الرئيسية / home slide / عن دور الأرثوذكس في الكيان اللبناني

عن دور الأرثوذكس في الكيان اللبناني

مؤتمر الصلح في باريس عام 1919.

بعد احتلال دام أربعمئة وعامين، انسحب العثمانيون من لبنان بعدما هُزموا في الحرب العالميّة الأولى. وقد أدّى إنسحابهم لتشكّل كيانات إداريّة محليّة في المناطق التّي كانت خاضعة لنفوذهم، إلّا أنّ هذه الإدارات لن تدوم طويلاً، إذ ما لبثت أنّ دخلت القوات الفرنسيّة والبريطانيّة مستعمراً جديداً على البلاد…

5-الحكومة العربيّة (تشرين الثّاني 1918): بعد سقوط الدّولة العثمانيّة، تشكّلت حكومة عربيّة في بيروت إستمرت 9 أيام، وقد شارك ألفراد سرسق عن أرثوذكس بيروت في الحكومة، إلى حين سقوطها يوم دخول القوات الفرنسيّة إلى بيروت.

6-لجنة كينغ- كراين (1919): عندما بدأت الأهواء والتّدخلات الخارجيّة تلعب بعواطف اللبنانيين، أُرسلت لجنة أميركيّة عُرفت بإسم لجنة كينغ- كراين، لتقصي رغبات الشّعب قبل فرض أي إنتداب. وقد زارت بيروت في تمّوز 1919، وقد فاوضها باسم عائلات المدينة وفدان، مسيحي ومسلم:

– الوفد المسيحي: يوسف سرسق- متري طراد- نخله سرسق- ميخائيل مجدلاني- يوسف غبريل- دعيبس المرّ- جرجي باز (عن الارثوذكس) – نجيب مصدّر – خليل سعد

لم يكن الرّجال وحدهم العاملين في تحقيق الوحدة والتّعايش بل حرصت النّساء أيضاً على المشاركة في تحقيق هذه المعاني السّامية وعلى رأسهن جوليا طعمه ونينا طراد (الارثوذكسيتين)- عنبره سلام- عادله بيهم- لور ثابت- إبتهاج قدورة- سلوى محمصاني.

كما زارت هذه اللجنة كل من مطران بيروت جراسيموس مسرّة ومفتي المدينة مصطفى نجا، وسمعت منهما موقفاً موحّداً رافضاً للإنتداب وداعياً للعيش الواحد بعيداً عن أي تقسيم أو إنعزال.

7-الوفود اللبنانيّة إلى مؤتمر الصّلح (1919): بعد دخول القوات الفرنسيّة إلى لبنان، تشكّلت ثلاثة وفود لبنانيّة توجّهت إلى باريس لنقل وجهة نظر اللبنانيين وتطلعاتهم من الدّولة المنتدبة الجديدة. وقد ضمّ الوفد الثّالث فقط ممثّلاً عن الأرثوذكس هو ألفرد سرسق البيروتيّ.

الأرثوذكس و”لبنان الكبير”: هكذا تُبنى الأوطان! (1)

كان عدم تمثيل الأرثوذكس في الوفود اللبنانيّة إلى مؤتمر الصّلح رسالة سياسيّة وُجِّهَت لهذه الطّائفة، مردّها أنّ فكرة الكيان التّي تمّ عرضها للجانب الفرنسي، كانت مبنيّة على اعتبار لبنان دولة مارونيّة، وقد روّج لهذه الفكرة إميل إده، المشارك الدّائم الوحيد في الوفود الثّلاثة. وقد رسّخ هذا التّوجه التّباعد الأرثوذكسي – الماروني، ووطّد علاقة الأرثوذكس بجيرانهم المسلمين في المدن الكبرى، وبخاصة السُّنة منهم إذ تجاوروا طوال قرون من الزمن. فاتّجه الرّوم نحو العروبة والانفتاح والوحدة أكثر من الانصهار والذّوبان في كيان ماروني موسّع، بخاصة بعد تجربتهم المريرة مع نظام المتصرّفيّة.

8-إعلان دولة لبنان الكبير: لم يكن موقف الارثوذكس بدايةً مؤيّداً لقيام لبنان الكبير، فقد كان الرّوم على علاقة جيّدة بالدّولة العثمانيّة أولاً، ومن خلفهم سنّة بيروت، وقد بدا الأمر جلياً عام 1912، يوم قصف الإيطاليون المدينة كما ذكرنا، وموقف المطران جراسيموس مسرّة الدّاعم للباب العالي. يُعتبر موقف المطران مسرّة متوافقاً مع موقف بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق غريغوريوس الرّابع حداد، ابن عبيه، الذي فضّل التّريث قبل مباركته قيام لبنان الكبير. وقد عزا المؤرخون سبب ذلك لطبيعة الكيان المرجو إنشاؤه:

في العام 1918، بدأت لجنة كينغ-كراين جولتها في المناطق اللبنانيّة لإستطلاع اراء المواطنين حول رؤيتهم لمستقبل بلادهم، وقد كان موقف بكركي ممثلةً بالبطريرك إلياس الحويك واضحاً، برفضٍ كلّي لضمّ أجزاء من وادي النّصارى إلى حدود الدّولة اللبنانيّة المقترحة، لكون هذه القرى كفيلة بقلب التّوازن الطّائفي باتجاه أكثرية أرثوذكسيّة لا مارونيّة، مفضّلين بعض قرى الجنوب على الحدود الفلسطينيّة ذات أكثريّة شيعيّة مع أقلية وازنة مارونيّة، على اعتبار أنّ أبناء تلك القرى هم من المزارعين والرّعاة، ولا يشكلون أي ّ خطرٍ على الكيان المرجو إنشاؤه (على عكس أرثوذكس الوادي، الذين كانوا يُعتبرون رواد الفكر والتّنوّر في ذلك العصر). وقد ردّ حينها جورج كليمنصو على البطريرك الحويك ببرقية ذكر فيها: “أيها الموارنة في لبنان: كنتم كبارًا في لبنان الصغير وستصبحون صغارًا في لبنان الكبير”.

أعلن المفوض السّامي هنري غورو في احتفال كبير في قصر الصنوبر في بيروت في الأول من أيلول 1920 قيام دولة لبنان الكبير. تجلّت صورة الحفل التّاريخية بالمفوّض غورو متوسّطاً البطريرك الحويك (عن يمينه) والشّيخ محمد الجسر (عن يساره)، بدلالة واضحة أنّ الدّولة الجديدة المنشودة ستقوم على ثنائيّة جديدة مارونيّة- سنّية برعاية فرنسيّة، متجاهلين دور الدّروز التّاريخي في نشوء “الصّيغة اللبنانيّة” (المدعومين من الإنكليز)، مهمّشين رجال الفكر من الأرثوذكس في ذلك العصر (بسبب توجهاتهم العربيّة والمشرقيّة) ومتجاهلين رأي أكثريّة إسلاميّة (المقرّبين والدّاعمين للأمير فيصل وحكومته العربيّة).

لم تعكس الصّورة التّي جمعت الثّلاثي غورو-الحويك-الجسر حقيقة المشاركين في الحفل، فقد ضمّ الوفد المشارك أيضاً: نجيب أبو صوّان متصرف ولاية بيروت، ألفرد سرسق، الدّكتور كالمِتْ، الدّكتور لوبرون، بيار دوريو قنصل فرنسا، عبد القادر الدّنا، شارل قرم، داود عمّون، الخوري مارون غصن، إميل عرب، الشيخ محمد الكستي، سعيد زين الدين، نجيب ميقاتي، مختار بيهم، إميل خوري، رامز مخزومي، كامل جميل، الشّيخ كسروان الخازن، الشّيخ بديع الخازن، الشّيخ يوسف الخازن، محمد بربير، جميل شهاب، أكرم عازار، ألبير قشوع، أنيس طراد، حبيب طراد، محمد أديب درنيقة، باسيل يارد، عمر بك بيهم، الأب إرنست سارلوت، يوسف فرعون، الأميرال بونيه، ألبير نقاش، جان دوفريج، الفيكونت فيليب دوطرّازي، ميشال شيحا، إميل قشّوع، المطران أوغسطين بستاني، الأب أنطوان عقل، المطران عوّاد، الكولونيل ليجييه، المعتمد كوبان، نصري حداد، جاك نحّاس وهنري مسك.

شارك الأرثوذكس كسواهم من الطّوائف التّي تشكّل النّسيج اللبناني، في حفل إعلان دولة لبنان الكبير. وقد مثّلهم في الحفل:

أكرم عازار (من المشايخ الإقطاعيين في الكورة شمال لبنان)، أنيس طراد (من كبار تجّار الإستيراد عند مرفأ بيروت)، حبيب طراد (من وجهاء بيروت، إبن الشّاعر جبرائيل طراد، شغل منصب نائب في أوّل مجلس شيوخ، وهو مقرّب من الفرنسيين)، ألفراد سرسق (ممثلاً العائلات البيروتيّة الأرثوذكسيّة، سكرتير السّفير العثماني في باريس عام 1913 والوزير في الحكومة العربية في بيروت عام 1918)، جاك نحّاس (ممثلاً العائلات الطّرابلسيّة الأرثوذكسيّة، شارك مع الوفود اللبنانيّة في موافضات باريس).

اعتُبِرت مشاركة الأرثوذكس في إعلان لبنان الكبير بارزة من ناحية العدد، إلّا أنّنا إن غُصنا في الحاضرين والغائبين، لرأينا قوة ومعنى الرّسالة التّي وجّهتها مرجعيّات الطّائفة الرّسميون بِتَغَيُبِهِم عن الحضور. فمن حضر، شارك بصفته الشّخصيّة أو العائليّة، لا بصفته ممثلاً للطّائفة الأرثوذكسيّة جمعاء التّي أبدت تحفظها وامتعاضها من الممارسات التّي أوصلت إلى إعلان الأول من أيلول 1920.

