عن بيروت وسرّها

الياس خوري
القدس العربي
14052019

فوجئت وأنا أستمع إلى محدثي، الذي لم يجد في العالم العربي كله مكاناً تُقام فيه مجموعة من المحاضرات عن صفقة القرن، غير بيروت.
قال الصديق العراقي إن بيروت لا تزال المكان الوحيد في العالم العربي الذي يتمتع فيه المثقفون بالحد الأدنى من حرية التعبير.
أفرحني هذا الكلام وأحزنني في آن معاً.
أفرحني لأنني أحببت مدينتي بصفتها أرض تفاعل ثقافي عربي، ومكاناً يستقبل المثقفين الهاربين من القمع والعسف. فميزة بيروت التي صنعت معناها في الماضي القريب، تجسّدت في كونها عاصمة عربية، بل العاصمة الوحيدة التي تحتفي بالمختلف والمتمرد والجذري. هذه هي بيروت التي أحببتها، بيروت السورية مع خالدة سعيد وغادة السمّان وأدونيس وسليم بركات وصادق جلال العظم وياسين الحافظ ونزار قباني، وبيروت الفلسطينية مع سميرة عزّام وغسان كنفاني وإحسان عبّاس ومحمود درويش ومعين بسيسو وتوفيق صايغ وكمال بلاطة، وفيصل درّاج، وبيروت الأردنية مع غالب هلسا ومنى السعودي وأمجد ناصر، وبيروت العراقية مع سعدي يوسف ولميعة عباس عمارة وعالية ممدوح وصادق الصايغ وجليل حيدر، وبيروت المصرية مع غالي شكري ومحجوب عمر ورؤوف مسعد ومؤلفات جيل الستينيات، وبيروت السعودية مع عبد الرحمن منيف وعبد الله القصيمي، وبيروت مجلات «شعر» و«الآداب» و«الطريق»، وبيروت مركز الأبحاث الفلسطيني ومؤسسة الدراسات، وإلى آخر ما تفتّق به الوعي العربي، في مغامرة البحث عن الحرية.
وأحزنني، لأنني شعرت أن الفسحة البيروتية ضاقت إلى حد الاختناق، وأن قدرة المدينة على أن تلعب جزءاً من دورها السابق باتت مهددة في زمن «السلطة القوية»، التي تستقوي على الناس عبر إفقارهم وإذلالهم.
هل ماتت تلك البيروت؟
لقد جرت ثلاث محولات لقتل المدينة:
المحاولة الأولى كانت عبر التدخل العسكري الذي قام به النظام السوري، وهو تدخل جعل من الحرب الأهلية اللبنانية حجته، كي يقضي على نبض الحريات في المدينة، عبر الخوف والتخويف.
المحاولة الثانية صنعها الاحتلال الإسرائيلي للمدينة، وكان الإسرائيليون يريدون محو بيروت وقتل فكرة المقاومة. قصفت بيروت بوحشية وأجبرت على انتخاب رئيس جاء على ظهر دبابة إسرائيلية، وغرقت المدينة في دم ضحايا مجزرة شاتيلا وصبرا.
لم تنجح هاتان المحاولتان في تدمير روح المدينة، لأن بيروت لم تكن تدافع عن نفسها فقط، بل كانت تشكل الحائط الأخير للثقافة العربية في تطلعها إلى بناء فسحة للحرية، ومركزاً لمقاومة الاحتلال والاستبداد.
لكن حين اجتمع هذان المشروعان التدميريان مع اجتياح الطوائف اللبنانية لبيروت، بدأت المدينة تخبو، وتحولت إلى عاصمة للانقسامات اللبنانية بعدما كانت عاصمة لوحدة ثقافية عربية متمردة، هي نقيض عنصرية الاحتلال الإسرائيلي وأنظمة العسكريتاريا التي حوّلت فكرة العروبة إلى ممسحة لأحذية الضباط ورجال المخابرات.
أي أن المحاولة التدميرية الثالثة التي صنعها أمراء الطوائف اللبنانيون أعطت المحاولتين المتزامنتين القدرة على تدمير روح المدينة، وترييف ثقافتها، وتهميشها.
