الرئيسية / مقالات / عيد الميلاد ورسالة يسوع المضيّعة

عيد الميلاد ورسالة يسوع المضيّعة

 رأي القدس 
القدس العربي
26122019

يحيي العالم عيد ميلاد المسيح في غمرة احتفالات كونية تعلن استذكار رسائله الروحية  الكبرى حول السلام والمحبة والوئام بين الناس على اختلاف أعراقهم وبلدانهم ومذاهبهم، ولا ريب في أن المناسبة تحمل دلالات عظيمة حول التآخي بين البشر والتكاتف في تخفيف الآلام وتعظيم الآمال واحترام الإنسان الذي من أجله حمل عيسى بن مريم الصليب على درب الجلجلة.

لكن الكثير من مظاهر الاحتفاء تخفي ممارسات وأخلاقيات تسير على نقيض تام من جوهر رسائل يسوع إلى العالم، وخاصة ما يتصل منها بالعدل والمساواة والتراحم، وذلك في قلب السلطات والقوى والبلدان التي تزعم الانتماء إلى الإرث المسيحي. ذلك لأن عربدة القوي أمام عجز الضعيف، واستهتار المتخم بعذابات الجائع، وشن الحروب في ذروة الاحتفال بنبيّ السلام، وسوى ذلك كثير، تحيل يوم الميلاد إلى منصة تزييف وخداع واستهتار بصاحب العيد نفسه.

فعلى سبيل المثال في فلسطين، مهد المسيح والأرض المقدسة لدى الديانات التوحيدية الثلاث، يواصل الاحتلال الإسرائيلي انتهاك جميع رسائل يسوع بلا استثناء، فلا يكتفي بقهر الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم والاستيطان فيها وتهديم البيوت وتخريب العمران واقتلاع الأشجار وتكرار أشنع السياسات الفاشية والعنصرية، بل يستند في كل هذا إلى إدارة أمريكية تزعم أنها وريثة المسيح على الأرض وحامية حقوق الإنسان. وليس غريباً أن تكون واحدة من أشرس المنظمات الأمريكية دفاعاً عن دولة الاحتلال هي تلك التي تتشدق بالجمع بين المسيحية والصهيونية، وتهلل لتقديم كنيسة القيامة وجبل الزيتون وباب العمود هدايا إلى سلطة الاحتلال الأبشع في التاريخ.

وفي مدينة معرة النعمان السورية انقلب عيد الميلاد إلى جحيم أرضي بسبب عمليات القصف الوحشية التي اختار طيران النظام والطيران الحربي الروسي تنفيذها في هذا التوقيت بالذات على مرأى ومسمع من العالم بأسره، وكأن الرسالة تقول إنّ يوم السلام والوئام والمحبة هو يوم الموت والخراب والكراهية. وبدل أن يجد أطفال محافظة إدلب الهدايا تحت شجرة الميلاد، انهمرت على رؤوسهم قذائف التدمير الشامل والبراميل المتفجرة فلم يعد لديهم من ملجأ سوى الاشجار في العراء المكشوف. ولكي يكتمل انتهاك المناسبة كانت حشود أخرى من السوريين في مناطق سيطرة النظام ترقص وتهزج وتأكل وتشرب احتفاء بالميلاد من دون أي اكتراث بالفجائع التي يعيشها سوريون آخرون معذبون على مرمى النظر.

كذلك فإنّ يسوع، الذي ولد في مذود وظل نصير الفقراء والثائر في وجه تجار جعلوا بيت العبادة مغارة لصوص، يُحتفى بميلاده في غمرة طقوس فاحشة من البذخ والإسراف والإنفاق، في حين أن أرقام البؤس في العالم تزداد فظاعة كل يوم ويتجاوز فقراء العالم رقم الـ1,3 مليار نسمة، ثلثهم من الأطفال تحت سن ثماني سنوات، و22,7% من أطفال آسيا تحت سن خمس سنوات يعانون من سوء التغذية والحرمان من التعليم. ولا يقتصر البؤس على الدول النامية كما قد يبدو بل يشمل أيضاً البلدان المصنعة الأكثر تطوراً، إذ أن نسبة 16,2 من أطفال أمريكا تندرج تحت خط الفقر،  وفي بريطانيا يقع 30% من الأطفال (قرابة 4,1 مليون طفل) تحت التصنيف ذاته.

تهنئة العالم والأطفال خاصة بعيد ميلاد المسيح مستحقة بالطبع، ولكن هيهات أن تخفي الحقائق المريرة حول رسالة يسوع المضيّعة.

اضف رد