من الضّروري الإشارة إلى أنّ رغبة الأرثوذكس كانت الانضمام إلى الكيان اللبناني، لا بل أنّهم كانوا روّاد الدّفاع عن نهائيّة هذا الكيان، إلّا أنّهم ووجِهوا بسياسة إقصائيّة تهميشيّة (ما زالت حتّى يومنا هذا)، قد يكون سببها طيب علاقاتهم مع الطّائفة السّنيّة في المدن حيث كانوا يتشاركون الحياة والعمل (وهي التّي إعتُبِرَت حتى منتصف العقد الثّالث من القرن الماضي، الفريق الأساسي المنادي بالدّولة العربيّة الموسّعة)، أو لكونهم “المنافس” الأوّل للموارنة على السّاحة المسيحيّة. وقد استدرك الفرنسيون إمتعاض الأرثوذكس وتراجع حماستهم للمشاركة في النّظام المستولد، فعيّنوا أوّل رئيس للجمهورية اللبنانيّة من أرثوذكس بيروت، وهو المحامي والحقوقي شارل دبّاس، للجم اندفاعة الأرثوذكس وميولهم نحو الأفكار العروبيّة والمشرقيّة الموسّعة… وقد نظم الشّاعر عمر الزّعني لدباس قصيدة بعدما شاهد أعمال الرّؤساء اللاحقين، فأنصفه بقوله:

يا هو يا ناس مسكين الدّباس لا باع بلاده ولا ضرّ النّاس

خدم أوطانه قدر إمكانه حسب ضميره حسب وجدانه

عمل بأصله وما وظّف ناسه ولا طوّل إيده ولا عبّا كياس

كان كفه نظيف وعايش عفيف بالنّسبة لغيره فضل شريف

إن كان ما نفع ما زاد الوجع وزاد البلى ولا الإفلاس

في روح خفيّة عالية وقويّة فوق الوزارة والجمهورية

بتشدّ الرّيس بتحــــــــل المجلس بتهدّ أركانه من الأســـــــــاس

لعب الأرثوذكس دوراً أساسياً في إدارة شؤون البلاد وتنظيمها، وقدّموا صورة مشرّفة عن لبنان الذي نريد، وإذ فضّلوا البقاء بلا حزب سياسي، فلم يصبهم ما انساق إليه الموارنة والدّروز والسّنة والشّيعة، ما حال دون جنوحهم إلى أيّة مذهبيّة سياسيّة على غرار مثلائهم الذين وضعوا لبنان مراراً على خط النّار. إن امتناع الأرثوذكس عن تحويل إطارهم الإيماني إلى مذهبيّة سياسيّة كان غريباً جداً على سياقات السّياسة اللبنانيّة في ذلك الزمن (وربّما حتى يومنا هذا!). أمّا الأكثر غرابة، فكان قدرة هذه الطّائفة -ونجاحها المستمر- على التّعايش مع جماعات تحكمها هوياتها الطّائفيّة الضّيقة لا هويتها الوطنيّة، ممّا أبعدهم، أي الأرثوذكس، عن “داء الأقليات”…

حبّذا لو يسمع من في الحكم اليوم لكلمات جاك أفندي نحّاس، المنادي بلبنان لجميع اللبنانيين بدون تفرقة أو تفضيل.

حبّذا لو يقرأ من عاهدنا بدولة القانون والمؤسسات، عن ألفرد سرسق وحبيب طراد وجبران تويني ودورهم في إنتاج الدّولة التّي لم -ولن- تبصر أعيننا مثيلةً لها.

حبّذا لو يتّعظ من يسوسنا اليوم بمنطق “فرّق تسد”، من عظات المطران مسرّة الذي فتح أبواب أديرته وكنائسه ليستقبل المسلمين قبل المسيحيين يوم عاث القصف والمرض والجوع فقراً وبؤساً في الأرض.

حبّذا لو يتشبّه من ينخر مؤسسات الدّولة بظلمه وفساده، بالرّئيس شارل دبّاس الذي شهد له كل من عرفه بأنّه أتى لخدمة وطنه، لا لتوظيف مستشارٍ أو أخٍ أو إبن عم أو قريب هنا أو هناك…

أمّا أولئك الذين يستسهلون اليوم إحراج مكوّنٍ أساسيٍ في الصّيغة اللبنانيّة كمقدمة لإخراجه منها، عبر إنتزاع موقع من هنا أو صلاحيّة من هناك (أو عبر التّحريض عليه)، ظانّين أنّ موقع القوة الذي هم فيه اليوم يسمح لهم بإقصاء من ظلّ مستقيماً يعارض إِعْوِجَاجهم، مستشهدين بتاريخٍ إلغائي حافل، يصدق فيهم قول شاعرٍ:

رَأَيتُ الدَهرَ مُختَلِفاً يَدورُ فَلا حُزنٌ يَـــدومُ وَلا سُرورُ

وَقَد بَنَتِ المُلوكُ بِهِ قَصوراً فَلَم تَبقَ المُلوكُ.. وَلا القُصورُ