الرئيسية / home slide / عهد عون: الحماسة ـ الطغيان ـ الضعف ـ النهايات

عهد عون: الحماسة ـ الطغيان ـ الضعف ـ النهايات

منذ 9 ساعات

 

وسام سعادة
القدس العربي
17092022

لبنان البلد المنكوب حدّ التلف، والمحتقن حتى النخاع، هو على مسافة أسابيع قليلة تفصله عن انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، التي زُيّن في بدايتها بأنها ستجسّد «العهد القوي» ـ المنتظر من بعد عسر وشدّة وجدب، وصار يُنسَبُ لصاحبها في نهايتها بأنه لن يترك القصر إن وصل الوضع حدّ الخروج عن «الطبيعة» في آخر يوم مشروع دستورياً له، أي آخر أيّام الشهر المقبل.
توخى «الرئيس العماد» في خطاب قسمه الدستوري قبل ست سنوات أن تكون هذه الولاية «عهدًا تتحقّق فيه نقلة نوعية في إرساء الشراكة الوطنية الفعلية في مختلف مواقع الدولة والسلطات الدستورية، وفي إطلاق نهضة اقتصادية تغيّر اتجاه المسار الانحداري، وفي السهر على سلامة القضاء والعدالة، ما من شأنه أن يمهّد السبيل إلى قيام دولة المواطنة، بعد أن يكون كل مكوّن قد اطمأن إلى يومه وغده ومصيره في لبنان».
والحال أن استذكار هذه المرامي، في خطاب القسم العوني، لوحدها كافية للحكم على التجربة بأنها أبعدت البلد أكثر من السابق، وعلى نحو مذهل ومريع ولا راد له بأي وسيلة حتى الآن، عن كل هذه الأهداف الإصلاحية المجرّدة.
والشيء الوحيد الذي يمكنه أن يخفف ـ بعض الشيء ـ من حكم السلبية التامة على هذه التجربة «العهدية» هو أنه من غير المعقول ومن غير المنصف أن تحمّل الوزر لوحدها عن هذا المسار الكارثي الذي لم ينفك يتكثف ويتسارع منذ أزمة «شح الدولار» في صيف 2019، وما تبع ذلك من بدء انهيار سعر صرف الليرة في السوق، ومن إيصاد المصارف أبوابها بوجه المودعين بالتزامن مع انطلاقة الاحتجاجات الشعبية بوجه دفعة حكومية من الضرائب المستفزة آنذاك، وما «بُهبِط عليه» مسمّى «الثورة» ليس بداعي تجذير هذه الاحتجاجات، وصقل البعد السياسي فيها بالطرح الاقتصادي ـ الاجتماعي المنسجم مع مصالح العدد الأكبر من الناس، وإنما في إطار «تقدير موقف» عبيط بعض الشيء من قبل بعض النخب المدنية، مختصره أن نخب الجمهورية الثانية وصلت الى طريق مسدود، بحيث بات بالمتسع ولوج نخب جديدة الى الساحة، ليتبين من ثم، وبسرعة شديدة أن منطق التماثل لا التعارض هو الغالب بين هذه النخبة وتلك، وأن «تجديد النخبة» في إطار الحفاظ على الثوابت الأوليغارشية نفسها، واستمرار المكابرة على ما يفترض به الوصل بين البعد السياسي والطرح الاجتماعي المتمثل لمصالح وضرورات وتطلعات العدد الأكبر من الناس، هو ما طغى على البيئات المنتسبة الى احتجاجات تشرين الواسعة آنذاك، والتي استطاعت فرض التغطية الإعلامية المكثفة لخطابها الانطباعي، غير المبني على أي تحليل ملموس للواقع، ما ساهم من ثم بإطفاء هذه الاحتجاجات وعدم تجددها بشكل يتسع لأن يقارن بها ولو بالحد الأدنى بعد ذلك، هذا على الرغم من ضراوة الانهيار، معطوفاً على الانفجار الإجرامي شبه النووي الذي أتى على مرفأ بيروت والمنطقة المحيطة به، وأحدث تدميراً هائلاً شرقي العاصمة، إذ تطايرت كالزبد وعود رئيس الجمهورية في اليوم التالي بالإسراع في التحقيق، وما زال التحقيق في الانفجار يُحاصر في مهده منذ عامين.
عدد كبير من الناس، لا سيما بين المسيحيين، انتظر منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، ذلك اليوم الذي يصبح فيه ميشال عون رئيساً. والرجل تمسّك بما يعتبره أحقية له لا قرين لها، من حيث وجوبية نيله الرئاسية، بما له من شعبية وحيثية وبقوة ما تحدث له من الهامات إنقاذية أسطورية. هل كان لعون من هدف آخر غير الرئاسة؟ أم كانت الرئاسة عنده هي بمثابة المفتاح السحري، يصل إليه فيعالج به كل المسائل تباعاً؟ لقد انتظر الرجل كل هذه الأعوام، محارباً ثم منفياً ثم عائداً ومطالباً لينال الرئاسة وهو فوق الثمانين في نهاية المطاف، لكن من أجل ماذا كل هذا العناء؟ وهل «تفرق» كثيراً إذا كانت الرئاسة عندها هي الغاية، أو هي مفتاح الغايات؟

