عن نظرة واشنطن والغرب إلى ما يجري في لبنان

من تظاهرات ساحة الشهداء. (نبيل اسماعيل).

ينشغل اللبنانيون في مواكبة المشهد الداخلي الغارق في تحدياته الاقتصادية والسياسية، والمنتفض على ذاته بشيبه وشبابه في ساحات الاعتصام المزدحمة بالحشود، كما تُظهر عدسات كاميرات “الدرون” الرائجة هذه الأيام. استطلاع ما يجري في الساحات، يستدعي البحث عن الانطباعات الحقيقية التي تصورها “درونز” عواصم القرار، خصوصاً أنّ فكّ شيفرة من هذا النوع لا يزال محط ارباك وضعف في تسطير الأجوبة في ظل شحّ التصاريح والمواكبة الغربية للتطورات اللبنانية. ويصح القول أنّ الانطباعات تختلف بين دولة وأخرى، لاعتبارات عدة، منها انشغالاتها الداخلية والعامل الجغرافي ونظرتها إلى ملعب السياسة اللبنانية. تساؤلات بارزة تطغى لبنانياً: هل حقًا ثمة تدخّل غربي في المشهد اللبناني؟ وما هي حدود هذا التدخّل؟ وهل يساهم الغرب في إنقاذ لبنان وانتشاله من كبوته الاقتصادية؟ وما مدى اهتمام الولايات المتحدة -خصوصاً- ومواكبتها تطوّرات المشهد اللبناني؟

في المعلومات والانطباعات التي تنقلها مصادر “النهار” في واشنطن، لا يمكن الحديث عن اهتمام فعليّ بالتطورات اللبنانية، فالإدارة الأميركية منشغلة بقضاياها والرئيس دونالد ترامب يحتكم إلى سياسة الانسحاب من العالم. وبذلك، ما يُحكى في المجالس اللبنانية عن مخطط أميركي مرتبط بالانتفاضة اللبنانية، نظريات مبالغ فيها وأقرب إلى اعتبارها عارية من الصحة، ذلك أن الولايات المتحدة لا تأبه لما يحصل ولا تعلم بما يجري، حتى إنّها غير مهتمة للتطورات العراقية التي تعتبر أكثر أهمية من زاوية أميركية، باعتبار أنّ العراق دولة تنتج ملايين براميل النفط يومياً، والأميركيين كانوا انفقوا المليارات من الدولارات وبذلوا الجنود والجرحى في بغداد خلال سنوات مضت.

ويأتي ذلك في غياب التغطية الأميركية الإعلامية للتطورات اللبنانية والعراقية. ويترك الأميركيون مهمة مواكبة الملف اللبناني لمساعد وزير الخارجية ديفيد شينكر. ويقتصر الموقف الذي أطلقوه على ضرورة الاحتكام إلى الإصلاحات وعدم استخدام العنف مع المتظاهرين، وهو بمثابة موقف كلاسيكي أصدروه في بيان عام، في رأي المصادر نفسها. ويبقى تعويل واشنطن على إمكان حد التظاهرات من النفوذ الإيراني وهي ترحب بأي تحدٍّ في وجه “حزب الله”، ولا يعني ذلك أنّ هناك قابلية للمساعدة أو التدخل، اذ لا كلام علانية او اهتمام واقعياً كما في حقبة جورج بوش، للتدخل عبر صندوق النقد الدولي سعياً الى مساندة لبنان. وكانت الولايات المتحدة حضّت المؤسسة السياسية اللبنانية على الإصلاح قبل سنوات، لكنها لم تتلمّس أي مبادرة إصلاحية جدية. وترتبط وعود الدول المانحة بالإصلاحات، ولا يمكن صندوق النقد الدولي أن يمنح أموالاً من دون شروط إصلاحية قد تكون مؤلمة نسبة إلى بعض الفئات اللبنانية، فضلاً عن الشفافية التي لم يلمسها الأميركيون لدى الطبقة السياسية. وعليه، ترى المصادر أنّ لبنان لم يعد مهماً في معادلة المؤسسة السياسية الأميركية، وهو يختصر بمكون سياسي هو “حزب الله”.