سمير قصير الذي كتب تاريخ بيروت، قضى اغتيالاً وهو يدافع عن شرف المدينة، كأن موته التراجيدي كان الإعلان الأخير بأن بيروت دخلت في عصر ممحاة القمع التي صنعها الاستبداد داخل سياقات الحرب الأهلية الدائمة، وسلامها الهش.
لقد ارتبط وعينا الثقافي في هذه المدينة بلحظة مديدة امتزج فيها الحلم بالخوف.
الحلم بأن نكون طليعة التغيير في المشرق العربي، وحاملي شعلة عصر جديد، تعلو فيه قيم الحرية والعدالة والمساواة.
والخوف على هشاشة المكان البيروتي-اللبناني، الذي قام على توازن دقيق بين نظام سياسي هرم، وبين توازنات المنطقة التي كانت عاجزة عن خنق مساحة الحرية البيروتية.
نمت حريتنا على أطراف توازنات الطوائف العاجزة عن فرض هيمنة إحداها، ومن توازنات إقليمية ودولية، جعلت من لبنان أرضاً لا يملكها أحد بمفرده لكنها تتسع لصراعات الجميع.
وحين انفجرت الحرب الأهلية عام 1975، لم نفهم أن ما يجري في لبنان كان بداية أفول العرب بعد هزيمة 1967، و«نصر» 1973 الذي كان تكريساً للهزيمة.
بقيت بيروت معلقة في فراغ لا يمتلئ، خروج المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي عام 1982 أعلنا ولادة بديلين مقاومين، المقاومة الوطنية اليسارية والمقاومة الإسلامية. وانسحاب الجيش الإسرائيلي من أغلبية المناطق اللبنانية التي احتلها عام 1982 أعاد الجيش السوري إلى بيروت، كما انفجرت الصراعات الداخلية من جديد، من حرب الجبل إلى حرب المخيمات. وعندما أُخرجت الآلة العسكرية السورية من لبنان عام 2005 في انتفاضة الاستقلال، عاد الصراع الطائفي الإقليمي من جديد وصولاً إلى 7 أيار-مايو 2008.
بيروت تعيش اليوم في نظام سياسي هجين، ويواجه لبنان الحصاد الاقتصادي المرّ لحكم طبقة أمراء الحرب بفسادها وإفسادها، وحكم طبقة رأسمالية ريعية بنكية قادت البلاد إلى الإفلاس.
ماتت الصحافة، واندثرت المجلات الثقافية، ولولا فصلية «بدايات» التي يصدرها فواز طرابلسي، ومجلة «الآداب» بصيغتها الإلكترونية الجديدة، لقلنا إن الثقافة فقدت كل منابرها، أما الإعلام المرئي فقد تحوّل إلى مرآة للانحطاط وساحة للفضائح التلفزيونية، المدوّنون يلاحَقون، والأمن المتحالف مع المرجعيات الدينية- الطائفية يفرض رقابة صارمة على الإنتاج الفني، وقوى التغيير تزداد هامشية.
ومع ذلك يأتي من يقول لك إن بيروت هي المكان الذي يملك هامشاً صغيراً من الحرية في هذا المشرق العربي المسوّر بالقمع والدم.
هل هذا هو سرّ بيروت، مدينة لم تتخلَّ عن قدرتها على الغواية، فجعلت من سرها سحراً؟ أم مجرد حنين إلى أزمنة مضت؟ أم آخر ما تبقى من حطام المشرق العربي؟
طوال سنوات الحروب المستمرة، كنا نعتقد أن بيروت صنعت هويتنا من مزيج هوياتها، وأن الإقامة على حافة الموت تعطي عملنا الفكري والثقافي نكهة الحياة، وتلوّن أيامنا بالضوء المضرّج بالأسى.
لكننا بتنا نشعر أن الحافة البيروتية مهددة بالسقوط في الهاوية. فبيروت النابضة بالحياة كانت رهاناً ثلاثي الأبعاد: تحرر فلسطين وحرية سورية واعتاق لبنان من حكم الطوائف.
هل لا نزال قادرين على متابعة هذا الرهان؟
بعد كل خساراتنا لم نعد نملك ما نخسره، لذا نراهن على الخسارة نفسها، علناً نستطيع بصمود ما تبقى من كلماتنا أن نحمي لغتنا من الموت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*