الرئيسية / home slide / عودة «المسرح اللبناني» إلى الحياة بأي ثمن

عودة «المسرح اللبناني» إلى الحياة بأي ثمن

كثافة في العروض وإقبال من الجمهور

مشهد من مسرحية «جثة متنقلة» لشادي الهبر

بيروت: سوسن الأبطح
الأحد – 16 شهر رمضان 1443 هـ – 17 أبريل 2022 مـ رقم العدد [ 15846]
https://aawsat.com/home/article/3596126

تجاوزت مسرحية «تعارفوا» للكاتب والمخرج يحيى جابر العرض رقم أربعين. انطلقت من مسرح «دوار الشمس» في فبراير (شباط) الماضي، وانتقلت إلى «بيريت» و«كازينو لبنان» وستتابع عروضها في «مسرح المدينة» انطلاقاً من السادس من الشهر المقبل ولعدة أيام، وبعدها إلى مسارح أخرى. بالطبع لم يتوقع أحد لمسرحية «تعارفوا» التي يؤدي الأدوار فيها مهمشون وغير محترفين، يصعدون إلى الخشبة للمرة الأولى، أن تصمد كل هذه الفترة، وتبقى الصالة ممتلئة. وهي ليست المفاجأة المسرحية، الوحيدة السعيدة، بعد أن دخلت الحياة الثقافية برمتها في لبنان في السنوات الثلاث الماضية، بما يشبه السكتة.
لا داعي للتذكير بما تبع انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) من انهيارات، واختفاء الكهرباء بشكل شبه كلي، بحيث عمّ البلاد الظلام، يضاف إلى كل هذا الحجر الطويل، والضربة القاصمة مع انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب) 2020 الذي أصاب خرابه العديد من المسارح، وظن البعض أنه لا قيامة للثقافة في بيروت من بعده.
ما يحدث حالياً يبدو مدهشاً، ويدعو للتساؤل حول سرّ هذه الكثافة المسرحية المفاجئة، والإقبال المتزايد؟ فبسبب كثرة العروض، بعض المسرحيين ينتظرون دورهم للسنة المقبلة، ليتمكنوا من العثور على صالة. برنامج «مسرح المدينة» حافل، مسرح «مونو» انتهى من تقديم مسرحية «مفروكة» ويستعد لاستقبال مسرحية «ألو» للمخرج هاكوب دركوكاسيان، تمثيل أنجيلا خليل، مقتبسة عن نص جان كوكتو «الصوت البشري». «مسرح شغل بيت» يقدم مسرحية جديدة كل شهر دون انقطاع، وفرقة «زقاق» ماضية في نشاطها، و«مترو المدينة» تحول إلى ما يشبه مؤسسة.
الملاحظ أن العديد من الوجوه المسرحية المعروفة، إما في استراحة أو هي هاجرت إلى التلفزيون، أو إلى الخارج، واللائحة تطول. فقد سافرت إلى كندا الممثلة المعروفة والقديرة عايدة صبرا، وغادر إلى أميركا المنتج والمخرج جاك مارون بعد مسار مميز في لبنان، وهو الذي تعرض مسرحه «بلاك بوكس» لضرر بالغ نتيجة انفجار المرفأ. وإلى التلفزيون زحف جمع غفير من المسرحيين، مثل رفيق علي أحمد وكارول عبود، وجوليا قصار، ومحمد أبي سمرا، وبرناديت حديب، وغيرهم. ولا بد من التذكير، أن ثمة مسارح أغلقت مثل مسرح جورج خباز، الذي كان يومياً في «شاتوتريانو»، و«تياترو فردان».
النكسة كبيرة دون أدنى شك، وما نشهده حالياً، هو انبعاث جديد، يشارك فيه بعض المسرحيين المعروفين وعدد كبير من الشباب الراغبين في دخول المسرح، بعضهم بدأ العمل قبل الأزمة وهو يتابع مساره، لكن الأكيد أن ثمة جمهوراً جديداً، يواكب الجيل الشاب، من عائلاتهم وأصدقائهم والمحيطين بهم، والراغبين في الاكتشاف. أي أن هؤلاء قدموا إلى عالم الفن، وجلبوا معهم جمهورهم. علماً بأن المسرح في لبنان، حتى في زمن الازدهار كان يعاني من قلة الرواد.
