الرئيسية / مقالات / عون يُمسك الحكومة ويفتح الجبهات… “الرئيس القوي” يواجه “الرئيس الحكَم”!

عون يُمسك الحكومة ويفتح الجبهات… “الرئيس القوي” يواجه “الرئيس الحكَم”!

من تحرك التيار الوطني الحر أمام مصرف لبنان (تصوير نبيل اسماعيل).

عدم توقيع رئيس الجمهورية ميشال عون على قانون موازنة 2020، ليس إلا بداية معركة مفتوحة قررها لما تبقى من ولاية العهد. الفرصة اليوم مؤاتية بالنسبة إلى عون الذي يعتبر وفق مصدر سياسي مقرب أن الحكومة ورئيسها حسان دياب اليوم طيّعان في ما يتعلق بقرارات كان عجز في السابق عن اتخاذها أو على الاقل السير بها الى النهاية مع الرئيس السابق سعد الحريري، على رغم أن الأخير كان الحلقة الضعيفة في التسوية السابقة. يستطيع الرئيس عون وفق المصدر القول أن الحكومة الحالية ذات اللون الواحد هي حكومته مع “حزب الله”، وهو يترأس جلساتها ويوجه سهامه الى أصحاب السياسات السابقة بارتياح وان كان غطاها كلها سابقاً في حكومتي سعد الحريري السابقتين وفي الحكومات السابقة التي كان لديه فيها ثلث وزاري معطل، إضافة الى كتلة نيابية وازنة.

يستعيد ميشال عون الذي تحرّر من الفراغ، وبات في إمكانه أن يتحدث باسم الانتفاضة الشعبية حين يقول ان شعاراتها كان يرفعها ويطالب بها، من دون أن يحمل نفسه وتياره الوطني الحر أي مسؤولية عما حل بالبلد من انهيار، يستعيد الصفة التي جاء بها كعنوان الى الحكم، أي “الرئيس القوي”، فيقرر مثلاً عدم التصديق على قانون الموازنة 2020 على رغم أنه صدق على موازنة 2019 بعد اقرارها في مجلس النواب في 21 حزيران 2019 بلا قطع حساب انما بتسوية تحفظ مكاسب القوى السياسية والطائفية وتقوم على التدقيق المالي لاحقاً، من دون أن نشهد أي محاسبة في هذا الشأن. في حين يشدد عون اليوم على انه لا يمكن اصدار الموازنة من دون قطع الحساب الا اذا صدر قانون يجيز ذلك، وهو ما ربطه بالقانون الذي صدر في العام الماضي ١٤٣ / ٢٠١٩.

لا يرتبط امتناع عون عن التصديق بالقانون ذاته، إذ هو يعلم أن رئيس مجلس الوزراء حسان دياب وافق على اقراره أو تهريبه في جلسة سريعة في مجلس النواب، ولم يعترض على بنود الموازنة التي أحالتها الحكومة السابقة، انما باستعادة الدور والصلاحيات ومحاولة تسجيل انجازات وفرض أمر واقع يستطيع أن يثبت دعائم حكمه والمجيء برئيس هو يقرر اسمه سلفاً، أي رئيس “التيار الوطني” جبران باسيل، وذلك على رغم أن البلاد اليوم هي على قاب قوسين من الانهيار ما لم تنهج الحكومة مساراً مختلفاً يؤكد استقلاليتها. وينعكس توجه عون في نقاشات مجلس الوزراء الذي لم يثبت حتى الآن انه مجلس انقاذي، حين يتولى رئيس الجمهورية المناقشات ويحدد التوجه المعد سلفاً من دون أن يكون لرئيس الحكومة خيار مستقل، أي أن عون يفرض رئاسته القوية في جلسات الحكومة ليؤكد بتوجهاته أنها حكومة غير مستقلة، وان كانت لم تتخذ قرارات كبرى وحاسمة في ملفات أساسية، باستثناء مسائل تقنية، فيما القرار يتخذ خارجها ويحدد عون مساره وفقاً لما تطبخه قوى الممانعة.

