عون و”حزب الله” يعلّقان تأليف الحكومة… هل ترتبط المعادلة الجديدة بالمواجهة الإيرانية؟

العودة إلى الشارع (نبيل إسماعيل).

أياً تكن الصورة التي يقدمها رئيس الحكومة المكلف #حسان_دياب لتثبيت موقعه في الرئاسة الثالثة، فإن الخلاف بين قوى ممانعة 8 آذار التي سمّته سياسياً قبل استشارات التكليف الملزمة تجعله عاجزاً عن ترجمة ما يعلنه عن حكومة التكنوقراط. بات رئيس الحكومة المكلف اليوم نقطة لا تقدم ولا تؤخر في ما يريده العهد بالتحالف مع “حزب الله”، وقد أخذت التطورات الإقليمية البلد بعد اغتيال الجنرال قاسم سليماني واشتعال المواجهة الأميركية – الإيرانية إلى أولويات جديدة، هي وفق سياسي متابع مشاريع وترسيم للنفوذ في الداخل حتى بين القوى التي تعمل تحت “محور المقاومة”. الامور اليوم بالنسبة الى “حزب الله” مرتبطة مباشرة بالقرار الإيراني وكيف يبقى لبنان كما العراق منطقة نفوذ أساسية للتحكم بالقرار السياسي انطلاقاً من فائض القوة العسكرية واستمرار الإمساك بكل الاوراق التي تعني الولايات المتحدة والمجتمع الدولي. لذا بات تأليف الحكومة مرتبطاً أيضاً بالملفات التي تحدد الصراع والتأثير وتستخدم في إطار الضغط وتحسين المواقع، بما فيها ملفات تدخل ضمن نطاق القرار 1701 وترسيم الحدود والنفط والغاز، حيث تأجل بدء الحفر الاستكشافي، وإسرائيل.

بعد التطورات الاخيرة في المنطقة والمرشحة لمزيد من التوتر، بدأ “حزب الله” إعادة النظر بالمعادلة الداخلية. الوجهة الرئيسية هي فرض توازنات جديدة أكثر تماهياً مع إيران، طالما أن المعركة التي يخوضها “محور المقاومة” اليوم هي للدفاع عن الجمهورية الإسلامية وتصعيد المعركة ضد الأميركيين من سوريا الى العراق، فيما يتركز الضغط في لبنان على تأمين ظروف داخلية متماهية، لعل تشكيل الحكومة أساسي فيها لتكريس النفوذ. وبدا، وفق السياسي الخبير، أن الحزب الذي سهل بداية مطلب الرئيس المكلف تشكيل حكومة يغلب عليها أهل الاختصاص ولكن مطعمة بسياسيين خصوصاً في الوزارات السيادية، ها هو اليوم يعود إلى سياسة مختلفة تتماهى مع آليات المواجهة للأميركيين في المنطقة، وهو غير عابئ بارتداداتها على لبنان الذي يعاني حالة انهيار مالي واقتصادي، ما دامت الأولوية هي لدعم إيران. وهذه السياسة تعني بالتالي أن لا تنازلات في الداخل اللبناني في الموضوع الحكومي أساسا ثم في ملفات أخرى، بل التشدد أكثر سياسياً، وحشد كل الامكانات للمواجهة. فما الذي يبرر التصعيد مجدداً وبروز مطالب جديدة حول طبيعة الحكومة وهويتها قبل التأليف؟ علماً أن المشاورات كانت وصلت الى نقطة حاسمة باتجاه حكومة اختصاصيين يتمثل فيها الجميع بأسماء غير سياسية. وقد تماهى هذا الموقف مع عودة العهد الى التصعيد في موضوع الصلاحيات، أولا للقول إن ما حققه الرئيس ميشال عون بفرض أعراف جديدة وتقاليد أمر واقع لا يمكن التراجع عنها، ثم إفهام الرئيس المكلف حسان دياب أن من طرح اسمه يمكن أن يرفع الغطاء عنه، خصوصاً أنه لا يمثل حيثية في البيئة السنّية السياسية، وعليه أن يكون مطواعاً للوجهة التي تريد حكومة تكنو – سياسية، وان كان البعض رفع السقف وطرح حكومة سياسية أو حكومة “لمّ الشمل” اذا سارت الأمور بطريقة معاكسة واعتذر الرئيس المكلف، أو تفعيل حكومة تصريف الأعمال.