لبنان البلد المنكوب حدّ التلف، والمحتقن حتى النخاع، هو على مسافة أسابيع قليلة تفصله عن انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون، التي زُيّن في بدايتها بأنها ستجسّد «العهد القوي» – المنتظر من بعد عسر وشدّة وجدب

بخلاف النظرة التي تطورت لاحقاً في العصر الروماني فالوسيط فالحديث، والتي ربطت «الطغيان» باللامشروعية، كأن تغصب السلطة من ملك انتقلت اليه السلطة بما يوافق قانون التوريث والتكريس في مملكته، فقد اختلفت الأمور عند الإغريق. فعند أرسطو، الحكم يكون إما لواحد، وأما لبضعة أنفار، وإما لكثرة، وكل نمط من هذه يمكن أن يظهر بحال حسنة أو بحالة سيئة حسب الغاية. فإن قدّم الحاكم الواحد مصلحة المدينة وخيرها العام وصلاحها على مصلحته وأهوائه هو كان ملكاً، وإن قدم مصلحته هو وأهواءه هو صار طاغية، وإن قدمت النخبة مصلحة المدينة كانت أرستوقراطية، أو جرت وراء مصالحها وأهوائها هي صُنّفت أوليغارشية. بمعيار أرسطو، الرجل الذي يطلب الرئاسة كهدف بذاته هو طاغية، والذي يطلبها لخير المدينة هو ملك عادل. بيد أن الغاية ليست مجرد نيّة أو ولع بالإتيان بعمل ما في منطوق أرسطاليس، ومن هذه الناحية، فإنّ الطغيان غير مرتبط عند أرسطو بالبطش بحد ذاته، ولا باللامشروعية بحد ذاتها، ولا بطول الأمد في السلطة بحد ذاته، وإنما بالمقصد التطبيقي الذي تسعى اليه، إن لم يكن باستطاعتك إظهار أن نشدان الخير العام للمدينة هو الهدف من توليك مقاليد الأمور فإنك ستكون طاغية. يمكن أن تكون طاغية ضعيفاً، ويمكن أن تكون طاغية أتيت بزخم شعبي، لكن فيصل التفريق بين الطغيان والعدل السياسي عند أرسطو هي في الغاية المحققة، ما تطلبه وما تقترب منه وأنت تطلبه.
كثيرون أقنعوا أنفسهم عبر السنين بأن وصول عون للرئاسة هو المفتاح للجمهورية الفاضلة، لينقسم هؤلاء بعد تجربة «العهد» بين من خابت انتظاراته وبين مواظب على المكابرة، بحجة أن الطاقة التغييرية التي حملها وصول عون لكرسي بعبدا حملت جميع الأعداء والحاقدين والحاسدين للتآمر عليه، ومحاولة تفشيله، وأن نجاحه في الاستمرار بالقصر الى الآن، وقد يكون نجاحه في البقاء «بعد الآن» لا نعرف كيف، هو إحباط لغيّر هؤلاء وتآمرهم.
من الصعب مع ذلك تخيل كيف يمكن لعون أن يبقى في قصر بعبدا بعد نهاية مدّته الدستورية. لكن ذلك لا يقل صعوبة عن تخيّل كيف يمكن أن ينتخب رئيس في لبنان اليوم. عون وصل بعد أن فرض معادلة تقول إن الأقوى في طائفته هو الأولى بالرئاسة، واليوم سمير جعجع هو صاحب الكتلة التي نالت التصويت المسيحي الشعبي الأعلى في الانتخابات بمايو الماضي لكن قلة من النواب من خارج كتلته يمكن أن تصوت له أو لأي مرشح قواتي، والمجلس النيابي محكوم بأكثرية ضئيلة وغير ثابتة لقوى الممانعة، الا أنه ليس سهلا كذلك الأمر أن ينحصر الهم بين جبران باسيل وسليمان فرنجية كما لو أن الرئاسة قد باتت استحقاقا في النادي الداخلي للممانعين. أما مجموعة «نواب التغيير» فقد طرحت مبادرة محكومة بعطب منطقي غير طفيف، وهي البحث عن توافق بين النواب على الاتيان برئيس غير توافقي، سلبي تجاه «حزب الله» من جهة، و«تغييري» النفحة ضد «الطبقة السياسية» ككل، هذا رغم أن تسعين بالمئة من أعضاء الهيئة الموكلة أمر انتخاب رئيس للجمهورية مصنفة بهذا المعيار من هذه «الطبقة السياسية»، ويا له من مصطلح قليل الفائدة كثير الإبهام لم يصلح الا لتسطيح القضايا.
أما التمكن من التوافق مجددا كما عام 2008 على قائد الجيش رئيساً للجمهورية فهذه شروطها اليوم تختلف، ونحن في مرحلة لا يبدو فيها أن التفاهمات ميسّرة بين العواصم حول الملف اللبناني. هذه المرة الفراغ سيأتي في عز الانهيار، وسيكون فراغ 2008 وفراغ 2014 – 2016 إزاءه زمناً بديعاً. ميشال عون كان في جانب منه وعداً انبعث من هذه الدولة المركزية الطائفية في سني شيخوختها بأنها قابلة لأن تعود إلى صباها. من الصعب التفكير بإعادة تجريب المحاولة مع أحد سواه. التجربة كافية ووافية.

كاتب من لبنان