الرئيسية / أبحاث / عن عروبة أسعد داغر

عن عروبة أسعد داغر

خالد زيادة|الإثنين04/05/2020
Almodon.com

(*) ينتمي كتاب أسعد داغر إلى مجموعة كبيرة من الأعمال والمؤلفات، التي تتراوح بين المذكرات الشخصية والدراسات التاريخية. وكما في جميع المذكرات، فإن المؤلف كتبها بعد مرور وقت طويل على وقوع الحوادث التي ذكرها، ألا أنه بدا لنا من خلال التحقيق أنه احتفظ بملاحظات ووثائق ومراسلات استخدمها في صوغ المذكرات. وتشاء المصادفات أن يكملها قبيل وفاته العام 1958. وصدر الكتاب، مطلع العام 1959 عن دار القاهرة للطباعة، قبل أن يكمل المقدمة التي أراد أن يضمنها ذكر المعطيات الرئيسة التي كان شاهدًا عليها، ورؤيته لتطور الحركة العربية خلال نصف قرن.
يقول أسعد داغر في الصفحة الأولى إنه كتب المقدمة مرات عديدة، وفي جميع المرات كان يكتب تقديمًا للقضية العربية التي يقول فيها: “إن تفكيري كله كان وقفًا على هذه القضية التي بدأ ظهورها مع فجر حياتي”.

في مذكراته، يحدثنا أسعد داغر، عن سنواته المبكرة التي اكتشف خلالها انتماءه العربي، كما يحدثنا عن تطور وعيه بالقضية العربية من خلال مراحل حياته في لبنان ثم في اسطنبول ثم في القاهرة وبعدها في دمشق، ثم تنقّله بين عمان وبغداد وبعض عواصم أوروبا. ومن خلال مسار حياته، نكتشف أننا إزاء شخصية نذرت حياتها لهذه القضية من دون أن يكون لديه مطمع في منصب أو نفوذ أو مجد شخصي؛ إذ كان واحدًا من أولئك الذين تكوّنت شخصياتهم وأفكارهم من خلال متابعتهم ومشاركتهم في الحوادث التي تطورت خلالها العروبة من فكرة إلى ثورة إلى حكومة، وكانت العقيدة التي بُنيت عليها الدول الوطنية التي نشأت بعد العام 1920.

ينتمي داغر إلى الجيل الذي نذر شبابه في سبيل الفكرة العربية. فكان من بين أبناء هذا الجيل من قضى على أعواد المشانق في ساحات القتال، وتسنى لبعضهم الآخر أن يضطلع بالمسؤوليات، فكان إداريًا أو سفيراً أو وزيراً أو رئيساً أو قائدًا عسكريًا، من الذين يصفهم بأنهم “النخبة الممتازة التي تولت قيادة الأمة في أعظم مرحلة من مراحل حياتها”. ويقول فيهم: “كانوا يعرفون أنفسهم معرفة تامة، ويبحثون دائماً عن أفضلهم وأشجعهم ليسيروا وراءه (…) اندمجت أشخاصهم بمبادئهم وتجسّدت هذه المبادئ بأشخاصهم وأحزابهم، كانوا ُيعدّون بالألوف سواء في ذلك رجال الفكر أو رجال السيف”.

إذ نتحدث عن أسعد داغر وجيله، يجدر بنا القول إننا نتحدث عن مئات الأشخاص (الآلاف بحسب تعبيره) الذين يشتركون في تكوين مشترك وتجارب واحدة، وهم متقاربون في العمر؛ فالأغلبية العظمى منهم من مواليد العقد التاسع من القرن التاسع عشر(1890-1881)، جاءوا من مناطق مختلفة: من الحجاز وفلسطين وسورية ولبنان والعراق، وينتمون إلى أديان وطوائف مختلفة، بينهم ابن المدينة وابن الريف وابن العشيرة. ومع ذلك، شكلوا فريقًا متجانساً. كانوا أبناء حقبة واحدة، وبدأ وعيهم حين كان السلطان عبد الحميد الثاني لا يزال يحكم الدولة العثمانية، وكانت المعارضة لحكمه تتوسع، وأغلب هذه النخب كما يسميها أسعد داغر درست في اسطنبول، شهدت الانقلاب الدستوري في العام 1908 أو آثاره في السنوات القليلة التالية.

