الرئيسية / مقالات / عن شخصية لبنان.. سمات خمس خالدة

عن شخصية لبنان.. سمات خمس خالدة

كريم مروة|الجمعة21/02/2020
Almodon.com

الحرية أساس للبنانيين ولوطنهم النهائي {يشار سمور)

خارطة طريق لاستعادة الشخصية اللبنانية بتنوع سماتها وتعدد ووحدة مكوّناتها على قاعدة نظام ديموقراطي تعددي ودولة مدنية حديثة جامعة.

شغلتُ نفسي، منذ مطالع الألفية الجديدة، بالبحث عبر التاريخ القديم والحديث، عما اعتبرته الأساس في تحديد معالم الشخصية اللبنانية، بتنوع سماتها وتعدد مكوناتها. وتأثرتُ في هذا البحث بما كان المفكر المصري جمال حمدان قد شغل نفسه فيه تحت عنوان “شخصية مصر عبقرية المكان”. وهو بحث أغراني كثيراً، بعد أن كنت قد تعرّفتُ إلى مؤلفه في سبعينيات القرن الماضي. واستطعت أن أتوصل في بحثي هذا، في نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة، إلى ما صار عندي هماً حقيقياً لخلق تيار وطني ديموقراطي لبناني أصيل، يسعى لكي يحرر لبنان مما هو فيه، ويعيده إلى أصوله التاريخية، التي تعبر عنها شخصيته المشار إليها. وأراني اليوم، في ضوء ما ارتبط بثورة السابع عشر من تشرين الأول، أكثر ثقة بإمكانية الوصول إلى استعادة الأصول التاريخية للشخصية اللبنانية. ذلك أنني صرت أكثر اقتناعاً من الفترة السابقة بإمكانية تحقيق هذا الهدف الكبير، ونحن نستعد للاحتفال باسم ثورتنا المجيدة بمئوية لبنان الكبير. لكنني، وأنا اقدر أهمية هذا الاحتفال، لا يسعني إلا أن أشير إلى أن لبنان الكبير قد بُني في ظل الانتداب الفرنسي على أسس سرعان ما بدأت تشير بالتدريج، لا سيما بعد الاستقلال إلى المحاصصة الطائفية، وما خلَّفته من انقسامات وصراعات وتدخلات خارجية شوَّهت الشخصية اللبنانية، ووضعت لبنان كما هو الآن على مفترق طرق، تكاد تطيح بما ما ارتبط بتاريخه من سمات متنوعة ومكونات متعددة تعبر عن الأصالة في شخصيته.

وإذا كان من الطبيعي أن يكون لكل شعب من الشعوب ولكل بلد من البلدان السمات التي تعبر عن شخصيتهما، فإن السمات الخمس التالية هي التي تعبر عن شخصية لبنان وشخصية اللبنانيين بالمفرد وبالجمع، كما دلّنا على ذلك التاريخ قديمه وحديثه.

السمة الأولى
تتمثل بالتعدد والتنوع الديني والإثني المرافق لتكوّن لبنان في مراحل مختلفة من تاريخه القديم، وفي المراحل الحديثة من تاريخه على وجه الخصوص. كما تتمثل في التعدد الثقافي والحضاري حتى داخل الأديان والمذاهب والإثنيات ذاتها، وفي تعدد أنماط حياة اللبنانيين في الوطن وفي المغتربات. إن هذين التعدد والتنوع في الشخصية اللبنانية بأنواعهما وبمكوناتهما القديم منها والحديث، هما اللذان مكّنا لبنان من أن يكون في مراحل مختلفة من تاريخه مركز تواصل ثقافي وتفاعل عميقيّ الأثر والتأثير بين الشرق عموماً، والعالم العربي جزء منه، وبين الغرب بامتداداته الواسعة، وبين حضارات وثقافات هذه العوالم جميعها.

السمة الثانية
تتمثل بطموح اللبنانيين إلى المعرفة، وبقدرتهم على امتلاكها واستيعابها والإبداع فيها في ميادينها المختلفة، وبقدرتهم على تبوّء مراكز عالمية كبيرة بالإستناد إلى كفاءاتهم في هذه المعارف جميعها.

