هذه الجمعية ويشدني إلى هذه المتابعة أنني ساهمت منذ حوالي ربع قرن في تأسيسها. طبعاً أتابعها من خارجها باعتبار أنها أصبحت في أيدي أكثر من فريق شاب تعاقب على إدارتها منذ تلك المرحلة.

طغى على عمل هذه الجمعية الطابعُ التقني. كانت تقوم بمجهودات كبيرة في محاولة مراقبة الانتخابات المتعاقبة أعوام 2000 و 2005 و2009 ومؤخراً 2018 واستطاعت عبر العديد من المتطوّعين والمتطوّعات أن تسجِّل في تقريرها النهائي بعد كل عملية انتخابية ملاحظات نقدية لمسار كل عملية. لكن لم تصل يوماً في خلاصاتها إلى اعتبار العملية الانتخابية من القانون إلى فترة الترشيح إلى يوم الاقتراع عملية مزورة.

أمس وصلتْ.وهذا التجذير في الخلاصات والمطالب لم يكن ليحصل لولا 17 تشرين. لقد حسمت الثورة نقلَ هذه الجمعية، الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات، نقلَها من التقني إلى السياسي. التقني الذي لم يكن ليزعج جدياً السلطات المتعاقبة على المصادرة والتزوير الانتخابيّيْن. إلى السياسي الحاسم في رفضه إعطاء أي شرعية لهذه العملية.

في حالة الانتخابات فالاعتراضية التقناوية التي كانت تطبع عمل الجمعية اللبنانية من أجل ديموقراطية الانتخابات وتكبح الميل الرفضي الموجود لدى مديريها وعناصرها، تغيّرت الآن نحو لغة أكثر حسماً من السابق بوضوح.

لا أقول أن الجمعية لم تكن تلامس في السابق مسائل السيطرة السلطوية على قانون الانتخابات والتحكّم المسبق بالنتائج وارتهان لجنة الإشراف على الانتخابات ومخالفات يوم الاقتراع واللعب بالنتائج ولكن لغة بيانها أمس مختلفة جذريًا من حيث التموضع السياسي والرقابي.

العينة الثانية “بيروت مدينتي” مختلفة لأن الأخيرة كانت ولادتها والكاريزما التي حقّقتها إرهاصاً أو أحد الإرهاصات بولادة الثورة لاحقاً كما تَبيَّن من حيث أنها عبّرت عن موقع جيل جديد قدّم نفسه للمرة الأولى في الانتخابات البلدية في العاصمة عام 2016. أمس أعلنت “بيروت مدينتي” عن مبادرة دولية لدعوة المجلس الفيديرالي السويسري إلى تجميد كل الأصول و الأموال العائدة في المصارف السويسرية لـ”القيِّمين على الشأن العام ” في لبنان. بهذا تخرج “بيروت مدينتي” عبر المناخ الذي أحدثته ثورة 17 تشرين الأول إلى الأفق الأوسع في هجوم الدعوة إلى التغيير. هل يمكن لغير متفائل أن يرصد قابلة الثورة؟ هو في الواقع رصد لفعاليات جيل جديد قاد الثورة وحرّكها قبل أن تنضم إليها الجحافل الجديدة من العاطلين عن العمل والمفقَرين والفقراء القدامى والجدد.

ما يعنينا هنا هو الجمعيات الواعدة ومدى قدرتها على الخروج من تأثير أطُر النظام القديم. هل تعبير “النظام القديم” ما زال مبكراً؟ طبعاً. لكن المعضلة العميقة هي أن المسافات المفاهيمية و العملية التي أحدثتها الثورة باتت حاضرة بقوة سلباً إلى حد أن لبنان اليوم يمكن تعريفه بأنه البلد الذي يعيش في ظل نظام قديم لم يسقط. نظام سابق لم يسقط.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد