الرئيسية / home slide / عن جوزف صقر الذي “ما حدا يفكر إنّو رح يحلّ محلّو لا هلّق ولا بعدين”

عن جوزف صقر الذي “ما حدا يفكر إنّو رح يحلّ محلّو لا هلّق ولا بعدين”

21-05-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”سليمان بختي

جوزف صقر.

مضى ربع قرن على رحيل الفنان #جوزف صقر (1942-1997) الذي تميز بموهبة فطرية في الغناء وشفافية في التواصل مع الجمهور غناءً وتمثيلًا وحضورًا، أليفًا، جالسًا بقربك يغني ويشد انتباه الجميع، حيث صوته يخرج من القلب لينفذ إلى القلب، شغوفا بالفن، هو الذي نشأ في فرقة الأخوين رحباني وكواليسها وأجوائها وكان استمرارا أساسيا أيضا في كل أعمال زياد ومسرحياته.

لم يتكلف جوزف صقر عبء النجم ولا نمطيته ولا ادعاءه بل نزل من قرطبا إلى أنطلياس فإلى رأس بيروت، في الحمرا حيث أورلي وبيكاديللي، مثل الهابط من قريته ليقول “كلمتين حلوين ويرجع”. لم تبهره الأضواء فبقي على عفويته وطيبته وبساطته على المسرح وفي الكواليس وفي المعاناة مع شجون الحياة، يؤدي دوره ويغني بدقة المحترف وشغف الهاوي. لم يكن المطرب أو الممثل بل كان جوزف صقر. عندما سئل عن دبلومه الأكاديمي قال: “حصلت عليه منهم، من المدرسة الرحبانية”. بالصعود المتين من الكورس إلى الأغنية ومن الكومبارس إلى الدور، استطاع أن يكسب ثقة الأخوين بموهبته وإيجابيته واستعداده وحرصه وتفانيه، ما دفع منصور رحباني إلى القول: “جوزف هو ابننا تربى معنا وبدأنا معا درب الفن الطويل… جمعنا العيش المشترك ومهرجانات بعلبك ورحلاتنا الفنية كلها. جوزف صقر فنان يميزه إلتماع خاص في صوته ونبرته الحنونة. صوته لم يعرف الشيب فكأنه شلال عذب من أعلى قمم لبنان، صادق في كل ما يعمل، ساخر أجاد فرح الحياة العادية بكل ظروفها بضحكة ساخرة وبعبثية متمردة وبلهجة شعبية قريبة للقلب ومن قلب الواقع”.

ولد جوزف صقر في قرطبا 1942 لكنه نشأ في بيروت وتعلم في مدارسها. عمل مدرسا للغة الفرنسية قبل أن يلتحق بالفرقة الشعبية اللبنانية لتبدأ مسيرته مع الأخوين رحباني. ذات مرة كان يدندن وراء الكواليس عندما سمعه زياد فأتى بالبزق ليعزف له ويشاركه الغناء وارتجالياته الطربية ولتبدأ رحلة مختلفة في مسيرته الغنائية والمسرحية عنوانها زياد رحباني. دخل معه في ثنائية تمثلت في المسرحيات والتسجيلات واستمرت لأكثر من عقدين. شراكة فنية من كلمات زياد الطالعة من مفردات الناس وحياتهم وألحانه الشعبية المميزة التي غدت في حنجرة جوزف صقر أكثر عذوبة وألقا وإنتشارًا.