كان معظم أبناء هذا الجيل في بدايات القرن العشرين طالبًا، أما التعليم الذي تلقوه في المدرسة العسكرية أو مدرسة الحقوق أو كلية الطب، فكان علمًا حديثًا مأخوذًا من البرامج الأوروبية، وكان أساتذتهم من الأوروبيين أو العثمانيين متأثرين بالفكر الوضعي، كما كان قادة الأحزاب المعارضة مثل “تركيا الفتاة” و”الاتحاد والترقي” مأخوذين بأفكار أوغست كونت الفيلسوف الاجتماعي الفرنسي.

أولئك الذين درسوا في باريس الطب أو الحقوق أدركوا الحقبة التي تبنت فيها فرنسا العلمانية في العام 1905. كانت الفكرة الدستورية هي التي نشأ عليها هذا الجيل من أبناء العرب، ولهذا كان الاحتفال بالانقالب الدستوري عظيمًا وشاملا جميع الفئات الاجتماعية التي كانت تنتظر تغييرًا ينهض بالبالد ويضعها على طريق الحرية والتقدّم.

إلا أن الانقلاب الدستوري بصفته حدثًا محوريًا شبهه معاصروه بالثورة الفرنسية الكبرى(1)، خصوصًا لإطالقه حرية القول والصحافة والجمعيات، أطلق أيضًا كل النوازع الأثنية – القومية التي كانت هي الأخرى تنهض في أوروبا التي تكرست فيها الدولة القومية، خصوصًا بعد الوحدة الإيطالية والوحدة الألمانية.

كان الانقلاب الدستوري هو السبب الذي دفع أسعد داغر إلى اختيار اسطنبول بدلاً من باريس لدراسة الحقوق. وحين وصلها في مطلع العام 1909، كانت تضج بالحوادث والنقاشات السياسية، وشاءت الظروف أن يمضي فيها خمس سنوات، انخرط خلالها في البيئة العربية المتحلقة حول عزيز علي المصري في “جمعية العهد” التي ضمّت بعض مئات من الضباط العرب، كما كان على صلة بالمنتدى الأدبي والشخصية الأبرز فيه، أي عبد الكريم الخليل.

كانت السنوات الخمس الحافلة بالحوادث تشهد على انفكاك العرب عن الأتراك بعدما أظهر قادة “الاتحاد والترقي” ميولهم القومية المعادية للعرب، الأمر الذي أدى إلى تأكيد العرب على هويتهم العربية. وفي هذه الأثناء، عقد المؤتمر العربي الأول في باريس في العام 1913(2)، وأعلن مطالب العرب في الاستقلال الذاتي وتأكيد الهوية العربية من دون الانفصال عن الدولة العثمانية. لكن هذا المؤتمر كان سببًا إضافيًا لاتساع الشرخ بين العرب والأتراك، خصوصًا من جانب “جمعية الاتحاد والترقي” التي صار قادتها أصحاب النفوذ في السلطة داخل الدولة والحكومة العثمانية، فأخذوا بالتضييق على الناشطين العرب في اسطنبول. واختار أسعد داغر المغادرة إلى مصر تفاديًا للاعتقال قبيل نشوب الحرب العالمية الأولى مباشرة، التي باعدت بين أولئك الذين ضمّهم النشاط السياسي المشترك في اسطنبول. وقد أمضى أسعد داغر نحو خمسة أعوام في القاهرة مارس خلالها مهنة الصحافة.

شارك داغر في نشاطات العرب المنفيين أو المقيمين في مصر، متابعًا حوادث الثورة العربية. وما إن دخلت قوات الجيش العربي إلى دمشق، حتى قرر الالتحاق برفاقه القدامى الذين ساهموا مع الأمير فيصل بن الحسين في تأسيس أول حكومة عربية(3) في العصر الحديث.

يقول أسعد داغر عن دمشق التي وصلها من مصر في مطلع العام 1919: “فلا غرو فقد ضمت دمشق في تلك الأشهر الخالدة من تاريخ سوريا رجالات الأمة العربية وخيرة شبابها ومفكريها من جميع الأقطار، وأصبحت كعبة لكل وطني عربي(…). “وكانت دمشق في حياتها الاستقلالية القصيرة دماغ الأمة العربية وقلبها النابض ويدها العاملة ومصدر النور الذي تستضيء به في طريقها إلى الحرية والحياة (4)“. فقد وفد إليها العراقيون الذين شاركوا في الثورة العربية، وجاء إليها رجالات سورية الداخلية وسورية الغربية ولبنان وسورية الجنوبية أي فلسطين، وعاد إليها المنفيون من مصر وأولئك الذين تأخروا في اسطنبول.

