الرئيسية / مقالات / عودوا إلى الغضب والشتيمة.. ثورة على التهذيب

عودوا إلى الغضب والشتيمة.. ثورة على التهذيب

هاني حسن|الثلاثاء07/01/2020
Almodon.com

كأن الثورة اليوم بركان لطيف (عباس سلمان)

في أصل المعنى للكلمة، التهذيب يقال عن الشجر من ناحية قطعه وتنقيته وإصلاحه، لكي يصبح شجراً مهذّباً يأتي بالثمار المرجوّة؛ ويقال أيضا تهذيب الهندام أي إصلاحه؛ كما ويقال في تهذيب الكتاب أي تلخيصه وحذف ما فيه من إضافات غير لازمة.. وطبعاً، يقال التهذيب بالمعنى الأكثر شيوعاً من ناحية التربية وتطهير الأخلاق.

مشاعر الفاسدين
منذ اندلاع ثورة الشارع اللبناني ليل السابع عشر من تشرين الأول، وإلى يومنا، نشهد على خطوات حثيثة في تتابعها وتتاليها لـ”تهذيب” الثورة، بكل ما آنف ذكره من المعاني، من تنقية وإصلاح وحذف وتربية، إلى حد التطويع وجعلها “ثورة أليفة” تتساكن مع المستهدف في ثورانها.

في بداياتها، انطلقت الثورة من غضب عارم مفعم بالشجاعة، في وجه كل من رأته ووجدته من الطغمة الفاسدة، أو متحالفاً معها، أو متستّرا عليها، وأعلنتها صراحة “كلّن يعني كلّن”. وانتفضت لإسقاط النظام، غير آبهة بالفراغ المهدّد به ولا ببطش حرّاس الهيكل المدافعين وبشراسة عن قياصرة الفساد وأمراء الحرب الباردة. خرجت الثورة من رحم الوجع والغضب والفرح والأمل، فخرجت خالعة عن جسدها قشور آداب القول والفعل، فشتمت ورقصت وقطعت طرقات، وافتخرت بظهورها انتفاضة شتم الفاسدين وناهبي أموال الشعب، ورقص الفرح المتحرّر من قيود المتزعمّين، وقطع الطرق في وجه ماض بائس مهترئ، أملاً بالإنطلاق نحو مستقبل يُرسم بأحرف الثورة نفسها. وخرج في وجه الثورة منذ أيامها الأولى من يهوّل عليها، ويأنّبها، ويخوّنها، ويهدّدها، ويحجّمها إلى بضعة مئات أو يعظّمها إلى عمل السفارات… أمّا هي، فمضت لا مبالية، تشتم، وتغنّي، وترقص، فتركل مرافقاً شاهراً سلاحه، وتمزّق صور أصنام السياسة اللبنانية ومشعوذيها، وتمضي قدما بخروجها عن التقاليد الخلقية الزائفة، لتقول ما لها وما عليها غير آبهة بمشاعر الفاسدين، سارقي أموال الشعب وناهبي هبات العالم.

إعلام أبوي
فكان لا بد من تهذيب للثورة، واستُجلبت وسائل شتّى نعلمها جميعاً، كوننا أبناء وبنات هذا المجتمع الأبوي الذكوري، الذي وجد لنفسه على مر العقود والقرون مهمّة تهذيبنا وتربيتنا على مذهب الإنصياع والطاعة؛ وبرأيي، فلقد سقطنا نحن بنات وبنين الثورة في فخ العودة إلى بيت الطاعة الخلقية التي تربينا فيه، حيث ترعرعنا على مبدأ “لازم تسمعوا الكلمة” المعطوف على مقولة “إن اللبيب من الإشارة يفهم”. فكانت البداية بخطب إرشادية وأخر أبوية، مرفقة ببعض الحركات التهذيبية التي لا بد منها، من ضرب وحرق وخطف واعتقال، فتلاوة فعل الندامة والإعتذار (فيديوياً على الأغلب) عن بعض ما قيل في لحظات تخلّي وانفعال. أما الأدوات التي استعملت لهذه الغاية كثيرة متكاثرة، وجلّها من ينابيع الذكورية اللبنانية: من عصي وقبضايات وشتائم (نعم، شتائم لتربية من يشتم) وشعارات وعراضات، إلى إعلام أبوي يعود ويشدد على ما هو مقبول أو مرفوض، معتذرا من المشاهدين (قاصداً الآباء السياسيين) عن أي لفظ أو تجريح خرج عبر أثير المحطة المهذّبة.

