الرئيسية / مقالات / عندما يموت العقل في لبنان

عندما يموت العقل في لبنان

أحمد الغز
اللواء
http://aliwaa.com.lb/
21122019

عندما يموت العقل تتلاشى الأحلام وتتحلل المجتمعات من القيم والضوابط وتعم الفوضى والرغبة بالثأر والانتقام وتقفل آفاق المستقبل وتستغرق المجموعات والأفراد في إيقاظ جراح الماضي من الأمس القريب وصولا إلى مئات وآلاف السنين. عندما يموت العقل تسقط المعايير والمواصفات، عندها يتجرأ الجاهل على العاقل والمرتكب على البريء. عندما يموت العقل تُستباح قواعد الانتظام وثقافة الأعراف الجامعة والمانعة للتفلت والتفكك والانهيار وتعم الوقاحة وتستباح المقامات.


عندما يموت العقل تنهار الدول والمؤسسات وتسود القبلية والعصبية والطائفية والمذهبية، وتتقدم السفاهة على الفصاحة، والدجل على الصدق والالتزام، ويسود الادعاء وارتكاب المحرمات. عندما يموت العقل يتولى الكفار شؤون الأديان والبغاة شؤون الناس، ويصبح الحلال حراماً والحرام حلالاً، وتتجدد شريعة الغاب بأثواب حديثة وتستبيح وحوش عشاق السلطة كل المحرمات. عندما يموت العقل تصبح الدول الصغيرة حقول رماية لأسلحة الكبار ونزاعات الجوار ويصبح المواطنون كالفئران البيضاء تحت التجارب والاختبارات كما حدث ولا يزال يحدث في لبنان.
عندما يموت العقل يعود الحديث عن أبناء الست وأبناء الجارية وأبناء المدن وأبناء الارياف النائية، ويتقدم أدعياء الاختصاصات المحدودة على أصحاب الأحلام غير المحدودة، وعندما يموت العقل تكثر الشطارات التافهة من الزعماء الكبار والصغار الذين يحتقرون الناس ويتوهمون تفوقهم على الآخرين بالعنف او بالنسب أو بالولاءات الخارجية أو بالجريمة بدون عقاب، عندما يموت العقل تنعدم الملامح والأسماء ويصبح لا فرق بين اللا-أحد أو فلان أو فلان في ذلك التشاور البعيد كل البعد عن العقل وعن أحلام شابات وشباب لبنان.
عندما يموت العقل يصبح كل ما هو متوقع مخيفاً ومريباً ويسود الظلام وتتنطح طيور الظلام للتحكم بالبلاد والعباد. عندما يموت العقل يصبح المقاوم مقاولاً والإصلاحي فاسداً والتغييري سلفياً والحليف غبياً وحاقداً أعمى والاستشرافي الواعد انهزامياً فاشلاً. عندما يموت العقل يصبح العلماء أدوات بأيدي المستبد الظالم  وتتبدل علامات الطرق نحو النعيم ونحو الجحيم. عندما يموت العقل تنعدم الأسئلة وتكثر الإجابات ويغيب إبداع الشعراء وتصدح خطابات الببغاوات ويهج الحمام وتستوطن الغربان.
عندما يموت العقل يغامر الأغبياء في استحمار الناس ويصبح كل زعيم أو نائب أو وزير أو كاتب يحدث نفسه ليل نهار، ويعتقد أن الناس معجبة بهلوساته وحماقاته وغبائه الواضح بدون أي التباس. عندما يموت العقل تنهار كل الاكتشافات والخلاصات والتجارب والابتكارات وآفاق التجدد الانسيابي في رحلة شغف الإنسان بالمجهول وحلمه الدائم بمعرفة ما لا يعرف والمتوالد في خيال الأجيال. 
عندما يموت العقل في لبنان يحدث ما نشهده منذ أسابيع طوال من محاولات خداع الناس بالتأويل والتفسير بين الثورة والثوار والانتفاضة والحراك وأصحاب الاختصاص والأحزاب والسفارات وتعميم الشعارات إلى حد الالتباس والعجز عن تفسير ذلك التصدع الواضح حتى الفراق بين الأجيال الصاعدة وخيالها المتجدد والواعد والجميل وبين أهل السلطة الهرمة والمنكفئة على ذاتها والقابعة خارج الزمان والمكان والتي قررت يوم خميس الاستشارات الانتحار الجماعي على أيدي أهل الاختصاص.

اضف رد