الرئيسية / مقالات / عندما يكتب مولانا…

عندما يكتب مولانا…

زياد عيتاني – السبت 21 آذار 2020
أساس ميديا
https://www.asasmedia.com/news/385791

ميزة ما يكتبه الدكتور رضوان السيّد، أنك قادر على قراءة نصّه كما تشاء من الأعلى إلى الأسفل، ومن الأسفل إلى الأعلى. دون أن يضيع منك المغزى أو تفلت من بين يديك الفكرة والرسالة التي يجب أن تصل إليك، أو أراد الكاتب أن يوصلها إليك.

كل جملة من جمله، قادرة أن تروي فيك عطشاً ما، لا بل قادرة أن تشكل نصاً منفرداً، بحدّ ذاتها. هي أشبه بشريحة دواء كل حبة منفصلة عن الحبة الأخرى. قد تحمل إحداها أو اثنتان منها شفاء، لكن كي تبرأ تماماً من الداء عليك تناول حبوب الشريحة كاملة.

مؤلم ما كتبه الدكتور السيّد في مقالتيه بموقع “أساس”، وهو يسرد هذا الكمّ من المعلومات والأسرار وتفاصيل بعض المحطات التي ربما لم تكتفِ برسم مستقبلنا لا بل ربما بإحراق ماضينا وكل ما بناه لنا من سبقنا من الكبار والعقلاء.

بقدر ما يسعى الإنسان إلى معرفة المعلومة ويبذل الغالي والرخيص للوصول إليها، بقدر ما يمثل هذا الإنجاز عبئاً على صاحبه. يثقل عليه العيش والمسير، وهذا هو الإحساس الذي يصلك مما كتبه الدكتور السيّد بعيداً عن البعد السياسي وما يمكن أن يحدثه هذا الكلام من تداعيات وردات أفعال في الداخل والخارج، لقد كان الدكتور السيّد يُنزل عن ظهره كل هذه الأحمال من خبايا خمسَ عشرة سنةً فعلت فينا نحن السُنّة ما لم تجرؤ مئات السنوات أن تفعل.

رضوان السيّد كما نحب أن نناديه “مولانا” عندما يكتب لا يكتفي بالكتابة بالقلم وعلى الورقة، بل ينقر بقلمه في جبننا وصمتنا وتخاذلنا ويكتب في عقولنا وأوهامنا وأحلامنا، كأنّه يحملنا عنوة  إلى المرآة، يضعنا بمواجهتها صارخاً بنا، انظروا إليها، إلى صوركم حاضركم وما آلت إليه أوضاعكم، يراكم فينا كل الخذلان وكل التماهي مع من آذانا وجعل عامتنا أشبه بقطيع خرفان.

بالعودة إلى مضمون النص وما حمله من بيان وتبيان كي لا أُتهم أنني على مذهب قصائد الجاهلية بالوقوف على الأطلال والحديث عن الأحبة والمكان فيكفينا ما تنطّح به وَجْهٌ ناقلاً كلام غيره مستعملاً وصف الخوارج. وبالمناسبة قبل أن نكون من الخوارج على سيده أن يكون الإمام علي بن أبي طالب، وإلاّ فاستعمال وصف الخوارج هو تأكيد على الاستمرار في الخروج عن منطق التعاطي مع الناس مع الطائفة مع الأشقاء والحلفاء وحتى مع نعمة ورثناها وبدّدناها ثم بكينا على كل ذلك كما بكى ذاك الخليفة الأندلسي فقالت له أمه حينها: “إبكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال”.

مولانا في سِنّهِ لا يعرف الاستسلام، هو يحدّد للسُنّة وللبنانيين طرق الخلاص، هو مؤمن أنّ البداية كانت في جريمة الاغتيال، إستشهاد الرفيق

في مقاليّ الدكتور السيّد أكتفي في هذه العجالة التوقف عند مقطعين الأول ذكّرنا به مولانا في مقالة له سابقة وصفها بالوداعية للحريري عام 2017 حيث قال فيها واصفاً سعد الحريري: “إن الرجل يتسم في سلوكه السياسي والإداري بأربع صفات: التفويت، الذي يؤدي إلى سوء التدبير، وسوء التدبير الذي يؤدي إلى التواطؤ. وفي كثير من الأحيان يحرق الحريري المراحل ويدخل في التواطؤ رأساً على مصلحته ومصلحة منصبه ومصالح البلاد والدستور”.

أمّا في المقطع الثاني هو ما ختم به مولانا قائلاً: “نحن السُنّة، ونحن اللبنانيين، نستطيع أن نفعل ذلك كما فعلناه من قبل بالمبادرة والشجاعة وفتح الآفاق وبكل ذلك عرفنا عبر مائة وخمسين عاماً ولنتذكر الثوابت العشر (1983) والطائف (1990) والشهداء منذ العام 2004، ودورنا في نهوض 14 آذار وكفى بالأجل حارساً”.

في المقطع الأول توصيف دقيق للعلّة أما المقطع الثاني هي وصفة واضحة لمعالجة العلّة.

مولانا في سِنّهِ لا يعرف الاستسلام، هو يحدّد للسُنّة وللبنانيين طرق الخلاص، هو مؤمن أنّ البداية كانت في جريمة الاغتيال، استشهاد الرفيق. وأنّ البداية مجدداً تكون لحظة الحقيقة والعدالة بالاقتصاص من قاتل الشهيد. من حقه ومن حقنا بعد خمسة عشر عاماً أن نطرح كل تلك التساؤلات، من حقه ومن حقنا بعد كل هذه السنوات أن نضع النقاط على حروف الكلمات.

في الختام لا بدّ من تذكير من يمتلكون أو يسيرون خلف من يمتلك صفة التفويت وسوء التقدير والتواطؤ انه عندما يكتب مولانا تُكسر الأقلام ويَصمِت الغلمان.

اضف رد