عن غرق الباخرة”شامبليون” ورضوان البلطجي الذي أنقذ ركابها

محمد حجيري|الأحد23/02/2020
Almodon.com

السفينة الغريقة

من الأمور اللافتة في صفحات الفايسبوك التي تهتم بالذاكرة وأنتيكا الزمن، أن جنوح الباخرة الفرنسية الشهيرة شامبليون إلى شاطئ الاوزاعي عام 1952 التي راح ضحيتها الكثير من ركابها غرقاً أو اختناقاً برائحة النفط، مرة يوضع في خانة “تراث بيروت”، ومرات في تيمة “النوستالجيا”… ولهذه الباخرة قصتها، وهي أشبه بفيلم سينمائي وثائقي ودرامي، لم يصور أو رواية لم تكتب، بطلها رضوان البلطجي الذي أنقذ 150 راكباً، وشقيقه صلاح الذي انقذ 60 راكباً.الأرجح أن الذي تصنفه الصفحات الفايسبوكية في خانة “التراث” و”النوستالجيا” ليس جنوح السفينة المأساوي، بل فعل انقاذ الركاب، في إشارة إلى زمن “النخوة” والقبضنة في الماضي البيروتي واللبناني، فما فعله رضوان البلطجي(1) وشقيقه يعتبر بطولة في زمن قيل إن امكانيات الدولة اللبنانية كانت ضئيلة… والسفينة بحسب تحقيق مختصر نشرته مجلة “باري ماتش” الفرنسية(2) انطلقت عام 1924، وكانت من أكبر البواخر التي تجوب البحر المتوسط، سبق لها أن زارت الميناء البيروتي مرات عدة. ركابها 328 من الحجاج المسيحيين أمضوا عيد الميلاد في الأراضي المقدسة، وكانوا يستعدون للنزول في ميناء بيروت. وفي صبيحة 23 كانون الثاني 1952، “وسط ارتفاع الامواج كالجبال الشاهقة ظن قبطان الشامبليون ان ضوء المطار هو ضوء المنارة فجنحت الباخرة الى شاطئ الاوزاعي وتعرض ركابها للغرق لو لم يجدوا من ينقذهم”(الروائي السوري حليم بركات – “المدينة الملونة”)، لم تكن السفينة الضخمة على الشط مباشرة كما يبدو في الصور المنتشرة، فهي كانت على بعد 400 متر منه، وجنحت في مكان يفتقر الى العمق الكافي لحمل باخرة من اكبر البواخر في عصرها، كانت العاصفة تزداد قوة، والركاب “رموا بأنفسهم في الزوايا الآمنة. ولكن الخطر كان داهما عليهم: فقد تسرّب الفيول من هيكل السفينة المثقوب، لأن البحارة قاموا بتفريغ الخزانات منعاً لاشتعالها. والنتيجة إن أحد عشر بحاراً وأربعة ركاب ماتوا اختناقاً من تنشقهم للفيول. حتى أن القبطان أمر الجميع بالبقاء على سطح السفينة” وبحسب ما تنقل “باري ماتش”، فيما كان هيكلها ينكسر الى نصفين. العديدون يصلّون. سبع نساء من بين الركاب رمين أنفسهن في البحر وسبحن في المياه القارسة، حتى الشاطئ. وبذلك أنقذن حياتهن. على الشاطئ رجل يقف بمفرده، انه مستشار السفارة الفرنسية. هنا أمضى أسوأ ليلة في حياته. فابنه كريستيان من بين ركاب السفينة. الصبي تبع النساء، فغطس في المياه ووصل الى الشاطئ، لونه أسود من المازوت، لكنه نجا. أما زوجة المستشار وابنته، فقد أنقذهما رضوان وصلاح بلطجي. بعض الصور التقطها الأب لوشا وهو كاهن جاء لإنقاذ بنات أخته اللواتي كنّ أيضاً من بين الركاب. أما القبطان الذي كان على وشك التقاعد عن العمل، بعد خمسة وثلاثين عاماً أمضاها في البحر، فقد نجا هو الآخر”.