كان حلم هؤلاء إقامة المملكة العربية، إلا أن هذا الهدف أعاقت تحقيقه الخلافات الداخلية والمخططات الغربية، فارتضى المؤتمر السوري إعلان المملكة السورية وانتخاب فيصل ملكًا. ولم تمض سوى أربعة أشهر حتى وقعت معركة ميسلون(5) ودخل الجيش الفرنسي إلى دمشق، فانفضّ هذا الحشد من العروبيين الذين جعلوا من دمشق مدة عامين قلب العروبة النابض، وعاد العراقيون إلى العراق خصوصًا أن الثورة اندلعت هناك ضد الاحتلال الإنكليزي. ورجع الفلسطينيون إلى بلادهم ليجابهوا الاستيطان اليهودي والاستعمار الإنكليزي. وفرّ السوريون إلى شرق الأردن، وبعضهم إلى مصر، ورجع اللبنانيون إلى لبنان أو تفرّقوا بين شرق الأردن ومصر، وعاد أسعد داغر إلى مصر التي جاء منها.

كانت العروبة هي الفكرة والقضية التي جمعت هؤلاء الذين توافدوا إلى دمشق وانضووا تحت قيادة الحكومة العربية. وكانت الفكرة العربية حتى ذلك الوقت قد عرفت تطورًا خلال ما يزيد على نصف قرن من الزمن، من خلال تعدد الروافد. وتمثل الرافد الأولى باللغويين اللبنانيين من أمثال بطرس البستاني وناصيف اليازجي وأحمد فارس الشدياق ويوسف الأسير الذين عكفوا على ترجمة الكتاب المقدس إلى العربية، وصاغوا عربية حديثة تستوعب المصطلحات القانونية والعلمية والفكرية بناءً على معاجم اللغة الكلاسيكية. وازدهرت هذه العربية على أيدي الشعراء اللبنانيين، خصوصًا الموارنة، وعلى أيدي مؤسسي الصحف الذين وضعوا هذه الفصحى المحدثة مجال اختبار في مقالاتهم التي يحررونها وينشرونها في صحفهم. وكانت العودة إلى العربية الفصحى تعني التمايز عن الأتراك وسائر الأقوام، وكذلك العودة إلى ماضٍ سابق للإسلام بامتداح المثل العربية كالكرم والشجاعة، ونُظمت القصائد على غرار المعلقات. في تلك الفترة، ساهمت الاكتشافات الأثرية والمؤلفات التاريخية الاستشرافية في تمجيد الحقبات القديمة كبابل في العراق وتدمر في سورية وفينيقيا في لبنان، فضًال عن اكتشاف تراث الفراعنة في مصر. أما الرافد الثاني فتمثل بالإصلاحية الإسلامية وأفكار رائدها الإمام محمد عبده؛ فإضافةً إلى تحقيقه بعض أمهات التراث العربي مثل أسرار البالغة للجرجاني ونهج البلاغة للإمام علي بن أبي طالب، كان الإمام محمد عبده يرى أن تقهقر الحضارة الاسلامية أتى على أيدي غير العرب. أما عبد الرحمن الكواكبي الذي اشتهر بنقد الاستبداد، فدعا في كتابه أم القرى إلى اجتماع علماء المسلمين من جميع الأقطار في مكة المكرمة، ما يعيد الاعتبار إلى دور العرب في انبعاث الإسلام وتاريخه.

أما السيد رشيد رضا فأيّد الثورة العربية عند اندلاعها، وكان نائبًا في المؤتمر السوري ورئيسًا له لفترة وجيزة. والواقع أن تأثير الإمام عبده من خلال تلامذته في المشرق والمغرب كان كبيرًا، وكان أثره في نهوض الشعور الوطني بارزًا. وتعززت العروبة برافد ثالث مثّله الطلبة الذين عاشوا في الفترة التي برز فيها النشاط السياسي تحت شعار “عودة الدستور”، وأفادوا من انتشار التعليم الإرسالي والوطني والرسمي الذي ازدهر في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر. وكان أغلبهم شهودًا على الانقلاب الدستوري في العام 1908، أو شهودًا على آثاره والتطورات المتسارعة التي باعدت بين العرب والترك. ويعبر تأسيس “العربية الفتاة” عن ردّ فعل على جمعية “تركيا الفتاة” و”الاتحاد والترقي” وعلى تأثر الجمعيتين بالمنحى العلماني.