فخرج من باطنية الثورة إلى وعيها ذكريات الأب المزمجر المهمدر، المردّد دوما “قعدوا عاقلين”، والمشدّد أن كلمته لا تصبح إثنتين؛ فشعرت الثورة حينها بالذنب، وعادت إلى عقلها رويدا، وعاهدت نفسها (والأب الساكن فيها) على أن لا تشتم، ولا تقطع طرقات، ولا تخرج عن أدبيات الغضب، وأن تنأى بنفسها عن كل ما شابه.. ودأبت يوماً بعد حين على بلورة “إتيكيت” للثورة، ووضع أسس العمل المسموح والمقبول، فعاد وسمح لها الأباء أن تلعب في الشارع، شرط أن لا تلعب مع الزعران، وألّا تتصرف تصرفات خارجة عن اللياقة.

ومع مرور الأسابيع، ظن ظان أن الثورة همدت، أو خفتت، وتكلّم كثر عن إحباط  أو ما شابه. غير أنه ما من إحباط، ولا تراجع للثورة واندفاعها؛ الواقع أنها ما زالت منطلقة، وبإصرار، غير أنها ولسوء القدر قد أضحت مهذّبة. رغم الإعلان جهاراً منذ أيامها الأولى على أنها أيضا ثورة على الذكورية، يبدو أننا عدنا طوعاً إلى طاعة آباء المجتمع والسياسة وإرشاداتهم. إنه سوء قدر وتقدير، ذهب بالثورة للظن بأنه يمكنها أن تثور من دون أن تخرج عن طورها، وأن تنقلب على طبقة متحكّمة بالبلد ومفاصله من دون أن تجرح مشاعرأهلها أو أن تخدش حياء مرهفي الإحساس منهم. فكأن الثورة اليوم بركان لطيف يجهد ليثور بصوت خافت، وبأقل كمّية ممكنة من الحمم، مستبدلاً الزلزال بما تيسّر من دغدغة، رأفة بمن يسكن في ظلاله ويقتات من خيراته.

الخروج من بيت الطاعة
كيف لثورة أن تثور في وجه فساد عفن، ومن ثم تهدّئ من ثورانها احتراماً لمشاعر الفاسدين؟ كيف لها أن تصرخ طالبة باسقاط نظام الزبائنية والمحاصصة، وفي الوقت عينه تخضع لقواعد اللعبة كما يضعها لها ذاك النظام عينه؟ كيف لثورة أن تطالب بإعادة الأموال المنهوبة، متوجهة خاشعة بطلبها هذا إلى من تتهمهم بالنهب والسرقة؟ وكيف لها أن تستعيد الوطن وتعيده إلى منازل الشعب وهي تتلافى إزعاج قياصرة القصور في مضاجعهم؟

لا إحباط في الشارع اليوم، ولا انهزام، ولا تراجع… بل هنالك تهذيب فائض وزيادة عن اللزوم. الثورة ما زالت في بداياتها، والآتي أبهى وأعظم، لكن عليها وعلينا جميعا أن نعود ونخرج من بيت الطاعة الأبوية، ونعود إلى الساحات لنرقص فرحا بتحرّرنا، ونشتم كل سرّاق ونصّاب وكذّاب من الساسة ولفيفهم، ونصرخ رفضاً بوجه كل من يطلب منا أن نتهذّب و”نقعد عاقلين”؛ على الثورة أن تستعيد الثوران المتّقد في وجه الاستغلال والاستبداد، وأن تعود لتركل ذكورية كل من يهددها من حرّاس الهيكل وقياصرته.

اضف رد