الرئيسية / أضواء على / عن السفر… وأجنحة الكتابة

عن السفر… وأجنحة الكتابة

 


إبراهيم نصر الله
Sep-20
القدس العربي

أدين لبعض المدن بالكثير، لجمالها وعمقها وتاريخها، بتقاطعها مع تلك اللحظة النفسية الخاصة غير العادية، التي زرتها فيها. وقد أعطاني السفر الكثير، وأهم ما أعطاني إياه تلك الكتب التي نمت في رحم المدن التي زرتها، وكتبتها بعد ذلك:
في البداية، حين أمضيت عامين من حياتي مُدرِّسا في السعودية، في منطقة (القنفذة)، ومعايشتي عذابات تلك المنطقة التي كانت تنقلب إلى موت فتختطف أطفالا أُعلِّمهم، أو مدرسين أزاملهم، بسبب الملاريا والسّلّ، وكل تلك الأمراض التي كانت مستوطنة هناك في تلك الأيام.
تلك التجربة، أعطتني روايتي الأولى (براري الحُمّى)، التي قلت عنها: كان عليّ أن أفهم عذاب الآخرين وأكتب عنه حتى أفهم عذابي أكثر. ومن يعرف، إن كنت سأصبح روائيا أم لا، لو لم أذهب إلى هناك وأكتب تلك الرواية؟
بعد ذلك، ولزمن امتد، أعطتني بعض المدن الكثير من القصائد، بيروت أولها، ثم اليمن، وعدن بالذات، وفي أحيان أخرى حمل بعض الأصدقاء مدنهم إليّ، فكتبت عنها، مثل الخرطوم التي كتبت لعازف الجيتار القادم منها واحدة من قصائدي الطويلة: حوارية الغريب.
المدن يمكن أن تأتي إلينا كما نذهب إليها، وأحيانا تأتينا دون أن تأتي إلينا عبر أشخاص يحملونها على أكتافهم، كما حمل ذلك الفلسطيني مدينة القدس في لوحة الفنان سليمان منصور!
وهناك أيضا:
زيارة للضفة الغربية، قبل الانتفاضة الأولى بشهور، كانت الشرارة التي أوجدت كتابا، أو سيناريو، أو رواية (الأمواج البريّة)، مع أنني حين ذهبت لم يكن مشروع الكتابة واردا عن الزيارة، لكن الصديق (محمد كعوش)، وقد كان رئيسا لتحرير مجلة أعمل فيها، ظل يطالبني بكتابة صفحتين للمجلة عن تلك الزيارة، وحين جلست لأكتب الصفحتين بعد أشهر، اكتشفت أنني كنت أكتب كتابا، ولذا، سأظل مدينا لإلحاحه، هذا الإلحاح الذي تكرر بعد سنوات، من صديقي الكاتب والروائي فاروق وادي، وقد كان يسمعني، بعد كل سفر أتحدث عن بعض ما رأيت وعشت، وهكذا وجدت نفسي، بتحريض منه، أكتب كتاب (السيرة الطائرة) واكتشف أنني أتذكر أكثر مما أنسى، وهي تجربة أدرك الآن أنها لم تعطني كتابا وحسب، بل أعطتني الذكريات التي عشتها في ذلك الزمن، وكان يمكن أن يكون كثير منها قد تلاشى، أو بهت، أو خبت ناره الآن.
هذا الكتاب هو تأملي الأوسع لنفسي وللعالم ولجماليات البشر في السفر، ربما.
رواية أخرى، منحني إياها السفر؛ فذات يوم، عقب احتلال الكويت، كنت مسافرا، وإذا بالمطار يعج بمئات الأطفال والنساء الفلسطينيين الذي لا يحملون غير وثائق سفر، وكانوا خارجين من الكويت، لا أحد يريد استقبالهم، وفي تلك اللحظة انفجرت كل التجارب القاسية التي عشتها أو سمعت عنها، لتولد في رواية (مجرد 2 فقط)، نُشرت الرواية، لكن نهايتها المفتوحة ظلت مشرعة بما يتجاوز اتساع صفحاتها