الرئيسية / مقالات / عن الفندق الآمِن

عن الفندق الآمِن

تحتشد ذكرياتي عن فندق البريستول إلى حد يعطِّلني عن الكتابة عنه في مناسبة الإعلان الحزين عن إقفاله ولا أعرف حتى اللحظة من أين أبدأ ومن أين أنتهي. ومع أن هناك من هو بل من هم أكثر معرفة مني بكثير في خبايا هذا الفندق وتاريخه الطويل فإن لديّ من الذكريات الصالونية فيه ما أشعر أنه يعطيني بعض الحق في الكتابة عنه.

كانت كلاسيكيته، مبنىً وأثاثاً، جزءا من أمان بيروت عندما تفتقد أمانَها. ولطالما عجّت بيروت بالميليشيات التي تبني قانونها بالخروج على القانون، وهو يقفل اليوم ويتركنا يتامى في بيروت تعج بلصوص ودائع الناس.. مصارف خاوية كأنها دكاكين فارغة أو كأنها فروع مخابرات في أحياء مدينة عالمْ ثالثية تثير السخط بقدر ما تثير الخوف بسبب ما تعرّض له اللبنانيون من سوء معاملة داخلها. هو نوع خاص من رهاب المال المفقود.

إقفال البريستول في بيروت الفارغة من الحياة ككل مدن العالم في جائحة كورونا هو إذن علامة على موت حقيقي، لكن ليس راهناً بل بعد أن نصحو من كابوس كوفيد 19. علامة موت سيأتي وما وصل منه سوى “طلائعه”.

لا نعرف بعد ماذا سيحل مكان الفندق مع كل الأمل ولو الضعيف، في أن يبقى فندقاً بمبناه نفسه.

شخصياً ولعل كثيرين مثلي أيضا، كانوا يتمنون لو احتفظ بطابع أثاثه الكلاسيكي العائد إلى الخمسينات من القرن المنصرم. ولكن يبدو أن أصحابه قرروا “تجديده” عام 2013 فألغوا الأثاث القديم ما عدا “الصالون الدمشقي” الرائع بخشبه المزخرف، الغاية في الذوق، والفخامة، والدقة الحرفية.

لا أستطيع فعلاً الآن أن أحصي عدد المناسبات من محاضرات إلى مؤتمرات إلى ولائم إلى أعراس وبعض التعزيات التي حضرتها أو شاركتُ فيها كذلك الجلسات الخاصة مع أصدقاء أو سياسيين أو فنانين وشعراء وصحافيين لبنانيين وعرب وأجانب. هذه كلها ذكريات طبيعية لمواطن مثلي ينشط في الشأن العام. فالبريستول كان أحد محاور الحياة العامة الأساسية في بيروت. لكن الذكرى التي أحتفظ بها، بل الذكريات، هي في فترة حصار بيروت عام 1982 ثم احتلالها التي امتدّت بضعة أشهر. بقيتُ في بيروت بينما ذهبتْ زوجتي رغدا مع ابنتيّ عزة وديالا إلى دمشق حيث منزل أهلها ولم تكن ابنتي الثالثة مروى قد وُلِدتْ بعد.

كان البريستول يقع في منتصف الطريق تقريبا بين منزلي (السابق) في ساقية الجنزير وبين مبنى جريدة “السفير” حيث كنتُ أعمل. صرت مع بعض الأصدقاء نتواعد للقاء في البريستول وتحديدًا في الكافيتيريا الموجودة تحت الأرض. أحيانا مرتين في اليوم الواحد وأحيانًا مرةً كل بضعة أيام.

لطالما عندما كان القصف الإسرائيلي يشتدّ على غرب بيروت كنا نجد أنفسنا مضطرّين للبقاء على مقاعدنا وقضاء معظم الليل في الكافيتيريا. مع الوقت صار هناك ما يمكن تسميته “مجتمع” كافيتيريا البريستول المكوّن من عائلات مقتدرة قليلة كانت تقيم في الفندق ولجأت إليه من منازلها المشرّعة على القصف والإصابة، أو أفراد نزلوا في الفندق وكلهم وجدوا فيه ملاذًا للخدمة المريحة من ماء وغذاء، إضافة لنا، مجموعة من الصحافيين والسياسيين الذين كانوا يأتون لتناول طعام الغداء أو العشاء في الكافيتيريا التي كانت فعلاً مكاناً آمنا حقيقياً بأسعار وجبات مقبولة، على الأقل بالنسبة لي وبعض الزملاء..