المعادلة الجديدة التي يحدد خريطتها “حزب الله”، تقوم على التحالف مع الرئيس عون و”التيار الوطني الحر”. في حين أن لدى الوزير جبران باسيل حساباته أيضاً في الحكومة، والمهم بالنسبة اليه، وفق السياسي الخبير، أن تكون له حصة كبرى في الحقائب والتأليف، وان كانت بأسماء غير سياسية. وبالتالي فإن الثلث المعطل لا يزال مطلباً يغطيه الرئيس عون المتمسك بالصلاحيات وفرضها وتخطي ما يتيحه الدستور لصلاحيات رئيس الجمهورية. وهو أمر لا يقف عند توضيح الوزير في حكومة تصريف الأعمال سليم جريصاتي الذي استند الى نص دستوري، بل في الممارسة وما أُرسي على الأرض، حيث يتصرف رئيس الجمهورية وكأنه السلطة التنفيذية مستنداً الى فائض القوة والتحالفات السياسية، علماً أن التركيز على الصلاحيات في هذا الظرف الدقيق الذي يمر به البلد يزيد حجم المشكلة، وهو أيضاً يتجاوز ما طالب به الناس في انتفاضتهم المستمرة ولا ينقذ البلد اذا كان الأمر لا يسير في اتجاه حكومة مستقلة يكون عنوانها الانقاذ ويطرح خطة انتقالية تساهم في إعادة الاستقرار.

تكرّس المعادلة نتائج تشير الى أن الرئيس المكلف لم يعد هو محور التأليف، ودوره بات هامشياً، سواء بقي مكلفاً ولم يعتذر، أو تمكن من التأليف وفق الشروط الجديدة. لكن السؤال يبقى وفق السياسي، ما إذا كان عون و”حزب الله” سيذهبان الى النهاية في حكومة اللون الواحد، أم أن الظروف تستدعي اعادة نظر حتى في الرئيس المكلف ذاته. هنا يكمن الارتباك الذي فرضته التطورات في المنطقة، إذ بقدر ما يريد “حزب الله” شحذ عناصر المواجهة للمشروع الأميركي في المنطقة، بقدر ما يريد توفير عناصر التغطية الداخلية له من كل الطوائف، وان اقتضى الامر عودة رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري، إنما بفرض توازنات يكون فيها الحزب هو الأقوى والمقرر وان في شكل غير مباشر.

سيبقى اغتيال سليماني وما تشهده الساحة العراقية من مواجهة إيرانية – أميركية، وأيضاً المأزق الداخلي الإيراني، عوامل تترك تداعيات كثيرة على الوضع اللبناني، لكن لبنان سيبقى محيّداً عن المعركة المباشرة حتى اشعار آخر، والسبب هو أن “حزب الله” صاحب القوة فيه والقادر على فرض القوة في الداخل ليس بوارد التصعيد، انما ضبط السياسة اللبنانية بالتماهي مع المشروع الإيراني، وهو موقف يجري تقديمه باسم محور المقاومة ويغطيه تحالف العهد و”حزب الله”. فإذا جرى تعليق التأليف الحكومي فهو للتماهي مع التطورات التي تحتاج الى مواكبة من حكومة سياسية أو “تكنو” مضبوطة بالسياسة، ولا تتأثر بمطالب اللبنانيين ولا بانتفاضتهم المجيدة. وهذا يعني أن الحكومة لن تبصر النور قريباً، فيما الخلاف على الحصص ما زال عقدة اساسية بين قوى اللون الواحد.

ibrahim.haidar@annahar.com.lb

twitter: @ihaidar62

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*