عوده “يؤسّس” للاستقلال الثالث… وجبران “مطمئنّ” في عليائه

المطران الياس عوده (رينه معوّض).

في رأي المؤيّدين، كما لو أنّها شرارة ضوء أطلقها متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده في الذكرى الرابعة عشرة لاستشهاد جبران تويني. هي الذكرة نفسها المنصهرة مع العظة والمشكِّلة واياها وميض الخروج من النفق الحالك وموضحة الفارق بين الظلمة والنور. ولا يمكن التعامل مع الموقف السيادي الصاخب الذي أطلقه مطران “الثورة” بقوله إن “جماعةً تحكم البلد بقوّة السلاح” على أنه حبرٌ عابر على ورق. وتكاد تكون الحملات المساقة ضدّه، وفق المؤيّدين، الأكثر اثباتاً للوقع الذي أثاره في صفوف المعنيين به، ولوقع التبشير الرعوي باقتراب موعد قيامة “لبنان الجديد” في نفوس التوّاقين اليه.

ولعلّ موقف عوده يُقصد منه التعبير عن “الصلابة… لا الاستفزاز”، تماماً كما عبّر جبران تويني في مقالته التي حملت هذا العنوان بتاريخ 19 كانون الأوّل 2001. وكأنّ جبران اليوم من عليائه، يردّ على الحملات المساقة ضدّ عوده، فيتوجّه الى المتحاملين: “نسوق هذا الكلام انطلاقاً من تمسكنا بلبنان التعايش والعيش المشترك، بلبنان الاصيل والاصالة، بلبنان الحضارة العريقة، ناشر المعرفة ورسول النور”. وكأنه بلغة أوضح، يتحوّل بذاته حبر موقف عظة ذكراه الرابعة عشرة، مستعيداً ما كتبه في مقاله: “الشعب اللبناني دافع عن حزب الله عندما حاولت اميركا ان تتهمه بالارهاب. ولكن ليسمح لنا حزب الله بأن نقول له انه غير مسموح ان يتصرف وكأنه الدولة وكأن القرار السياسي، بل العسكري، ملك يديه، ومصير لبنان بين يديه! ولا يجوز ان تبقى الدولة مكتوفة وكأن هناك دولتين وسياستين في لبنان. هل هذا هو لبنان؟ لا وألف لا! وما نقوله يقوله ويفكّر فيه اغلب اللبنانيين، ولو سراً”.

بين كانون الأوّل 2001 وكانون الأوّل 2019، ثماني عشرة سنة مضت. يعتبر مراقبون أنّه كما كان مطلع الألفية الثالثة شرارة الاستقلال الثاني في لبنان، ها هي عظة عوده تكتب شرارة الاستقلال الثالث، وهذا ما برز جلياً في مواقف المنتفضين – المؤيدين عبر مواقع التواصل.

يُسأل الحاضرون في حضرة الكنيسة، والحاضرة ذكرى جبران في وجدانهم، عن أبعاد موقف مطران “الثورة” والأرضية التي أسّس لها. في رأي الوزير السابق بطرس حرب، تكمن أهمية الخطاب في “اعادة القائه الضوء على مكامن الخلل في البلاد وتذكير الناس بصورة أساسية بحقيقة الأمور. وهو كلام يعبّر عن رأي شريحة كبيرة من اللبنانيين، والحملة التي سيقت ضدّ المطران عوده تؤكّد صحّة موقفه. الناس على مشارف الجوع، والخطاب بذاته يذكّر بمواقف أحبار الكنيسة المسيحية الملتصقة بتاريخ لبنان وثقافته وموقعه الدولي، وهو موقف معبّر جداً عن معاناة الشعب اللبناني. وممّا لا شكّ فيه أن ما عبّر عنه سيّدنا عوده في كلامه، هو رفض وضع لبنان في الموقع الذي يحاولون وضعه فيه واخراجه من بيئته وثقافته وتاريخه وفرض هويّة تختلف عن هويّته الثقافية وتأكيداً على أن هناك لبنانيين غير موافقين على جرّ البلاد الى محاور لا يريد أن يكون فيها. ويعكس الموقف تعبيراً حقيقيّاً عن المشاعر الوطنية والواقع الثقافي والحضاري للبلاد في ظلّ محاولة اخراج لبنان من تاريخه واعطائه صبغة جديدة ليست صبغته، وعن تمسّك اللبنانيين بارثهم الفكري وإلا سقط لبنان في غياهب التاريخ”.

مواضيع ذات صلة

وفي رؤية القيادي في 14 آذار سابقاً سمير عبد الملك: “نحن أمام مرحلة تأسيسية للاستقلال الثالث الذي يكتبه الشباب والصبايا بنضالهم الحضاري، مقدّمين نموذجاً سلمياً وحديثاً مدهشاً. فالمشكلة سياسية وتكمن في السيادة المنتقصة التي فتحت المجال أمام حفلة العربدة التي نعيشها قبل أن تتحوّل نتائجها الى اجتماعية واقتصادية ومالية، على قاعدة أن التغاضي عن السلاح يقابله التغاضي عن الصفقات. بقيت المعادلة قائمة الى أن انتفى امكان ضخّ دولارات الى البلاد فكشفت اللعبة، ونحن اليوم أمام حالة شبه افلاس غير معلن. عبّر المطران عوده بلسان الناس عمّا تريد قوله باختصار في ذكرى استشهاد جبران تويني المشهود له جرأته وعدم المواربة وقد بذل حياته ثمن مواقفه. في العظة، رأيت البطريرك صفير أمامي. ولا شكّ في انها مرحلة تحوّل كبيرة عبّر عنها المطران عوده بوطنيته وصدقيته في كلمته الموجزة التي لخّصت مرحلة جديدة نحن في صدد الدخول اليها. ولا بدّ للشعب اللبناني في كليّته أن يحذو حذوه، لأجل النهوض بالبلاد وكسر منطق الاستقواء، ونحن لا نصدر فرضيات بل نعيش حالة الانهيار في ظلّ عدم القدرة على استيراد الغذاء، وما كنّا نسمعه عن المجاعة سنبدأ نعيشه بفظاعة”.

Volume 0% 

في المقابل، كيف سيتعامل “حزب الله” وجمهوره في القابل من الأيام مع ارتدادات هذا الموقف؟ ينقل أحد المقرّبين الوثيقين من “الحزب” أن قيادته “تنظر الى كلام عوده على أنه افتراء، وهو شكّل صدمة لجمهوره لأنه أتى من موقع ديني مميّز”. ويكشف أن “الحزب يشكّك بارتباطات عوده الخارجية، لذلك عبّر عن أن الموقف ليس بريئاً. وفي الحلقات الداخلية يتحدّث كوادر الحزب عن أنّه ينفّذ سياسة خارجية عدائية للبنان. ويكتفي الحزب بما حصل من ردود وعلى رأسها ردّ المطران عطاالله حنّا، وهو ينظر اليه على أنه الصوت المسيحي الصادق الذي يعبّر عن المسيحية الحقيقية، وسيتعامل مع عوده على أنه انتمى الى جهة خارجية وأنه لا يمثّل المسيحيين الحقيقيين”. ويرى “الحزب” أن موقف عوده “مستهجن وفي غير وقته وزمانه وهو يجافي الحقيقة، فلو أن الحزب هو الحاكم لكان سلّح الجيش وأغنى البلاد بالكهرباء والمال”.

بين التأييد والمعارضة، هل أطلق عوده إشارة انطلاق مرحلة جديدة في لبنان؟

Majed.boumoujahed@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*