برونو طبال الذي قدم كتابة وإخراجاً، وشارك في تمثيل مسرحية «كوكتيل منزلي» قبل أيام، يتحدث عن إقبال يسرّ القلب: «أعتقد أن المتفرجين يهربون إلى المسرح، حتى ولو كان مرآة لحياتهم وصعوباتها. غالبية العروض تعتمد على الكوميديا الذكية المرحة، إضافة إلى أن بطاقات المسرح لا يزال سعرها مقبولاً. وبإمكاننا أن نتصور أن الناس اشتاقت للتغيير بعد سجن الحجر الطويل». بينما يرى المخرج شادي الهبر «أن عدد المتفرجين يتناسب طردياً مع عدد الممثلين. وهؤلاء يتزايدون بفعل ورشات التدريب التي تقام، وإقبال من غير خريجي المعاهد المسرحية على التجريب ودخول المجال، مما يفتح الباب واسعاً، لعدد أكبر لدخول عالم المسرح عموماً».
للكاتب والمخرج يحيى جابر رأي آخر: «علينا أن نقرّ بأن المسرحية هي منتج، وصناعة حقيقة تحتاج تمويلاً، وتختلف عن إصدار كتاب». كان سعر البطاقة 20 دولاراً، أصبح دفع هذا المبلغ الذي يوازي 440 ألف ليرة أمراً مستحيلاً لكثيرين، فمن يدفع؟ يتساءل جابر. «ثم إن عالم المسرح مرتبط بالليل، والضوء والكهرباء، وتأمين المازوت لتشغيل المولدات، أصبح بحد ذاته محنة». يشرح جابر أن «تمويلات الجمعيات المدنية، أصبحت المحرك الأول للمسرح في لبنان». ومنها مسرحيته «تعارفوا»، التي يشتغلها بالتعاون مع جمعية «مارش»، وهذه المرة الثانية التي يتعاون فيها مع هذه الجمعية.
البعض لا يحب الحديث عن التمويل الذي هو عنصر أساسي في تحريك أي عجلة فنية. لكن جابر لا ينكر «إما أنني أمول نفسي بنفسي عن طريق بيع التذاكر، وهذه سعرها لم يعد كافياً، أو أنني أستعين بممول. وفي الوقت الحالي، أنا أرضى بذلك، حين تكون توجهاتي متوافقة مع ما تبحث عنه الجمعية التي أتعاون معها». وفي مسرحية «تعارفوا» التي يؤديها 18 شاباً وشابة من مناطق وخلفيات مختلفة في بيروت وضواحيها، التقوا للمرّة الأولى في هذا العمل الفني، يطرح موضوعات «الهوية»، و«الخوف من الآخر»، و«المفاهيم الخاطئة»، و«التنمّر»، و«العزلة» و«العنف».
وبما أن المسرحية ممولة، فهذا يسمح باستقبال الجمهور مجاناً، ويطلب إلى الحاضرين التبرع في نهاية العرض. وهو مما يشجع على الحضور. لكل مسرحي وسيلته، للخروج من المأزق، وقد تتعدد الأساليب بتعدد المخرجين. لكن تبقى الوصفة الأكثر تكراراً هي الاعتماد على تمويل الجمعيات المدنية، التي أصبحت ترى أن الأعمال الفنية، هي وسيلة ناجعة لطرح القضايا التي تدافع عنها. لكن هذه «الجمعيات المدنية» الممولة من الخارج، مهما كان وجهها جميلاً ورقيقاً، وقضاياها عادلة، مثل تحرير المرأة، أو تخفيض العنف أو الدعوة إلى السلام، لها أجنداتها الخاصة، وأولوياتها التي ليست بالضرورة أولوية المخرج أو كاتب العمل.