وهل يفسر عدم الاهتمام الأميركي بالمشهد اللبناني في تسليم واشنطن بأنّ لبنان لا يمكن أن يخلع عباءة سيطرة المحور الإيراني؟ تنقل المصادر اجتهادات أميركية مختلفة في هذا الشأن، إذ ثمة مَن يقول في وزارتي الخارجية والدفاع الاميركيتين بضرورة دعم المؤسسة العسكرية اللبنانية، ما يساهم في خلق مسافة بينها وبين “حزب الله”، بانتظار أي تبدلات مستجدة في إيران، فضلاً عن دور المؤسسة العسكرية في التصدي للتنظيمات الإرهابية (داعش والنصرة). ويعتبر هؤلاء أن أحداً لا يمكن أن يتحدّى “الحزب” داخلياً، اذا ما لم تطرأ أي تغيرات كبيرة في المشهد الإيراني.

وتتقاطع المعلومات والانطباعات التي تنقلها المصادر المواكبة في واشنطن مع قراءة خبراء دوليين، الذين بدورهم يدحضون نظرية التدخل الخارجي، على رغم أنه من الطبيعي مثلاً، إرسال ذبذبات تحضّ على ضرورة تحييد “حزب الله” وإبعاده من الحكومة الجديدة وضمان عدم استغلاله الانتفاضة اللبنانية.

ويستغرب الخبير في الشؤون الأميركية سفير لبنان السابق في واشنطن رياض طبارة “عدم التحرّك الدولي الجديّ خلال الأسبوعين الأوليين والتأخر في التحرك الاقتصادي مع الوصول إلى حافة الهاوية”، لافتاً إلى أنه “كنت أتوقع سيناريو شبيهاً بالتحرك الأميركي في واقعة البساتين، إذ جالت السفيرة الأميركية على القيادات ثم أصدرت الفرمان بتوجيه من وزارة الخارجية الأميركية وحلت المشكلة خلال 24 ساعة. أما اليوم فأنا لا أعلم لماذا لم يتحركوا”. ويلفت طبارة الى أنّ “دعم الجامعتين الأميركية واليسوعية للانتفاضة هو تنفيس للاحتقان الطالبيّ وعدم الرغبة في الوقوف في وجه الانتفاضة، وهذا ما يؤدي في النهاية الى ثورة طلابهم، علماً أنّ بداية الحركة الطالبية في الشارع ظهرت في الجامعة اللبنانية”.

يختلف الاهتمام الدولي بالوضع اللبناني بين دولة وأخرى، بحسب المراقبين، إلا أنّ القلق الغربي يبرز تحديداً في الدول الأقرب جغرافياً، وتحديداً فرنسا، ذلك أن عدم استقرار الوضع اللبناني سينعكس في شتى الاتجاهات. وتتمثل المخاوف الفرنسية في تفاقم الأزمة الاقتصادية والوصول إلى مكان تصعب العودة منه، ما يزيد من تعقيدات المشهد في المنطقة، لذلك تطرأ اتصالات ومحاولات رأب الصدع بالحد الأدنى الممكن. ويصل مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية كريستوف فرنو الى لبنان الاسبوع المقبل للبحث مع المسؤولين اللبنانيين في سبل معالجة الازمة التي تمرّ بها البلاد. ويرى الخبير في الشؤون الفرنسية الدكتور نصيف حتي عبر “النهار” أن “توقيت الزيارة الفرنسية يعكس الاهتمام الفرنسي المستمر والقلق مما يحدث في لبنان، فتداعيات الانفجار الاقتصادي خطيرة جدا”، آملا في أن “تترك الزيارة الفرنسية خضّة توعوية للخروج من الصراعات السياسية الضيقة ومحاولة ترتيب البيت اللبناني الداخلي”. وعن المساهمة الدولية في الإنقاذ الاقتصادي، يقول إنّ “سيدر غير مرتبط بشخص، لكنه مرتبط بمواصفات مطمئنة، يمتلكها الرئيس سعد الحريري على قاعدة الثقة والعلاقات مع المجتمع الدولي”، لافتاً الى أنّ “مرحلة مساعدات باريس 1 و2 و3 انتهت، حيث كان الغرب مرتاحاً آنذاك في ظل عاطفة شيراكية، أما اليوم فوضع أوروبا الاقتصادي مختلف، والمطلوب إصلاحات هيكلية جدية، بحسب معايير إنقاذية معينة مترافقة مع مواكبة تنفيذية”.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*