الرئيسية / مقالات / عن حرية الضمير في العالم الإسلامي

عن حرية الضمير في العالم الإسلامي

 

مالك التريكي
Dec 23, 2017
القدس العربي

رغم كثرة القنوات التلفزيونية العربية، فإن هنالك من الأخبار المحرجة ومن المسائل الشائكة ما لا يمكن أن تشاهده إلا على القنوات الأوروبية، مع أن هذه الأخبار والمسائل تهم العالم العربي. لهذا تتمتع قنوات إخبارية أوروبية تبث بالعربية، مثل بي بي سي وفرانس 24، بمصداقية عالية، أو معتبرة، لدى الجمهور العربي. ولا يقتصر الأمر على التلفزيون، بل إنه ينطبق على الجرائد والمطبوعات والصحافة الورقية. تجدد انتباهي لهذه الحقيقة الهامة، على بساطتها، بمناسبة التحقيق الذي نشرته لوموند الأربعاء عن تكاثر أعداد الملحدين (أو «النفاتيين»، أي نفاة حقيقة وجود الرب، حسب التعبير الذي نحته الأستاذ محمد الطالبي رحمه الله) في البلاد الإسلامية، وعن بلوغ ظاهرة الإلحاد حدودا أصبحت تخيف عموم المسلمين من المغرب حتى باكستان. وقد عملت لوموند على هذا التحقيق طيلة شهور، حيث بدأت مطلع هذا العام بتوجيه دعوة إلى القراء «المسلمين الذين فقدوا الإيمان» لتقديم شهاداتهم ورواية تجاربهم الشخصية، نظرا إلى أن «الإلحاد لا يزال من المحرمات المسكوت عنها في العالم الإسلامي».

والبادي في هذا التحقيق أن الأفراد المسلمين الذين أعلنوا إلحادهم، بعد عمر أقاموا فيه على إيمان تقليدي موروث ولكنهم لم يجدوا في حياتهم العقلية والروحية ما يصدّقه ويثبته، هم أقرب (حسب الانطباع الذي تخلّفه القراءة) إلى السويّة الإنسانية الإيجابية من أهاليهم وأصدقائهم الذين يدفعهم فزعهم، بل تقززهم، من هذا المسلك الصادم، إلى اتخاذ مواقف خالية من أي محاولة للفهم، ناهيك عن التفهّم والتعاطف. مواقف لا استعداد فيها حتى للصلاة من أجل الابن الضال والدعاء له بالهداية. وليست هذه المواقف حكرا على المسلمين. إذ لا أزال أذكر النقاش التلفزيوني الذي أداره الصحافي الفرنسي برنار بيفو، قبل أكثر من ثلاثة عقود، حول الحاجة الإنسانية إلى الإيمان وحول مدى أهمية دور الاعتقاد الديني الفردي في التأثير في الوسط الاجتماعي وفي الحياة العامة. والذي رسخ في ذهني من هذا النقاش أن الكاتب كلود روا لفت انتباه المؤرخ هنري غيومان إلى أن الأديب والطبيب أنطون تشيخوف، الذي لم يكن مؤمنا، قد كان يتجشم المشاق ويجتاز عشرات الأميال ليفحص المرضى من الفقراء والبؤساء في أعماق الريف الروسي. كان يطبّبهم مجانا دون انتظار جزاء ولا شكور لا في الدنيا ولا في الآخرة التي لا يؤمن بها. وختم كلود روا بالقول بأن تشيكوف الملحد كان أرحم بالإنسانية من دوستويفسكي المؤمن. فقد كان مؤلف «الجريمة والعقاب»، رغم إيمانه، ناقما على البشر ولم يعرف عنه الإيثار أو الإحسان. فإذا بهنري غيومان يوافق على ذلك دون تردد. على أن هذه ظاهرة إنسانية بإطلاق: ذلك أنه كثيرا ما يكون المؤمن منشغلا بذاته ومصيره الشخصي إلى حد اللامبالاة بمصائر الآخرين، بل إلى حد الاغتباط بفكرة أنه لا محالة ناج سعيد بينما سيخلد الآخرون، حسب ظنه، في مصير الشقاء.
كان هنري غيومان كاثولكيا راسخ الإيمان. وكتب بعمق ونبل عن مسألة الإله في الفكر والأدب الغربيين، كما أنه كتب بنفاذ بصيرة عن مسارات الاعتقاد والإلحاد في واقع مجتمعات العقود الأخيرة من القرن العشرين شرقا وغربا. كان يعرف طه حسين حق المعرفة ودارت بينهما حوارات، شملت المسألة الدينية، عندما كان أستاذا في جامعة القاهرة في الأربعينيات. ولأن الوسط الثقافي في بعض البلاد العربية كان أكثر إيجابية وليبرالية قبل عقود، فإن مجلة الفكر التونسية نشرت أوائل الستينيات ترجمة بقلم الأستاذ منجي الشملي، رحمه الله، لدراسة عميقة عن «مسألة الله في الأدب الفرنسي المعاصر». ويكفي النظر في مؤلفات أديب ومؤلف مسرحي تونسي واحد، هو الأستاذ عز الدين المدني، حتى يتبين مقدار الجرأة الفكرية التي كانت متوفرة آنذاك.
في ظاهر الأمر تبدو لوموند، والرأي العام الغربي عموما، على صواب في تقرير واقع ملموس يتمثل في انعدام حرية الرأي والضمير والعقيدة في بلاد المسلمين. ولكن القضيتين الأساسيتين اللتين لا يتم التطرق إليهما هما أن معظم البلاد الإسلامية لمّا تبلغ بعد حتى الدرجة الصفر من السياسة: أي درجة الاتفاق على عقد اجتماعي؛ وأن العقيدة السائدة صارت مجرد سردية شكلية علامتها الفارقة هي المفارقة بين الإصرار على تماميّة الطقوس والاستهتار بمكارم الأخلاق.

٭ كاتب تونسي

اضف رد