عن لبنان الازدهار ولبنان الانهيار! أين كنا، أين أصبحنا، وكيف؟

كنا في زمن لبنان الجميل، بل كان الزمن متجمّلاً بلبنان الذي قَصَده كل المبدعين في كل البلدان، ليغرفوا منه إلهامات لا تتوافر إلا في ظلال جماله في كل الحقول.

وكنا في ازدهار لم تعرف مثله أجيال متتالية، وبلدان في أعرق ما أبدع التاريخ. مع التنعُّم، والسعادة، والطمأنينة، وذاك الفرح الذي نفترشه ليلاً ونناغشه نهاراً. ولفترة طويلة، حسبناها ستدوم، وتمتدُّ، وتغدق على لبنان المزيد من الأمان والاستقرار والانبهار.

الى أن تمكَّنت اسرائيل وحلفاؤها من تدمير ذاك الحلم، وعَبْر حروب مدبَّرة وموقَّعة، قادها قايين وهابيل بنجاح وتفوّق لم يترك حجراً فوق آخر. هكذا وصلنا الى هنا، الى اليوم الذي بتنا فيه جميعنا قيد أنملة من الانهيار الذي ما بعده أمل أو رجاء…

هكذا تحوَّل الازدهار الى ذبول واندثار، والى ما يشبه الأشلاء، وبفضل عهود، ورجالاتٍ، وقوم انصرفوا جميعهم الى ملاحقة دُرَّة البقرة الحلوب حتى جفَّت. حتى وصل لبنان الى حدود السقوط. وعلى رغم ذلك لا تزال عين بعضهم على دُرَّة البقرة.

كما لو كنا في حلم طويل يشبه بمفاجآته ألف ليلة وليلة. الى أن أصبحنا لا نحلم الا بالهزات، والخضّات، والتهديدات، والتوعُّدات، وتعطيل فصول الاصطياف والسياحة، فلم يبق لزائر سبيلٌ أو مجالٌ، سواء أكان عربياً أم أجنبياً. فوراً تندفع النيران حول المطار، وتُقطع الطرق، وتُرسل التهديدات عَبْر الخطب النارية واللافتات المعبِّرة”.

كان من الطبيعي والبديهي أن يبدأ ذبول لبنان ذاك، ولنكتشف فجأة أننا أمسينا في لبنان ممنوع من الصرف، ومن كلِّ ما كان يدرُّ عليه وعلى مجمل الشعوب اللبنانية بالخيرات.

قيل فينا الكثير، حول الاستهتار، والأنانيّات، وتقديم الوطن الصغير هديَّة لمطامع هذه الدولة أو تلك. ناس شهروا الشماتة، وآخرون شعروا بالحزن حين تيقَّنوا أن لا عودة لذاك اللبنان. ولم يتردّدوا في تحميل المعنيين بكاملهم مسؤولية النهب والسلب والاستباحة.

وَيْحَكُم، كيف ضيَّعتم ذاك اللبنان الذي لا مثيل له، ولا يعوَّض؟

لقد ضيَّعته الأطماع، والشهوات المفتوحة، والمخطَّطات الملغومة، فضلاً عن ذاك التسيُّب الذي شمل كل شيء: من الأنهر الى رؤوس الجبال، الى الينابيع، والسهول والأودية.

ما علينا، فلندع الأزمنة جانباً، ولنتطلَّع الى الواقع الأليم والواقف على شوار. فالسفير الفرنسي، الذي يتفتت ألماً وزعلاً على حال لبنان اليوم، يرى أن الوضع برمته مقلقٌ جداً. ومتدهور أيضاً. الا أنه لم يصل بعد الى مستوى ما أصاب اليونان، وما تبعه. وقد لا يصل اذا ما نُفِّذت الاجراءات والقرارات التي تشكّل حاجزاً وسدّاً مانعاً.

لكن طريق الانزلاق الى مرحلة أخطر ليست مقفلة. هناك كارثة فادحة. والرئيس سعد الحريري صارح اللبنانيين بواقع الحال، والواقع الاقتصادي بصورة خاصة: لبنان ليس في وضع انهياري، ولكن ان لم نتخذ الاجراءات اللازمة سنصل الى كارثة حقيقيّة. واذا لم نتخذ قرارات تقشفيَّة حقيقيّة، ونقوم بخطوات أساسيّة سنصل الى مكان لا تحمد عقباه.

الأبواب ليست مغلقة، لكن الواقع لا يعد بشيء ما لم تتخذ كل الاجراءات الواجبة، وفي رأسها التقشّف وتنظيف الدولة من الفاسدين واسترجاع الملايين التي ليست لهم.

elias.dairy@annahar.com.lb

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*