السياسة التي يتبعها عون اليوم، والتي يقول أنه يسعى للاصلاح والمحاسبة والخروج من الأزمة باجراءات موجعة اضطرارية، ترتكز وفق المصدر السياسي على مصادرة قرارات الحكومة نفسها، وكذلك مصادرة مطالب للانتفاضة، بحيث يؤدي ذلك الى تكريس واقع وكأن شيئاً لم يحدث منذ 17 تشرين الأول 2019. هو يوجه الامور بالتحالف مع فائض القوة تحت سقف ما يسميه “حزب الله” القرار السيادي الوطني الذي لا يقبل ابتزازاً ولا مقايضات ولا يؤدي بالبلاد إلى أيّ وصاية أو تبعيّة أو ارتهان، فيما الوصاية الخارجية قائمة من محور وحيد اليوم هو “محور المقاومة” وهو ما يؤدي الى رهن البلد للخارج أيضاً. وبذلك تسقط مقولة “استدراج التدخلات والإملاءات أو الشروط الأجنبيّة تحت ذريعة إنقاذ الوضع”. ومن مدخل استعادة المبادرة وتوجيه الأمور لا يخفي عون انه يريد اتخاذ اجراءات ليتحمل المسؤولية كل من ساهم بإيصال الأزمة الى ما هي عليه اليوم في البلد.

وأياً يكن ما سيقرره رئيس الجمهورية في المرحلة المقبلة، ما لم تأخذ التطورات البلد الى الانهيار الشامل، ستبقى حساباته مرتبطة بالعنوان الذي جاء على أساسه الى رئاسة الجمهورية أي “الرئيس القوي” الذي يريد استعادة الصلاحيات وتكريس أمر واقع في الحكم لا يمكن القفز عنه. وهذه السياسة ستزيد حدة الاصطفافات أكثر من المرحلة السابقة، وفق المصدر السياسي، وهي تستفز فئات كثيرة من اللبنانيين، تماماً كما حدث في السنوات الثلاث الأولى من العهد، حين قدم عون نفسه انه الرئيس الطرف وليس الرئيس الحكم، حتى وصلت الامور الى محاربة القوى المسيحية الأخرى خصوصاً “القوات اللبنانية” ثم المردة والكتائب، والكل يتذكر كيف حدث الصراع مع الحزب التقدمي الاشتراكي ثم مع رئيس مجلس النواب نبيه بري وصولاً الى انفجار التسوية مع سعد الحريري الذي قرر الذهاب الى المعارضة ومواجهة العهد.

يريد عون تعويم صفة “الرئيس القوي” وهو يعرف انها كانت سقطت خارجياً، بعدما انهارت داخلياً في ظل الصراعات وما وصلت اليه البلاد من أزمات خطيرة على المستويين المالي والاقتصادي. في حين ان السير باستعادة الصلاحيات وفرض أمر واقع انطلاقاً من التحالف القائم مع “حزب الله” سيساهم بالمزيد من اضعاف المسيحيين لاحقاً، علماً أن الانتفاضة الشعبية اللبنانية صوّبت على كل القوى السياسية ومعها التيار الوطني الحر والعهد وحملت الجميع مسؤولية الانهيار في البلد. ويعرف عون وفق المصدر أن معارضة العهد تتنامى لدى كل الطوائف والقوى، وهناك تحالفات جديدة بدأ التحضير لها، فيما الانتفاضة الشعبية تتحفز لانطلاقة جديدة بسبب تفاقم الازمة. أما سيد العهد، فينظر الى واقع البلد من زاوية أخرى، طالما أن الفرصة متاحة بوجود رئيس حكومة سني لا يستند الى قوة شعبية، وهو بالمعايير رئيس ضعيف سنياً…

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

Twitter: @ihaidar62

اضف رد