الأخيرة، فأولئك الفلسطينيون الذي لم يستقبلهم في تلك الأيام سوى النظام الليبي، وجدوا أنفسهم، فيما بعد، مطرودين، ليعيشوا أقسى أيام حياتهم في الصحراء بين مصر وليبيا، لأن القذافي قرر إبعادهم عن أراضي الجماهيرية ليعودوا إلى وطنهم، وكأن ذلك الوطن تحرر على يديه، ويدي كل جماهيريات ومملكات وجمهوريات الخراب العربي، ولم يعد هنالك من عذر للفلسطيني أن يبقى في أرض شتاته بعد أن حرروا له مدنه وحقوله وبياراته.
في مطلع التسعينيات من القرن الماضي، سافرت وفرقة «بلدنا» التي كتبت لها كثيرا من أغانيها إلى أمريكا، في جولة لصالح الانتفاضة الأولى، وقد كانت جولة مثمرة حقا لدعم الانتفاضة، كما أتيحت لنا زيارة خمس وعشرين مدينة خلال ثلاثة أشهر تقريبا، لكن الشيء الذي كنت مُصرّا عليه، قبل ذهابي، أنني لن أكتب عن تجربة زيارتي لأمريكا، لا لشيء، إلا لأنني أرى كل من يذهب إليها من الأدباء يكتب عنها! وبالتالي، فلقد رأيت الكثير ودفنته داخلي، بذلك القرار الذي يمكن أن أصفه بأنه كان تعسفيّا.
أشهر كثيرة مرت، وذات يوم، في الرابعة صباحا، نهضتُ ومضيت إلى طاولتي، كالسائر في شِعره، وليس نومه! وبقيت أكتب حتى الثانية عشرة ظهرا بصورة متواصلة، إلى أن أنهيت القصيدة الطويلة التي شكلت مع قصيدة أقصر منها، فيما بعد، ديوان (فضيحة الثعلب).
علمتني تلك التجربة ألا أتخذ قرارات صارمة إذا ما تعلق الأمر بالكتابة، وعلمتني أن أفضل ما يمكن أن يحدث لك ككاتب، أن تُولد أعمالك رغما عنك، وإذا حدث هذا فإن عليك أن تكون سعيدا، رغم كل عذابات الكتابة ومعاناتها.
خلال رحلة لدمشق الغالية، في مطلع الألفية الثالثة، التقيت صديقا حدثني عن حكاية قرأها في الصحف، عن امرأة عجوز وعلاقتها بقريتها، وعلى غير عادتي، لم أدون تلك الحكاية في عدد من الأسطر كما أفعل غالبا، لأنني لا أثق في ذاكرتي، لكن الحكاية الصغيرة ظلت تدور إلى أن التقت بحكاية أصغر منها، بعد ست سنوات أو أكثر، حكاية جدةٍ روتها الحفيدة، وهي قصيرة جدا. عندها أحسست أن الحكاية الثانية أكملت الأولى، وهنا بدأت العمل على الحكايتين، إلى أن اجتمعتا في رواية قصيرة تصدر العام المقبل!
وهناك بعض المدن نعيشها كما نعيش أنفسنا، رغم أننا لم نرها بعد.
غزة من النوع الأخير من هذه المدن.
لم يتح لي أن أزور غزة حتى الآن، ولكن بعض القراء يعتقدون أنني عشت عمري كله فيها، فقد كتبت عنها ثلاثة كتب: ديوان «الحوار الأخير قبل مقتل العصفور بدقائق»، وديوان «مرايا الملائكة»، ورواية «أعراس آمنة».
غزة هي الاستثناء هنا، بين كل المدن التي تعلّقت بها روحي وتعلّق بها قلبي.
وبعد:
في الحقيقة، كان السبب في كتابة هذا المقال، هو أنني أردت أن أتحدث عن مدينة برلين وما تركتْه فيّ من أثر، برلين التي زرتها قبل أسبوع للمشاركة في نشاطات المهرجان العالمي للآداب، وكانت تلك زيارتي الثالثة لها، لكن يبدو أن برلين لن تقبل إلا بمقال خاص بها!

اضف رد