أستطيع القول بلا مبالغة أنني أنفقتُ خلال أربعة أشهر معظم مدخراتي على تناول الطعام في كافيتيريا البريستول التي كانت تمنحنا أماناً وطعاما متنوعاً بل أذكر أن عربة الحلويات الغربية الشهية ذات الغطاء الزجاجي المتنقّلة بين الطاولات لم تغب يومًا واحدًا عن خدمة الزبائن. وكنت معجبا بهذه القدرة من إدارة البريستول على الاحتفاظ بهذا المستوى الرفيع من الخدمات في ظل حصار وحرب متوحِّشتين.

مع الوقت كان هؤلاء “اللاجئون” إلى البريستول قد أخذوا يتحولون إلى “مجتمع” صغير كما سبق لي القول. صداقات ودية لم تحل سرعتُها دون أن تكون صداقات. الجحيم الخارجي كان يسهّل التواصل والحوارات بينهم.

أذكر ظهيرة اليوم التالي لانتخاب بشير الجميل رئيساً للجمهورية وكنتُ أتناول طعام الغداء في الكافيتيريا مع شقيقتيّ هيام ومها العائدتين، كلٍّ منهما، من أعمال إسعافية واجتماعية تطوعية خلال الحصار… ظهيرة ذلك اليوم شهدت الكافيتيريا احتشاداً غفيراً من السياسيين والصحافيين المعارضين للانتخاب والمصدومين بما ظهر يومها وكأنه بداية حقبة صعبة مجهولة. كان بعض السياسيين الموارنة الذين بنوا صلاتٍ تفاهم مع بشير، كما بعض المعارضين الموارنة حاضرين أيضاً حول عدد من الطاولات.

كان الكثير من مشتَّتي الحركة الوطنية من قيادات ورموز معروفة موجودين. المؤيدون بدوا وكأنهم في أحاديثهم يحاولون “تبليع” الأمر الواقع الجديد لهذه البيئة المعارضة ولبعض السياسيين المسلمين الصامتين يومها. كان انتخاب بشير قبل 24 ساعة عجيب التأثير في تلك الساعات في كافيتيريا البريستول. لم تكن بداية حقبة… على وجوه مخضرمين عديدين بل كانت نهايتها. التكوين “العسكري” للضحكات العصبية المندلعة من بعض زوايا الكافيتيريا كان يختلط بالوجوم “المدني”. اختفت الوجوه الفلسطينية من القاعة ولكن كانت وجوه الرموز اللبنانية الحليفة لمنظمة التحرير موجودة، بكثافة ذلك اليوم. لم أفهم سر هذا الاحتشاد التلقائي غير أن عامِلَيْن اثنين ربما فسرا ذلك:

الأول – بدا انتخاب بشير وكأنه انتقال إلى حقبة لبنانية صرف سواء من الصراعات أو التحالفات وكنتُ آتيًا من جريدة السفير التي كانت تعيش جو هزيمة سياسية كاملة. جاء الصحافيون والسياسيون ورجال الأعمال والعديد من فضوليّي الشأن العام ليستطلعوا المرحلة الجديدة.

الثاني – كان “المهزومون” نظريًا أو عمليًا في قاعة الكافيتيريا يعيشون لحظات تحدٍّ. كأنما كانت الضحكات العالية نوعاً من إنكار الواقع الجديد الذي لم يدم طويلًا بهذه الحدة كما ستنبئنا الأحداث سريعاً بعد اغتيال بشير لتعود الحرب الأهلية وتكشف عن مرحلة جديدة من انفجار طبقاتها العميقة المحتقنة بين اللبنانيين ومعها اتضاح خاسرين ورابحين جدد في سنوات طاعونية بين 1982- 1988 لا كورونية لم تتمكن من إغلاق فندق البريستول.

هناك فنادق أفخم بكثير من البريستول في العالم لم تكن تحرك لديّ الشعور بالأناقة. وهناك فنادق أكثر مدعاةً لشعور الزبون بالأناقة مما كان عليه البريستول. لكن البريستول وبسبب موقعه وشخصيته العمرانية وخصوصاً قبل تجديد أثاثه كان نوعاً من السراي الذي يدخله الجميع لا الباشوات فقط. عندما تكون داخله، لأي سبب كان، فأنت في احتفال حتى لو لم يكن هناك شخص واحد في “اللوبي”. كأنما ينتظرك صف من المضيفين في عرس أو كوكتيل أو ندوة فكرية يحضرها بعض من هم لابسو صنادل وليس أحذية.

فعلها الكورونا أخيرا… وأقفل الفندق. وكما قال لي صديقٌ: شهد البريستول موت حقبات ومؤسسات كثيرة. هذه المرة هو الذي مات. لتحمِ الآلهة فندق البستان.

jihad.elzein@annahar.com.lb

Twitter: @ j_elzein

اضف رد