من دون الأخوين بلطجي، كانت ستتحول الحادثة الى كارثة. فمن هو رضوان البلطجي؟ من أين أتى هو وشقيقه؟

يقول الروائي حليم بركات وهو يسرد فضل آل البلطجي في انقاذه من الغرق ذات يوم في محلة رأس بيروت “في يوم ليس كغيره من الأيام، أظلمت الدينا فجأة وهبت عواصف وتساقط مطر غزير وارتفعت أموال البحر إلى ما فوق حائط الكورنيش وانقصفت أغصان الشجر فبدت كأمٍ فقدت أطفالها. في تلك الظروف خرجنا، صديقي راشد وعادل وأنا، نراقب ما حدث. كان راشد يحمل كاميرا جديدة، وقد بدأ يُولع بفنّ التصوير، وتخوفنا عليه حين اقترب من الأمواج كي يتخذ لها صورة من داخلها. لم يحفل بتحذيراتنا بل ازداد تهوراً فسكتنا وراقبناه بجزع من بعيد دون أن ندري أن حدثاً آخر بدأ يزلزل المدينة قاطبة وخرج منه رضوان ابراهيم البلطجي بطلاً منقطع النظير. ملأت صوره الصحف وأصبح حديث الناس. قيل إنه في الخمسين من عمره ومن مواليد محلة الزيتونة التي تحوّلت الى مركز للمقاهي والمطاعم والفنادق والنوادي الليلية في بيروت. وان أصل عائلته من مدينة صيدا حيث كان جده مرشدا للمراكب الشراعية وانتقلت هذه الوظيفة في العائلة من الجد الى الأبناء والاحفاد في بيروت وطرابلس. وبمرور الوقت، عرفوا اعماق البحر وتياراته ومخاطره كما لم يعرفها احد من قبل، وارشدوا السفن التائهة مرافئها ببراعة منقطعة النظير. كان رضوان البلطجي المنقذ، فما أن سمع الخبر حتى ركب زورقه وتوجه الى حيث تشرف الشامبليون على الغرق وباشر عملية انقاذ الركاب بعد ان فشلت مختلف المحاولات السابقة قيل له أنه ليس من الممكن الاقتراب من السفينة المهددة بالغرق هي وجميع ركابها، فعمل حساباته ودرس تحركات الأمواج واقترب”(المدينة الملونة)... 

شامبوليون قبالة الاوزاعي وهي كانت تبعد 400 متر عن الشط

أنقذ البلطجي من أنقذ وغرق من غرق… وفي اليوم التالي حضرت أفواج المتفرجين من اهالي بيروت ليكتشفوا ان شامبليون انشطرت الى شطرين. بات جنوح السفينة علامة من علامات الزمن، تؤرخ لمرحلة من مراحل الجمهورية اللبنانية. وهناك روايات شعبوية عن الباخرة منها أنها حين غرقت أعلن أصحابها أمام الناس أن ليرة ذهبية ستكون من نصيب كل من يعثر على ناجين، أو شيء مهم من الحطام. تداعى الناس من الضواحي إلى المنطقة المذكورة، نصبوا خياماً طمعاً بالذهب، فبقوا هناك أياماً لهذه الغاية، وتقول الرواية إن الخيم سرعان ما تحولت عشوائيات(الاوزاعي) مع الأيام. وثمة رواية اخرى تقول إن الباخرة كانت تحمل في بطنها سبائك ذهب وفرنكات فضة فرنسية. تسابق الناس بحثاً عن الغنيمة أو الكنز المنتظر على الشط.