السمة الثالثة
تتمثل بميل اللبنانيين التاريخي للهجرة إلى الخارج، الدائم منها والمتقطع، وبقدرتهم على الإندماج والتكيف في المجتمعات التي يعيشون فيها، محتفظين بصيغ وبمستويات مختلفة، بالعلاقة بجذورهم اللبنانية. ويطمح الكثيرون منهم للإسهام في تقدم وطنهم بوحدة مكوناته الثقافية والاجتماعية، شرط أن تتوفّر لهم في الوطن الإمكانات لتحقيق ذلك الطموح.

السمة الرابعة
تتمثل بتعلق اللبنانيين المقيمين في الوطن بالحرية كأساس لهم ولوطنهم النهائي، وبدفاعهم عن هذه الحرية وبحمايتها ضد كل محاولات النيل منها من داخل البلاد ومن خارجها، وبجعل هذه الحرية جزءاً من حياتهم اليومية في شتى المجالات.

السمة الخامسة
تتمثل بتمسكهم بأرضهم وبمقاومتهم بشتى الوسائل لأي عدوان خارجي كلما تعرض له بلدهم، وبالأخص ما يتصل بالعدوان الإسرائيلي، والتصدي بوسائل مختلفة لكل أنواع المشاريع التي تهدد استقلال وسيادة وطنهم وتهدد حرية وسعادة شعبهم، وتهدد الصيغة الجامعة والموحدة لمكوناته المتعددة ضد أي إّدعاء غير مبرر من أي مكوّن بأنّه هو وحده صاحب الدور الأساسي في الدفاع عن الوطن وفي تحديد مستقبله.

بهذه السمات الخمس والمكونات المتعددة التي تعبر عن شخصية الشعب اللبناني صار لبنان خلال تكونه التاريخي، لا سيما في الحقبة الحديثة من هذا التاريخ خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، جزءاً مكوِّناً من أسرة البلدان العربية وشعوبها، مندمجاً بتاريخها في مراحله المختلفة، ومساهماً بإبداع في إغناء التراث الثقافي العربي المشترك في مجالاته وميادينه المتعددة محتفظاً بشخصيته وبخصوصياتها أسوة بسائر الأشقاء العرب.

على قاعدة ما تقدم وفي ضوء ما نحن فيه من انقسامات وصراعات غير مبررة، وفي ضوء ما أدخلنا فيه وطننا من حروب أهلية مدمرة، نرى أنه حان الوقت لكي يخرج اللبنانيون من الحالة المأساوية التي يخضعون لها منذ عقود طوعاً أحياناً، وقسراً في أحيان أخرى، وفي الحالتين معاً. وهي حالات تعيق تقدم وطنهم، وتهدد استقلاله وسيادته ووحدته وحريته، وتمنع الاستقرار السياسي الاقتصادي والاجتماعي والأمني فيه، وتفسح في المجال أمام التدخلات الخارجية في شؤونه من كل الجهات والاتجاهات، وترهق حياة الأكثرية الساحقة من شعبه وتشوّه روح المواطنة عندهم، وتعمق ظاهرة الاصطفافات الزبائنية والاستتباع المسلوب الوعي والإرادة. وتقود تلقائياً إلى تعميم الاستهتار بالقيم الإنسانية وبحقوق الإنسان وتقفل الآفاق أمام الشباب للعيش الكريم في وطنهم، وتحملهم على الهجرة إلى الخارج وفي مقدمتها هجرة الكفاءات في كل الميادين، التي تحرم لبنان من الإفادة منها في صنع تقدمه.

ما أشرت إليه حول هذه الحالة هو ما نعاني منه في هذه الأيام، التي تشكل ثورة السابع عشر من تشرين الأول الباب الحقيقي للخروج منه. وقد توقَّفت عند هذه القضية باسم “شخصية لبنان” التي يعبر عنها تنوع سماتها وتعدد ووحدة مكوناتها كمشروع آمل أن يصبح مع الوقت الأساس في ما يرتبط بثورتنا المجيدة أهدافاً تعبر عن المستقبل الذي ننشده لوطننا الخالد لبنان.

اضف رد