الملاحظ أن المسرحيين باتوا يتحدثون عن «المنتج» المسرحي كـ«سلعة» للبيع. يقول المخرج شادي الهبر الذي يصرّ على أنه أوجد مساحته الحرة ومسرحه الممول ذاتياً من خلال ورشات التدريب على التمثيل والإخراج، بأنه وجد «التوازن اللازم بين البزنس والفن». فإضافة إلى مسرحيات يقدمها شهرياً «مسرح شغل بيت»، الذي أسسه، يقول الهبر: «نحن ننتج أعمالاً للأطفال نختار موضوعها ومعالجتها بكامل حريتنا. نعرض العمل على المدارس، من خلال افتتاح ودعوات ولقاءات، ونشرح الهدف من عملنا، ومن يحب أن يقدم مسرحيتنا في مدرسته، نبيعه مسرحيتنا». ولا ينكر الهبر أنه يعرض للجمعيات المدنية الممولة من الخارج. «مسرحية قصتي قدمت أربعين عرضاً، لمدارس الأونروا وبالتعاون مع (الوورد فيغن). في هذه الحالة نحن نبيع منتجنا، لأنه يناسب تطلعاتهم». المسرحية تتحدث «عن سوء استخدام المخدرات، والاتجار غير الشرعي بها» كما جاء في الإعلان.
ويتابع المخرج شادي الهبر لـ«الشرق الأوسط»: «مؤكد أننا ننتج أعمالاً مسرحية توعوية، يكون هدفنا هو بيعها والربح. لذلك نطرح مواضيع، نعرف بأنها تناسب توجهات هذه الجمعيات. وكوني كنت مدرساً، وأعرف المجال جيداً. بالتالي أعرف ما تحبه المدارس أو ما هو (الترند) السائد».
كلمة «ترند» تتكرر كثيراً هذه الأيام، على ألسن الكتاب والمخرجين. فأي تأثير لهذه التمويلات على تغيير توجهات المسرح؟ وهل المخرجون والكتّاب أحرار فعلاً، وهم عالقون بين الحاجة إلى المال للعودة إلى مهنتهم، وإغراءات الجمعيات المولة غربياً، بأجنداتها ذات الملمس الناعم. لا يرى يحيى جابر من خلال تجربته ما يزعجه في الأمر، إذا تم التعامل معه بذكاء. «كان التعاون مع جمعية (مارش) لطيفاً ومحترفاً ويتوافق مع ما أتطلع إليه». كتب خلال الحجر الكثير من النصوص المسرحية، وكان بحاجة لاستعادة عافيته المهنية، وأن يرى جمهوره من جديد. يقول إن التعاون مع الجمعيات لا بد منه في الوقت الراهن كي نمرر المرحلة. و«لنعتبر أننا في فترة انتقالية، بينما نتمكن من الاعتماد على أنفسنا. لكن هذا لا يعني أن المسرح لا يعاني. فقد تحول في كثير من الأحيان إلى واحد من اثنين، إما مسرحاً نخبوياً متعالياً بعيداً عن الجمهور أو هو خفيف أقرب إلى (ستاند آب كوميدي). نحن بحاجة إلى الفرح، إلى المسرح الشعبي، إلى الأوبريت الذي غاب، إلى الحكواتي. بتنا نفتقد النص المحبوك، صرنا نرى نمطاً واحداً في التمثيل، ومجموعات صغيرة كل منها تقيم نشاطها الخاص بمفردها». ويتابع جابر: «الناس تريد الخروج والفرجة، والاستمتاع، ويستعجلون انتهاء العرض قبل منتصف الليل، كي يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم، قبل انقطاع الكهرباء».
المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد في كلمته التي وجهها هذه السنة بمناسبة يوم المسرح العالمي، قال واصفاً الحال: «الكوكب كله بات بمثابة (سوبر ماركت) هائل، والإنسان مجردَ زبون تقاس قيمته بقوته الشرائية لا بقوته الفكرية والإبداعية. وفي ظلّ هذا الواقع الذي يسَلَّعَ فيه كلُّ شيء،… يقف المسرح في خط المواجهة الأمامي».