تعددت الشخصيات والأدوار التي لعبها مع الأخوين رحباني وتنوعت، فهو صالح أفندي في “يعيش يعيش” 1970 ومراد السمير في “ناطورة المفاتيح” 1972 وفارس بك في “لولو” 1974 والنسناس في “ميس الريم” 1975 (وكانت له تلك الجملة التي قالها لفيروز: “السكريي قناديل الراحة في ليل هذا العالم. أنا بنام بالساحة أنت إلك من هون لهون وأنا إلي من هون لهون”. وكان له ظهور في “بياع الخواتم” و”سفر برلك” مع الفرقة. وكان في مسرحيات زياد التي شارك فيها تمثيلا وغناءً: نخلة في “سهرية” 1973 وبركات في “نزل السرور” 1974 ورامز في “بالنسبة لبكرا شو” 1978 وأبو ليلى في “فيلم أميركي طويل” 1980 والمختار في “شي فاشل” 1983 والصراف البيروتي في “بخصوص الكرامة والشعب العنيد” 1993 وكذلك تاجر العملة في “لولا فسحة الأمل” 1994.

عرفت أغانيه الذيوع والشهرة والرسوخ في الذاكرة وخصوصا التي كتبها ولحنها أو شارك فيها زياد، نذكر منها: “حاله تعبانة يا ليلى” و”انا اللي عليك مشتاق” و”يا زمان الطائفية” و”يا بنت المعاون” و”إسمع يا رضا” و”مربى الدلال” و”بما إنو” و”عايشة وحدا بلاك” و”تلفن عياش”. ثمة أغان فيها شيء من الإعجاز إذ يضبط فيها جوزف صقر عذوبة الطرب مع نبرة السخرية والحضور المسرحي والعفوية الصادقة. لم يتكلم يوما عن نفسه دون أن يذكر دور زياد وفضله وإبداعه في اللحن والكلمة. هناك أغنيتان غنتهما فيروز بعد غنائه لهما لأول مرة “ع هدير البوسطة” (يروي زياد أن والده عاصي اشترى منه الأغنية مقابل 500 ليرة لبنانية لتغنيها فيروز، وزينها زياد بموال لكن عاصي سرّع إيقاعها). الأغنية الثانية هي “تلفن عياش”. في إحدى المقابلات قال جوزف صقر ان أغنية فيروز الأحب الى قلبه هي “أنا عندي حنين”. أما آخر تعاون له مع زياد فكان في شريط “بما إنو” 1996 وكان الغناء مشتركا. رغم عمله مع زياد لم يترك العمل مع الأخوين وكان يشارك في مسرحياتهما ويذهب في رحلاتهما ليغني من ألحان زياد “أنا اللي عليك مشتاق” وغيرها.

في آخر ليلة من العام 1996 أصيب جوزف صقر بنزيف معوي حاد ليتوفى في 1/1/1997 وكانت وفاته صدمة قاسية لعائلته وأصدقائه والفنانين وخسارة للغناء والطرب في لبنان. ترك غيابه تأثيرا كبيرا على زياد وأعماله. وقد سمعت في مقابلة سأل فيها الممثل السوري بسام كوسا زياد “قديش آذاك غيابو لجوزف صقر؟”، فأجاب: “عطبنا العادي. حتى لهلق ما بحب فكر بهالشي”. وكان سبق لزياد أن صرح: “ما حدا يفكر إنو رح يحل محل جوزف صقر لا هلق ولا بعدين”.

نتذكره ونردد معه “ضلي ضحكيلو يا صبية وضوي بقلبو غنية”، هو الذي كان يردد في آخر أيامه “وإن كان لا بد وغنى رح ترحلوا/ محوا الطريق”.

كتب عنه الشاعر طلال حيدرفي رحيله هذه القصيدة: “متل الدني إنت/ غزالة سارحة ونومها خفيف/ منديل الغطيطة/ ع ريف العين/ عالي وعم يلوح لتاني ريف/ عيونك فيهن ريحة شتي/ وبمراية الدمع شفت الطقس كيف”.

لم تؤرشف وتوثق أعمال جوزف صقر بما يليق بفنان من وزنه، لكن المخرج مروان القسيس أنجز شريطا وثائقيا عنه (75 دقيقة). جوزف صقر ظاهرة فنية حفرت طريقها الأصيل في زمن الكبار. تجربة جديرة بالدرس والتكريم والإعتبار.