يمكن القول إن العروبة التي مثلتها الحكومة العربية في دمشق هي حصيلة هذه الروافد أو التيارات الثالث [الثالثة]؛ اللغوية والإصلاحية والدستورية العلمانية. وهذه العروبة التي أصبحت عقيدة عروبيي المشرق لم تستطع أن تحافظ على مشروعها في بناء دولة عربية في الجزء الآسيوي من العالم العربي، إزاء التطورات المتسارعة المتمثلة بالضغوط الغربية التي مارسها الحلفاء من فرنسيين وإنكليز، والذين رأوا أن المنطقة تتسع لعدد من الحكومات والدول. بل إن الحكومة العربية في دمشق أذعنت للمؤتمر الذي أعلن سورية مملكة، متخليًا عن العراق والحجاز. من ناحية أخرى، كانت أجزاء من هذه المملكة تقع عمليًا خارج سلطة حكومة دمشق، فكان هناك لبنانيون يفاوضون على إقامة دولة ارتسمت معالمها بعد الاحتلال الفرنسي لدمشق، في الوقت نفسه الذي قامت فيه الثورة في العراق ضد القوات الإنكليزية، فكانت ثورة العشرين أساسًا لنشوء الوطنية العراقية، بعدما أُرغم العراقيون على مغادرة دمشق إلى بلادهم. كما أن أخبار الاستيطان اليهودي عجلت في عودة الفلسطينيين إلى بلادهم.

ففي الوقت الذي كانت تتبلور فيه فكرة عربية جامعة، كانت الوقائع تدفع إلى بروز الوطنيات العراقية والفلسطينية والسورية واللبنانية.لكن الفكرة العربية لم تمت أو تتلاشَ، بل على العكس من ذلك، فالوطنيات الناشئة لم تستطع أن تتخطى العروبة الجامعة. فأولئك الذين اكتسبوا وعيهم العروبي مبكرًا وشاركوا في الثورة أو انضموا إلى الحكومة العربية في دمشق كانوا هم أنفسهم بناة الدولة الوطنية في سوريا والعراق وشرق الأردن، كما شارك بعضهم في صوغ الميثاق الوطني اللبناني في ما بعد. 

لم تضعف الفكرة العربية، بل على العكس من ذلك، فإن تقسيم المشرق العربي إلى دول بناء على معاهدة سايكس – بيكو، والوعد الإنكليزي بإقامة وطن يهودي في فلسطين، عززا فكرة العروبة ُببعد النضال ضد الاستعمار؛ إذ إن المعاهدة والوعد جعال العروبة عقيدة معادية للاستعمار.ُ يُضاف إلى ذلك أن معركة ميسلون أصبحت رمزًا مبكرًا للمعركة ضد الاستعمار الذي يعمل على تكريس التقسيم ومناهضة الوحدة العربية.

كان أسعد داغر الذي غادر دمشق بعد معركة ميسلون عائدًا إلى القاهرة التي أتى منها، ممتلئًا بفكرة العروبة والقضية العربية بعد تجربته الدمشقية التي جعلته على صلة بجميع أولئك الذين سيقودون الحقًا العراق وسورية والأردن. وكانت الأفكار التي تشغله تتوزع على أربعة نقاط: إيجاد الدولة التي يمكنها أن تكون قاطرة العمل العربي والقاعدة التي تنطلق منها مسيرة الوحدة العربية؛ والعمل على ضم مصر إلى الفكرة العربية؛ وتكوين نواة تكون أساسًا للدعوة العربية؛ وإيجاد الزعيم الذي تلتف حوله الأمة.

كان انتقال فيصل إلى عرش العراق قد أعاد الأمل إلى أولئك الذين يبحثون عن نقطة ارتكاز للعمل العربي والقضية العربية. وفي واقع الأمر، وجد الملك فيصل بانتظاره مجموعة كبيرة من الضباط الذين رافقوه في معارك الثورة العربية، وكانوا على أهبة الانتقال إلى العمل السياسي وتسلم مناصب الحكومة والادارة. ورافقه إلى العراق أشخاص مقربون من غير العراقيين، أمثال ساطع الحصري ورستم حيدر وأحمد قدري وغيرهم. وتوجهت أنظار العروبيين إلى العراق، ومن بينهم أسعد داغر الذي كان يرى أن العراق يمكنه أن يؤدي دور إقليم بيامونت وعاصمته تورينو في توحيد إيطاليا. ويذكر هذا المثال في كتاب مذكراته مرات عديدة. وكانت وفاة هذا العاهل العظيم في العام 1933 نقطة تحول في تاريخ القضية العربية، فبدأت الأنظار تنصرف عن العراق باحثة عن أمل جديد بدالً من الأمل الذي تبدد، وأخذت الحوادث تتوالى في بغداد فتزيد الحالة سوءًا والموقف شدة.

