الرئيسية / home slide / عندما يخون المثقف…

عندما يخون المثقف…

27-09-2021 | 19:59 المصدر: “النهار”

إدوارد سعيد.

جو قارح

تعود ذكرى المفكر والمثقّف الفلسطيني الأصل إدوارد سعيد حاملةً معها تساؤلاتٍ و مُساءلات جمّة على طبيعة ووجود المثقفين في المجتمع في أيّامنا هذه. لقد سَطَع نجم إدوارد سعيد في بلاد الغرب أولًا في الشقّ الأكاديميّ، إذ يعدّ سعيد من أهمّ الأساتذة و المنَظّرين الأجانِب الذين اعتَلوا منابرَ الجامعات الأميركية وقد شكّل لاحقًا الجسر بين المفكّرين الفرنسيّين أمثال جاك داريدا و ميشيل فوكو والعالَم الأميركي. ثانيًا في الشّق السّياسي، حيث يعتبر من أهم المفكّرين المنادين بالقضية الفلسطينية، وتزداد قيمته في استقلاليته عن منظمة التحرير التي عادَتهُ وحظَرَت منشوراته في فترة لاحقة. وفي الشق الأخير، الشق الثقافي الإجتماعي، كان عازف بيانو ماهر جدًّا، أسّس بالتّعاون مع صديقه دانييل بارينبويم أوركسترا الديوان الغربيّ الشرقيّ جامعًا فيها مزيجًا من أطفال فلسطينيين، إسرائيليين وعرب.

غطّى إدوارد سعيد خلال مسيرته العديد من المواضيع الحسّاسة و التي لا تزال حتى يومنا هذا، نذكر منها الإستعمار و الإمبريالية، العلاقة المعقّدة بين الشرق و الغرب و نظرة هذين الإثنين لبعضهما البعض، مسألة #الإستشراق التي تناولها في كتابه الشهير “الإستشراق”، و أخيرًا و ليس آخرًا دور المثقفين.

 يرى سعيد من منظاره أن دور المثقّف ليس للتّهدئة ولا حتى لضَمان الإجماع، إنما يكمن دورُه في النقد العميق المركّز، وهو ما ضَمَنه سعيد في عطاءاته طوال حياته. فمهمة التحرّر والتطوّر لا تبنى إلا على أساس منهجيّ صلب ومتين، من هنا يبلغ المثقف دوره عندما يميط اللثام عن العقبات المستورة في المنهج القائم مقدمًّا نقدًا واضحًا وصريحًا عن الخطأ الكامن في التركيبة المنهجية وكيفية إستدراكه. كذلك يعيد لنا إدوارد سعيد صورة المثقّف الثّائر المنتفض إلى أذهاننا، فالنقد والتفكيك الذي يقدّمهما هذا الأخير لا يبلُغان مرادهما إلّا من خلال مواجهة أبديّة مع السلطة المتحكّمة. تقترب فكرة المثقف عند إدوارد سعيد من صورة الشخصية الخيالية روبن هود، فمن وجهة نظره يجب على المثقف دائمًا وأبدًا المكوث إلى جانب المضطّهدين والإستبسال معهم في مقاومة ظلم الحكام القاتل، ومفهوم المقاومة يتّسع ليشمل كل مياديين الثقافة، لا تقتصر فقط على القتال الحربيّ. فالكتابة مقاومة، والفنّ مقاومة بجميع أشكاله طالما يعبّر عن سخط ومآسي الجماعات المضطهدة أينما وجدت.

