عودٌ إلى مؤتمرات باريس الثلاثة: كَذَب لبنان

يشبّه الرئيس فؤاد السنيورة الدولة حالياً بسيارة فولزفاكن صغيرة الحجم تجر قاطرة وراءها، في اشارة الى عجز الاجراءات الحالية عن توفير حلول للمشكلات العميقة والمتجذرة في النظام المالي والاقتصادي، والذي يعكس الحالة السياسية المتردية، وربما حالة اللادولة التي يمر بها لبنان المتصارع مع ذاته على تفسير الدستور وعلى تطبيق القوانين وعلى مواقع النفوذ، والذي دخل اخيراً في وضع مكشوف من الصراع بين اجهزته القضائية والامنية، بما تمثل هذه او تلك، من انعكاس لصراع مواقع النفوذ السياسي.

واذا كان لبنان ينتظر غداً تصنيفاً مالياً جديداً، سينعكس حكماً على علاقات العالم به، في ظل قلق دولي ترجم امس باتجاه مستثمرين الى بيع سندات لبنانية، خوفاً من عدم القدرة على بيعها لاحقاً، في ظل تخوف من عدم قدرة لبنان على سداد فوائدها في مرحلة اولى، قبل العجز عن سداد قيمتها لاحقاً، وسواء اتى التقرير سلبياً، او اعطى لبنان فرصة اضافية قبل اعلان الخفض في التصنيف كما يرجح حاكم مصرف لبنان، فان المشكلة الحقيقية ليست في التقويم الدولي، ولا في التزام مقررات مؤتمر “سيدر”، وانما في الرغبة الحقيقية في الاصلاح، وفي التزام صادق بالامر.

لا يحتاج لبنان الى تقرير يثبت حالته المرضية، وربما دخول اقتصاده حالة الموت السريري، اذ تكفي مراقبة ارقام الدين العام، وارتفاع العجز في الموازنة، وغياب النمو الذي تراجع من نحو 8 او 10 في المئة قبل عشر سنوات الى صفر او 0.5 في المئة في احسن تقدير، وتراجع التحويلات الخارجية، وعدم تمكن الدولة من بيع سندات جديدة داخلياً وخارجياً.

ولا يحتاج لبنان الى توصيات او مقررات مؤتمر “سيدر” ليتأكد له انه يحتاج اجراءات اصلاحية، فشعار معظم الكتل السياسية في زمن الانتخابات تقوم على الاصلاح، والتغيير، ومحاربة الفساد، واصلاح الكهرباء، ومكافحة التهرب الضريبي، وضبط الحدود، والى ما هنالك من اجراءات تتكرر في مداخلات النواب في الجلسات العامة، وقد وردت في توصيات ومقررات مؤتمرات سابقة في “باريس 1″ (27 شباط 2001) و”باريس 2″ ( 23 تشرين الثاني 2002) و”باريس 3” (15 كانون الثاني 2007) عندما تعهد لبنان اعتماد مجموعة من الإصلاحات الهيكلية والتدابير التي تعود على الدولة بالإيرادات كي يرتفع معدل الإيرادات إلى الناتج المحلي الإجمالي، وترشيد النفقات من خلال ضبط الإنفاق والعجز في الموازنة واعتماد الخصخصة لتحسين مستويات أداء وفعالية المؤسسات التي يمكن تخصيصها، ما يسهم في خفض خدمة الدين العام.

وتعهد لبنان خلال مؤتمر “باريس 3” تنفيذ برنامج الخصخصة لا سيما في قطاع الاتصالات من خلال تأسيس شركة تيليكوم لبنان وطرح رخصتي الخليوي للمزايدة ثم خصخصة قطاع النقل، تحديداً ما له علاقة بالمرفأ والمطار بالاضافة إلى قطاع المياه.

لكن التعهدات ظلت كلها حبراً على ورق بسبب التعطيل السياسي لها واعتبار تنفيذها يصب في مصلحة فريق دون آخر ما حال دون تحقيق شيء مما كان يمكن ان يتحقق آنذاك ويجنب البلاد ما وصلت اليه.

ghassan.hajjar@annahar.com.lb / Twitter: @ghassanhajjar

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*