في سياق مذكرات أسعد داغر، نلمح كيف أن المملكة العربية السعودية صارت محط أنظار بعض العروبيين الذين فقدوا الأمل بقيادة الهاشميين للقضية العربية. وكان داغر واحدًا من الذين تنبهوا إلى دور يمكن أن يؤديه الملك عبد العزيز بن سعود، خصوصًا بعد لقاء المصالحة الذي عقد بين الملك فيصل وابن سعود، على الرغم من أنه جرى على ظهر بارجة إنكليزية بحسب ملاحظته. وفي الخالف بين المملكة السعودية والعراق، سعى أسعد داغر إلى التوفيق بينهما، خصوصًا أن العراق كان يدعم معارضي الملك عبد العزيز داخل أراضي المملكة. كذلك، فإنه يذكر ميزات الأمير فيصل بن عبد العزيز الذي كان يُبدي كل الدعم لأي مسعى في سبيل القضية العربية.

لكن أسعد داغر، ومنذ وقت مبكر، كان يتطلع إلى اندراج مصر في القضية العربية، فكان يرى أنها البلد العربي الأكبر، وانضمامها إلى القضية العربية سيغير المعادلات، ويجعلها قاطرة العمل العربي. ولا شك في أنه كان منحازًا في تفكيره إلى مصر التي اختار العيش فيها، واكتسب جنسيتها، وعدّ نفسه مصريًا مثل كثير من اللبنانيين الذين سبقوه في الهجرة إلى مصر وعملوا فيها، خصوصًا في الصحافة التي كانت مهنته طوال حياته.

كان يدرك، منذ وصل إلى مصر أول مرة، التباعد بين مصر وعروبيي المشرق. وازداد هذا التباعد مع اندلاع الثورة العربية في الحجاز، وكان على علم بالمراسلات التي تجري بين قيادة الاحتلال الإنكليزي في مصر والشريف حسين (مراسلات حسين مكماهون)، وشعر المصريون الذين ثاروا على الاحتلال الإنكليزي في عام 1919 أن ليس ثمة من أمر مشترك يجمعهم إلى الحكومة العربية في دمشق. وبغض النظر عن السوريين واللبنانيين المقيمين في مصر الذين كان يشغلهم ما يجري في سورية، فإن المصريين كانوا غير مكترثين بالحكومة العربية في دمشق. وحين ُعرض على سعد زغلول، زعيم حزب الوفد تأليف وفد عربي مشترك إلى محادثات السالم في فرساي، أبدى عدم اكتراثه؛ إذ لم َير فائدة تُرجى من ذلك(6). ولم يكن ما يجري في دمشق يثير اهتمام الرأي العام في مصر أو صحافتها، ويذكر داغر أن سقوط دمشق بعد معركة ميسلون لم يشغل غير خبر صغير في الصحف المصرية. لكن موقف الرأي العام المصري تبدّل مع اندلاع الثورة السورية الكبرى في عام 1925، فأثارت أخبار المقاومة البطولية التي أبداها السوريون من جهة، والقصف الوحشي الفرنسي لأحيائهم ومدنهم من جهة ثانية، عواطف المصريين تقديرًا لتضحيات السوريين. وليست قصيدة أحمد شوقي “سالم من صبا بردى” سوى التعبير عن عمق التعاطف وعن تقدير تضحيات السوريين في سبيل استقلال بلادهم.

اجتهد أسعد داغر في سبيل إيصال صوت القضية العربية إلى المصريين من خلال عمله في الصحافة. إلا أن ذلك لم يكن غير جزء بسيط من جهوده في سبيل تكوين نخبة مصرية مؤمنة برسالة العروبة. وعلى طريقته، ينسب الجهد لسواه، بل ينسبه إلى مجموعة من الطلاب. ويذكر أنه في عام 1936، ُأسست في مصر “جمعية الوحدة العربية” التي ضمّت طلابًا ومفكرين معروفين أمثال عبد الستار الباسل وعبد الرحمن عزام ومنصور فهمي ومحمد علي علوبة، وانتُخب أسعد داغر أمينًا عامًا للجمعية. يقول إن أعضاء هذه الجمعية “من المؤمنين بأن لا عروبة بدون مصر، ولا وحدة ولا استقلال إلا بعد دخولها معهم” ولا شك في أن هذه الجمعية أدت دورًا مهمًا في السعي إلى تأسيس جامعة الدول العربية، فأصبح عبد الرحمن عزام أمينًا عامًا للجامعة، وأصبح أسعد داغر مدير الاستعلام والنشر فيها(7).