ويقول إدوارد سعيد في سياق تعريف المثقف: ” إن المثقف وهب ملكة عقلية لتوضيح رسالة، أو وجهة نظر، أو موقف، فلسفة أو رأي، أو تجسيد أي من هذه، لجمهور ما، و أيضًا نيابةً عنه. و لا يمكن القيام به دون شعور المثقف بأنه إنسان، مهمته أن يطرح علنًا للمناقشة أسئلة حرجة، ويكون شخصًا ليس من السهل على الحكومات أو الشركات استيعابه، وأن يكون مبرر وجوده تمثيل كل تلك الفئات من الناس والقضايا التي تُنسى وتُغفل قضاياها بشكل روتيني… إن الإنتهاكات المتعمدة أو الناجمة عن إهمال هذه المعايير يجب أن يُشهد ضدها وأن تحارب بشجاعة. “. ويقول أيضًا: ” إنّ مهمّة المثقّف  والمفكّر تتطلّب اليقظة والانتباه على الدّوام، ورفض الانسياق وراء أنصاف الحقائق، أو الأفكار الشّائعة باستمرار، ومن شأن هذا أن يستلزم واقعيّة مُطّردة ثابتة، ويستلزم طاقة عقلانيّة فائقة، وكفاحًا مُعقّدًا للحفاظ على التّوازن بين مشكلات الذّات عند الفرد في إحدى الكفّتين، ومتطلّبات النّشر والإفصاح عن الرّأي علنًا في الكفّة الأُخرى، وذلك هو الذي يجعل منه جهدًا دائبًا متواصلًا، لا يكتمل قطّ، ولا بد أن تعيبه عيوب.”.

كالعادة، وجرّاء محنة العقل التي يعاني منها العالم العربي أجمع لعقود، رفض أهل البيت ابنهم إدوارد. لم يعاده أحدٌ في بلاد الغرب الشاسعة رغم حدّة مواقفه في ما خصّ الشأن الفلسطيني.  في سنة 1995، حظرت السلطات الفلسطينية الرسمية بيع وشراء مؤلفات إدوارد سعيد على أراضيها بعد عدة إنتقادات لاذعة وجهها إلى رئيس منظمة التحرير ياسر عرفات منتقدًا و معاديًا بشدّة سياسته التي وصفها سعيد عدة مرات بالعاقر. بعد عدّة سنوات، في العام 2000، عادت الأمور إلى مجاريها بعد توافق في الآراء ما بين سعيد وعرفات في ما يتعلّق برفض هذا الأخير التوقيع على أيّ إتفاقية كانت في قمة كامب دايفيد.

في ذكرى إدوارد سعيد، عودة إلى الحال العربي، إلى نكبة العقل العربي ومحنته. لا يعيش العرب عصرهم الذهبيّ أبدًا، بل في الحقيقة، يعيشون أزمات أشدّ وطأةً من تلك التي عاصرها إدوارد سعيد في زمانه. لا مثقفون تعلو أصواتهم إنتفاضًا، بل فقط رثاءً ونحيبًا على ما حصل. في ذكراه دعوة لنا لإستشراق بيئتنا، تاريخنا وأزماتنا، فما حكّ جلدك مثل ظفرك.في النهاية أدع لإدوارد سعيد إنهاء المقال بنفسه: ” ذاكرتنا الجماعية صفحة بيضاء، وكأن الماضي حدث مرة ولن يعود أبدًا. لابد أن تكون الفجوة في الوعي هذه هي السبب في النوعية المريضة للخطاب الجماعي في العالم العربي، وأيضًا السبب في أن الحركات الأصولية تجد آذانًا صاغية كثيرة. ذلك أن الخطر الذي يفرضه محتكرو السلطة على البحث في التاريخ يؤدي إلى تدني الفكر التاريخي والفلسفي والأخلاقي. والحماية سمة من الضعف والرياء لا تهدف إلى الإعلام بل إلى الإخفاء. إن الإهتمام بالنفس يعني الإهتمام بالتاريخ. ونحن العرب، من بين غالبية الحضارات الحالية، نخاطر بتضييع تاريخنا بشكل شبه كامل، وعند ذلك سنخسر أي قدرة كان يمكن أن تكون لنا للبحث في واقعنا الحالي ومسؤوليتنا الماضية.”.