الرئيسية / home slide / عن جريِس والموتُ السبيسيال

عن جريِس والموتُ السبيسيال

03-10-2022 | 00:00 المصدر: “النهار”

روني ألفا

روني ألفا

تعبيرية.

كانَ في بيتنا “#ديوتيرم“. الذين لا يعرفونَ هذه المدفأةَ المصنوعةَ من بطنٍ فولاذيٍ مزودٍ بشبّاكٍ صغيرٍ لإدخالِ “الناريد” لم يكونوا “أپ تو ديت “.

أن تكونَ “أپ تو ديت” يعني أن تواكبَ كلَّ صرعاتِ الإختراعات. في السبعينات كان الديوتيرمُ “صوبيا” عصريةً تتغذى بقطعِ “الناريد” وهي عبارةٌ عن بلوكاتٍ مَضغوطة من الأعشابِ اليابسةِ الملتوتةِ بالكازِ تؤمِّنُ الإحتراقَ داخلَ المدفأة.

كانت الطبقةُ المخمليةُ في #لبنان تمتلكُ “الشومينيه” بعدَّتِها الفخمةِ من الملقطة إلى الفرشاة والمجرود إضافةً إلى كلِّ مخزونِ الحطبِ باهظِ الثَّمَن، وكانت الطبقاتُ الوسطى تتباهى بالديوتيرم وإن كانت كلفةُ اقتنائه وصيانته أقلَّ بأضعافٍ من كلفةِ اقتناءِ وصيانةِ “الشومينيه”.

أما الطبقاتُ الفقيرةُ فلم يكن لها حولٌ ولا قوةٌ الا بالله العلي العظيم بالدرجةِ الأولى ثم بالـ “الجِفت” ثانيًا والمقصودُ به عجو الزيتونِ الذي كان يتحوّلُ بعد جمعهِ وتنشيفهِ وتيبيسهِ إلى حطبٍ يستدفئُ به الفقراء.

مذ وعيتُ على الدنيا والدنيا طبقات. في المأكَلِ أيضًا طبقية. عندما كان الأغنياءُ يشترونَ كاڤيار البيلوغا من كَبِدِ السمكِ بمئاتِ آلافِ الدولارات كان “المُسَكِّجونَ” الذين “يَرُكّونَ” على الباذنجانِ يطلقونَ عليه في اوروبا إسمَ “كاڤيارِ الفقراء” لأنه كان بخسَ الثمن وعظيمَ الفائدة وحلزونيَّ التحوّل. عشراتُ الطبخاتِ يدخلُ فيها الباذنجانُ كما يدخلُ النعسُ في العيون هذا ناهيكَ عن فوائدهِ المضادةِ للأكسدة.

نعم. في #الموتِ أيضًا طبقية. فرقٌ شاسعٌ أن تموتَ “كلاس” أو أن تنفقَ مثلَ نفوقِ الغنم. بين خشبِ الصَّحاحيرِ وخشبِ الأرز يكمنُ البَونُ الشاسعُ بينَ الموتِ العادي والموتِ السبيسيال وبينَ الموتِ المُزَمرَكِ بحيِّزٍ ضيّقٍ وموتِ المقابرِ الخاصة المزينةِ بملائكةٍ من رخامٍ وبلاطٍ من مرمر.

أخبَرني جِريِس وهو معاونُ صديقٍ عن قصةِ وفاةِ والده تقشعرُّ لها الأبدان. معاونٌ وفِيٌّ يتحدَّرُ من قرية لبنانيةٍ تاريخيةٍ استرسلَ على كأسِ عرقٍ مبحبحٍ في تلاوةِ قصةِ والده الذي ارتقى من طبقةِ الشعب الى الطبقةِ الأرستقراطية لأنه دُفِنَ مرَّتَين. مرّةً بميتةٍ عاديةٍ وأخرى بميتةٍ سبيسيال.

بعد سبعِ سنواتٍ تقرّرُ السلطاتُ إيداعَ جثمانِ #أبو جِريِس في حفرةٍ جماعية. يعترض جِريِس ويقرِّرُ نقلَ والدِه إلى مدفنٍ آخر. لم يجد سوى مقبرة أحدِ أعيان البلدة ملاذًا له. مقبرةٌ أرستقراطيةٌ “كْلاسّْ” فيها ما يتّسعُ لأكثر من مرحوم.

كان على جِريِس أن يتأَكدَ أولًا من انه يحملُ والده لا مَرحومًا آخر. ليس ممتعًا أبدًا ان تتعرفَ على ما تبقى من والدكَ بعد سبعِ سنوات. بعدَ جهدٍ جهيدٍ وتحتَ جنحِ الظلام وبعد أن سقطَ جثمان الفقيد أرضًا بفعلِ تختخةِ خشبِ المحملِ وصلَ المرحومُ سالمًا واستلقى إلى جانبِ زميله مالكُ المقبرة.

ماتَ “أبو جِريِس” ميتةً أولى “إنجباريّةً ” ودُفِنَ كما أسماكُ السردين في العُلَب ثم تيسَّرَتْ له ميتةً ثانيةً بهمَّةِ إبنِه البارّ جِريِس الذي حملَهُ على راحتيه وأمَّنَ له ميتةً ملكيةً إلى جانبِ أحدِ الأعيان التاريخيينَ في البلدة.

لم أهتم أبدًا بالتأكدِ من صحةِ الرواية. أمنياتي أكَّدَت لي أن المرحومَ والشخصيةَ البارزةَ صارا صديقين يتساكنان الرخام والمرمر. صارا متعادلين ومتساويين. الحياة تقسِّمُ والموتُ يوحّد.

” آنّْ” الإبنةُ الصغرى لشارل ديغول وُلِدَت مصابةً بمتلازمةِ داون. همسَ ديغول في أُذن زوجته إيفون خلال مراسم دفنِ آنّْ وكان عمرها عشرينَ سنة كلماتٍ للتاريخ: الآنَ صارت آنّْ مثلَ كلِّ الناس “.

في مقبَرةٍ مصوّنةٍ في بلدةٍ لبنانيَّةٍ عريقةٍ أكتبوا معي: أعطِنا ربّي أمثالَ جريِس حتى نعيشَ “عادي ” ونموتَ “سبيسيال. “