كانت فكرة الزعيم أو القائد الذي تعلّق الأمة عليه آمالها قد راودته مبكرًا، وكان ال يزال طالبًا في اسطنبول حين وجد في اللواء عزيز علي المصري الشخصية القيادية التي يمكن أن تقود الأمة، خصوصًا أنه كان عسكريًا مرموقًا خاض كثيرًا من المعارك، ومؤيدًا للانقالب الدستوري وداعمًا له. وكانت رتبته العسكرية الرفيعة وتأثيره في الضباط العرب في اسطنبول قد جعلا منه شخصية تتطلع إليها أنظار العرب الذين كانوا يفتقدون الرجل الذي يقود نضالهم في سبيل الاستقلال. إلا أن أسعد داغر فقد الأمل بعزيز علي تدريجًا بعد أن شغلت أمور عديدة هذه الشخصية التي ما عادت قادرة على أداء الدور الذي يتوخاه منها.

بعد وصوله إلى دمشق في عام 1919، وجد أن تعدد الآراء وتضاربها ناتجان من الافتقار إلى قيادي، بعد أن لمس في الأمير فيصل عدم تمتعه بصفات الزعامة. فتطلع إلى ياسين الهاشمي، العسكري المرموق، إلا أن الفترة التي أمضاها في السجن الإنكليزي أفقدته ميزته واستعداده للزعامة. ودار في ذهنه أن األمير زيد، الشقيق األصغر لألمير فيصل، يملك من الميزات ما يؤهله لأداء هذا الدور، بل إنه فكّر في أن البلاد تحتاج إلى ديكتاتور. وفي هذا يقول: “على أن سورية كانت في تلك الأثناء أشد حاجة إلى زعيم عسكري منها إلى زعيم سياسي لأن تنظيم الشعب وتدريبه واستكمال أسباب القوة فيه، والقضاء على النزعات المختلفة بين أفراده وتوحيد صفوفه وتوجيهه إلى هدف معين، كل ذلك كان يتطلب يدًا قوية لم يكن أحد يظن قبل ظهور لينين وموسوليني وهتلر أنها قد تكون يد غير عسكرية”.

لم تغادره فكرة زعيم يوحد الأمة ويحمل آمالها، ويضع العرب ثقتهم فيه، ففي الصفحة الأخيرة من المذكرات، وتحت عنوان “آمال تتحقق” يقول: “لقد كنت دائمًا أقول إن الأمة العربية أصبحت الآن في حاجة إلى نبي أو زعيم، وإن هذا الزعيم لا بدّ من أن يظهر قريبًا. وقد كنت أعتقد بهذه الحقيقة منذ بدء النهضة العربية، وسبق لي أن سمعت بعض الذين عقدت عليهم الآمال من رجال الأمة العربية. فأضاعوه الواحد تلو الآخر، إلى أن قامت ثورة مصر الكبرى بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر. وقد تسنى لأسعد داغر أن يلتقي عبد الناصر في اجتماع عام ضم أصحاب الصحف، فأطال النظر إليه ودرس حركاته وسكناته، كما يقول، فوجد فيه الزعيم الذي اختاره الله لإنقاذ ألأمة العربية. قُيّض لأسعد داغر أن يرى بعض آماله تتحقق. فقبل وفاته بأشهر قليلة، قامت الوحدة بين مصر وسورية. وكانت الوحدة العربية الحلم الذي عمل كثيرًا من أجل تحقيقه. ففي الصفحة الأخيرة يقول: “إن الفكرة العربية التي كانت حلمًا لذيذًا لي ولإخواني في عهد الصبا أصبحت حقيقة ملموسة في عهد الكهولة… وجدت أن مصر أصبحت ركن العروبة وملاذها، وأن الشعوب العربية التي كانت متناثرة متخاذلة، لا كيان لها ولا وجود إلى ما قبل سنوات قليلة، قد اتحدت وتضامنت وسارت بخطى الجبابرة في طريق المثل العليا”.