وحضرت الباخرة الغريقة في أروقة مجلس النواب اللبناني واستعراضاته الشعبوية، فمن ضمن صفحات مجلس النواب  المنشورة على مواقع الانترنت صفحة تحت بند الدور التشريعي السابع، العقد العادي الثاني لسنة 1952 – محضر الجلسة التاسعة عشرة. الموضوع المبحوث-1952: “فتح اعتمادات لمساعدة المشتركين في عمليات إنقاذ ركاب الباخرة شامبليون”، وأقرّ بالمرسوم رقم 821 والقاضي بفتح اعتمادات قدرها 50 ألف ليرة لمساعدة المشتركين في عمليات إنقاذ ركاب الباخرة شامبليون.  ومن العبارات الرنانة بمناسبة جنوح شامبليون إلى الشاطىء اللبناني “تعذر إيجاد وسائل لإنقاذ ركابها فأظهر بعض الأفراد من اللبنانيين شجاعة وتضحية وجازفوا بحياتهم لتحقيق هذا العمل الذي تم على أكمل وجه”. وقد رأت الحكومة منح مساعدات مالية لكل من اشترك في عمليات الإنقاذ وخصوصاً للجرحى وهي تتقدم بمشروع القانون المربوط نظراً لعدم وجود اعتمادات كافية حالياً في الموازنة. وقال النائب أنور الخطيب في الجلسة النيابية “كنت أحبّ أن أتكلم بصفة الاستعجال المكرر ولكن لما رأيت من بعض النواب رغبة الاستعجال سكت. أما الآن فأقول “إن هؤلاء البحارة بيضوا وجه لبنان وقد أثبتوا أن اللبناني عريق في بحريته وبطولته وبرهنوا أنهم عند الشدائد يقومون بما لا يقوم به أسطول انكلترا وأكبر من أسطول انكلترا”. و”أرجو المجلس أن يصدق هذا الاعتماد وأرجو الحكومة أن تسرع في توزيع المكافأة ليشعر هؤلاء أن البلاد تقدر عملهم حق قدره”. 
وقال النائب فؤاد الخوري “إن اللبنانيين الذين قاموا بعملية الإنقاذ سجلوا للبنان أسطراً مجيدة في صفحات الشجاعة وكان لهذه الأعمال رنة استحسان وصدى طيب في جميع أنحاء العالم نعتز بهما”. وقال النائب رشيد بيضون إن هذا الاعتماد الضئيل لا يتناسب مع الأعمال التي قامت بها فئة طيبة صالحة من اللبنانيين إذ غامروا بأنفسهم ورموا بها في التهلكة لإنقاذ الآخرين.(..) فإذا كانت الحكومة تنوي دفع هذه التعويضات فإني أرى بأن مبلغ الخمسين ألف ليرة المطلوب لهذا الاعتماد غير كاف وقليل جداً بالنسبة للتضحيات التي قام بها شبابنا الميامين، وأصر على وجوب التعويض على أصحاب الزوارق التي تحطمت أثناء عملية الإنقاذ، وأن يمنح أبناء البلطجي ورفاقه بعض الأوسمة”.

والآن، بعد ما يقارب السبعين عاماً على جنوح الباخرة إلى شاطئ الأوزاعي، لا تزال الجمهورية اللبنانية تعتمد عبارة “تعذر إيجاد وسائل لإنقاذ”…، من الكهرباء إلى الأزمة النقدية وقبلها الحرائق والأمطار، وربما وباء الكورونا… (1) كلمة بلطجي التي تحمل الآن معنى الشتيمة، وخاصة في السياسة والشوارع، لها معاني مختلفة في الزمان الغابر، فهي عائلة بحسب بعض السرديات، من ذوات القوم أصلها من صيدا ثم توزعت إلى إطرابلس وبيروت ويافا…الخ وأشهرهم رضوان الذي انقذ بحارة الباخرة، وكلمة البلطجي في الاصل مهنة عامل البلطة (الفأس) كما يقال لعامل القهوة قهوجي… 
(2)نشر التحقيق في 23 كانون الثاني 2013، وترجم في ملحق نوافذ(جريدة المستقبل). 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*