فما الفكرة العربية بحسب أسعد داغر؟ لا شك في أن هذه الفكرة تطورت في ذهنه تبعًا لتطورها في الواقع. فإذا كانت هذه الفكرة ذات طابع لغوي وإصلاحي مع ميلٍ إلى فصل الدين عن الدولة، فإن العروبة “الهاشمية” إذا جاز التعبير، وهي التي حملها الجيل الذي شارك في الثورة العربية وفي الحكومة العربية في دمشق، وكان لبعض أفراده أن يرتقوا إلى سدّة الحكم والحركة الوطنية في بلدان المشرق، تأثرت بالأفكار القومية التي ظهرت في بلدان أوروبا، وأخذها بعض المفكرين الذين بادروا إلى صوغ آراء في القومية ذات طابع راديكالي، فنرى التحول من العروبة Arabisme إلى القومية العربية .Arabité وفي نهاية كتابه، وفي مناسبة الحديث عن “جمعية الوحدة العربية” التي وضعت في بيان تأسيسها المبادئ التي تلخص ما آلت إليه الفكرة العربية، ومن المرجح أن أسعد داغر هو من صاغ هذه المبادئ، نجد تعريفًا للوطن العربي وهو البالد التي يسكنها العرب، والأمة العربية هي الجماعة التي تسكن هذا الوطن، والقومية العربية هي مجموعة الصفات والمميزات والخصائص والإرادات التي ألفت بين العرب وكونت منهم أمة واحدة، والقضية العربية هي الحركة التي يقوم بها العرب لتحرير أمتهم من الاستعمار والاستعباد والفقر والجهل، والدولة العربية هي دولة قومية لا دينية، والحريات العامة حق مقدس للجميع، ولكن يسّوغ للقانون تقييدها إذا ُقصد بذلك مصلحة الأمة. وهكذا حتى يصل إلى البند الثاني عشر؛ فكرة الأمة العربية التي تستمد نشاطها من حياة اللغة العربية وتاريخ الأمة العربية واتصال البلاد العربية بعضها ببعض.

بقي أسعد داغر مؤمنًا بالعروبة التي اكتشف انتماءه إليها مبكرًا، وهو المولود في بيئة تتحدث العربية من دون أن تسمع بالعروبة، عدا ما سمعه من والده عن أصل عائلته الذي يرجع إلى قبيلة عربية في العراق. ولد أسعد داغر في عام 1893 في بلدة تنورين في جبل لبنان الشمالي لعائلة مارونية ولوالد متعلم يمارس المحاماة، وله صلات برأس الكنيسة آنذاك البطريرك الياس الحويك. أرسل الوالد ابنه أسعد إلى إحدى المدارس الإرسالية العريقة، حيث التقى هناك طالبًا مسلمًا هو رياض الصلح الذي عرف من خلاله عروبته.

لا يخبرنا أسعد عن نشأته وعائلته وبيئته إلا القليل؛ إذ ذابت شخصيته في القضية التي نذر نفسه لها. وهو إذ يخبرنا عن إقامته في مدينة طرابلس شهرين في عام 1908، فكي يروي كيف عرف حضارة العرب من خلال العلماء الذين درس الفقه على أيديهم. وتشاء المصادفات أن يكون على متن الباخرة التي أقلته إلى اسطنبول نواب العرب إلى مجلس المبعوثان في عاصمة الدولة العثمانية بحسب تعبيره. وهناك، في هذه العاصمة التي تضج بالحوادث، بدأ نشاطه في الجمعيات العربية وتعرّف إلى أعضائها، وبدأ بممارسة المهنة التي ستكون مهنته طوال حياته وهي الصحافة، إلى جانب نشاطه في القضية العربية، والتي يشير إليها في مذكراته. كما تشير إلى ذلك مراسلاته(8) مع أبرز الشخصيات العربية التي تدور حول مسائل تتصل بالعمل العربي والجهد المبذول لتحقيق الوحدة.لا يشير أسعد في مذكراته إلى الشأن الذي أداه في سبيل إنشاء جامعة الدول العربية، كما لا يشير إلى المنصب الذي تسلمه في أمانتها العامة وهو منصب مدير الاستعلام والنشر، وهو غادر هذا المنصب في عام 1954 بعدما حقق حلم حياته بإصدار صحيفة تكون صوت العرب في جميع أقطارهم.
إضافة إلى “مذكراتي على هامش القضية العربية”، الصادر في العام 1959 عن مطابع جريدة القاهرة، لأسعد داغر عدد من الأعمال والترجمات هي:

– ثورة العرب ضد الأتراك، مقدماتها- أسبابها- نتائجها: صدر باسم (أحد أعضاء الجمعيات السرية العربية) عن دار المقطم في عام 1916. ثم أعادت دار مصباح الفكر في بيروت طبعه في عام 1987، ثم دار التضامن في بيروت في العام 1994.

– حضارة العرب: تاريخهم، علومهم، آدابهم، أخالقهم، عاداتهم: صدر عن مطبعة الموسكي في مصر في العام 1918.

– عمر وجميلة أو في ربى لبنان: رواية معربة عن الفرنسية لمؤلفها هنري بوردو. طبعت في مطبعة العرب بمصر (بدون تاريخ).

نضيف إلى ذلك رسائل لرجال من زمن النضال، أنطوان داغر (جبيل-لبنان: 2018). 
بدأ أسعد داغر حياته المهنية مبكرًا حين كان لا يزال بعدُ طالبًا في اسطنبول، فراسل صحيفة “المقطم” في القاهرة. وحين غادر إلى مصر عمل في مجلة “المقطم” سنوات عديدة، ثم في جريدة “الأهرام” نحو ثلاثة عقود. وتسنى له أن يصدر “جريدة القاهرة” في العام 1952، والتي كانت مشروع حياته، وأرادها أن تكون صوت العرب في أجواء أقطارهم. ألمت به وعكة صحية في العام 1947، فكتب وصيته التي وجهها إلى أربعة أشخاص هم أحب الناس إليه بحسب تعبيره، وهم: شكري القوتلي، والأمير فيصل آل سعود، وعبد الرحمن عزام، وخير الدين الزركلي.

أوصى بجميع ما يملكه وبمستحقاته لشقيقه وشقيقتيه. كما أوصى الذين وجّه إليهم الوصية بالاعتناء بصحتهم، وبإنقاذ فلسطين لأن في ضياعها قضاء على كيان الأمة العربية، وأن يعملوا على تبديد الغيوم المتلبدة في أجواء البلدان العربية. كما أوصاهم بالحرص على لبنان فإنه سيكون ابن العروبة الأبر. وأخيرًا أوصاهم بتربية الشبيبة تربية وطنية قويمة(9).

كتب أسعد داغر وصيته في 4 كانون الأول/ديسمبر1947. وقُّيض له أن يعيش بعدها إحدى عشرة سنة، فكانت وفاته في 26 تشرين الثاني/نوفمبر 1958. وكما أوصى، نُقل جثمانه إلى بلدته تنورين ودفن في مدافن العائلة.

(*) مقدمة الدكتور خالد زيادة لكتاب “مذكراتي على هامش القضية العربية” لأسعد داغر.
(1) ينظر: سليمان البستاني: عبرة وذكرى أو الدولة العثمانية قبل الدستور وبعده، تقديم وتحقيق خالد زيادة (الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2019)

(2) يُنظر: وثائق المؤتمر العربي الأول :1913 كتاب المؤتمر والمراسالت الدبلوماسية الفرنسية المتعلقة به، تقديم ودراسة وجيه كوثراني (الدوحة/ بيروت: المركز العربي لألبحاث ودراسة السياسات، 2019)، يورد الكتاب أسماء الوفود المشاركة، ص 122-117.

(3) استمر الحكم العربي في دمشق من أيلول/ سبتمبر 1918 إلى تموز/يوليو .1920 تبدلت خلالها مجالس المديرين مرات عدة. ينظر: خيرية قاسمية، الحكومة العربية في دمشق، ط 2 (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1982) ص 63-46.

(4) عن دور دمشق وقياداتها ومواقفهم من الحكومة العربية. يُنظر: فيليب خوري، أعيان المدن والقومية العربية (بيروت: مؤسسة الأبحاث العربية، 1993)، الفصل الرابع: “الأعيان والقوميون وحكومة فيصل العربية”، ص 147-121.

(5) من أبرز المراجع عن الأوضاع التي سبقت معركة ميسلون ورافقتها، كتاب ساطع الحصري، يوم ميسلون.. صفحة من تاريخ العرب الحديث (دمشق: منشورات وزارة الثقافة، 2004)

(6) يُنسب إلى سعد زغلول، ردًا على عبد الرحمن عزام الذي حاول إقناعه بتأليف وفد عربي مشترك إلى مفاوضات السلام في باريس، قوله: “كم يساوي الصفر إذا أضيف إلى أصفار أخرى”.

(7) أنطونيوس بطرس داغر، “أسعد داغر وإسهامه في النهضة العربية من خلال أدبه السياسي”، أطروحة دكتوراه، بيروت، الجامعة اللبنانية، كلية الآداب والعلوم الانسانية، الفرع الثاني، 2000-1999، ص 97.(8) أنطوان داغر، رسائل لرجال من زمن النضال: مراسلات أسعد مفلح داغر (جبيل – لبنان: نشر خاص، 2018).
(9) يُراجع النص الكامل للوصية في: داغر، “أسعد داغر وإسهامه في النهضة العربية”، ص 53- 54.

اضف رد