عندما كتبت ابنة دوستويفسكي سيرة والدها… بأسرارها

ترجمة عربية انطلاقا من أصل فرنسي يعود إلى العام 1920

علي عطا الأربعاء 26 فبراير 2020 14:52
إنديبندنت عربية
https://www.independentarabia.com/
26022020

الكاتب الروسي دوستويفسكي (موقع دوستويفسكي)

“أبي فيودور دستويفسكي”، هو عنوان الترجمة العربية لكتاب لوبوف فيودوروفنا دستويفسكايا، عن والدها، الكاتب الروسي الكبير، وقد أنجزها أنور محمد إبراهيم، وصدرت عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة، استناداً إلى الأصل الفرنسي لهذا العمل الصادر في 1920.

تتصدر الكتاب مقدمة لبوريس تيخوميروف، يعقبها تقديم المؤلفة، ثم ثلاثون فصلاً تبدأ “أصل عائلة دستويفسكي”، وتنتهي بـ”وفاة دستويفسكي”، وذلك في 358 صفحة من القطع فوق المتوسط. وبين مقدمة تيخوميروف الذي نقل هذا الكتاب إلى الروسية مستندا إلى أصله الفرنسي، ومقدمة دستويفسكايا، يرد اقتباس من يوميات دستويفسكي بتاريخ أغسطس (آب) 1880: “أعرف شعبنا، عشت معه في المعتقل. أكلت معه، نمت إلى جانبه، أعاد الشعب لي المسيح الذي عرفته في بيت والدي والذي فقدته عندما تحولت بدوري إلى ليبرالي أوروبي”.   

مؤلف “الإخوة كارامازوف” و”الجريمة والعقاب” و”قلب ضعيف” و”الشياطين”، و”الأبله”، أعتقل في 1849 لاشتراكه في جماعة بتراشيفسكي الاشتراكية، وتم نفيه إلى سيبيريا، بعد الحكم عليه بالأشغال الشاقة، وهو الذي في ظل معاناته من مرض الصرع، أبدع في الخمسة عشر عاما الأخيرة في حياته رواياته تلك العظيمة.

وجاء في استهلال مقدمة المؤلفة: “في الثلاثين من أكتوبر (تشرين الأول) 1921، تم الإعداد في روسيا للاحتفال بذكرى مرور مئة عام على ميلاد فيودور دستويفسكي. كان كتابنا وشعراؤونا بأملون في تمجيد الكاتب الروسي العظيم شعراً ونثراً؛ كما أبدت الشعوب السلافية عزمها على أن ترسل إلى بتروغراد وفودها لكي تكرم صاحب النزعة السلافية العظيم باللغات التشيكية والصربية والبلغارية، الرجل المخلص لفكرة الاتحاد الكونفيدرالي الموعود. كانت عائلة دستويفسكي في شتى الأنحاء تأمل أن يتم نشر المزيد من الوثائق (التي لم تنشر) المحفوظة في متحف موسكو التاريخي بحلول هذا اليوم. وكانت أمي تريد أن تصدر مذكراتها عن زوجها؛ وأنا بدوري كنت عازمة أيضاً على كتابة بحث بيوغرافي عن أبي وأن أشارك الجمهور العريض انطباعاتي عن طفولتي”.

على أن هذا “العيد الرائع” لم يتحقق، تقول دستويفسكايا، مشيرة إلى “عاصفة عاتية اجتاحت روسيا لتجرف أمامها كل حضارتنا الأوروبية”. وتوضح أنه “بعد الحرب المشئومة اندلعت الثورة، التي تنبأ بها دستويفسكي قبل ذلك بزمن بعيد، وتحولت الفجوة بين فلاحينا ومثقفينا في النهاية إلى هوة سحيقة”. وتضيف: “المفتونون باليوتوبيات الأوروبية كانوا يتطلعون إلى الغرب، بينما ظل الشعب اللمخلص لتقاليد أسلافه يرغب في التوجه إلى الشرق. المثقفون الروس: العدميون والفوضويون، كانوا يحاولون أن يفرضوا الإلحاد الأوروبي على بلادنا، أما مَن كان تديُنهم عميقاً، فأرادوا أن يبقوا على إخلاصهم للمسيح. الآن نحن نرى نتائج هذا الصراع. لقد أزاح الشعب الغاضب المثقفين، الذين كانوا يأملون أن يفرضوا سلطانهم على روسيا بدلاً من القيصر، وأن يحكموها وفقاً لخيالاتهم، باعتبارهم كائنات غبية وضارة. وها هم الآن مشردون في أوروبا وقد غلبت عليهم الكآبة”!

بداية السيرة 

في الرابع من أكتوبر (تشرين الأول) 1866 يتعرف دستويفسكي على أنَّا جريجوريفنا ذات العشرين ربيعا. وفي 15 فبراير (شباط) 1867 تزوجا. توفي دستويفسكي ي 28 يناير (كانون الثاني) 1881 بعدما أنجب سونيتشكا وأليوشا اللذين ماتا في عمر الطفولة. وهو أنجب كذلك لوبوتشكا وفيودور. لوبوتشكا التي كتبت سيرة أبيها، وتحققت لها بذلك شهرة واسعة، ولدت في 14 سبتمبر (أيلول) 1869.

تقول دستويفسكايا: “إن التفاصيل غير المنشورة من قبل عن حياة أبي، التي أوردها في كتابي، يمكن أن تعطي لعشاق دستويفسكي مادة لكتابة دراسات تحليلية جديدة عن إبداعه، والتي يمكن أن تجعل هذا الإبداع أكثر فهماً للقراء الأوروبيين والأمريكيين، ربما يكون ذلك هو الأفضل للاحتفال بمئوية هذا الكاتب العظيم”. وفي ختام تلك المقدمة لم تنس دستويفسكايا أن تعبر عن عميق امتنانها لأندريه سواريس؛ “الذي تفضَّل – انطلاقاً من احترامه لأبي- بتصحيح لغتي الفرنسية غير المصقولة”.  كان الوالدان يدللان الابنة بمناداتها “ليليا”، وتقول الأم في مذكراتها إنه دستويفسكي “كان حنونا للغاية تجاه ليليا. كان يلاعبها ويحممها بنفسه، ويحملها على يديه ويهدهدها”. توفي دستويفسكي في عام 1881 وهو في الستين من عمره في ذروة ازدهاره الإبداعي، آنذاك كانت “ليليا” قد تخطت الحادية عشرة من عمرها بقليل، لكن صورة الأب كانت منطبعة في ذاكرتها.

غلاف الكتاب المترجم (دار النشر)

وبحسب مقدمة بوريس تيخوميروف، كان دستويفسكي يعلم أن حياته، “لن تستمر طويلاً على نحو جيد”… “كان يشعر بدنو أجله ولذلك كان متعجلاً في نقل ولو قدر يسير من خبرته الروحية لابنته وابنه الصغيرين”. وتقول الابنة: “كان والدي رجلاً رائعاً. هذا العقل، هذا القلب، هذه الطيبة لم أقابلها مطلقاً بعد ذلك. كان يتحدث معي باعتباري نداً له. لم يكن يعتبرني طفلة. كنا نقرأ معاً ونتنزه معاً، ولم نكن نفترق أبدا”.

فصول الكتاب تتناول كذلك طفولة دستويفسكي، وشبابه، وخطواته الأولى في مسيرته الأدبية، مؤامرة بتراشيفسكي، المعتقل، ما الذي علمه المساجين، دستويفسكي جندياً، الزواج الأول، مغامرة عاطفية، صداقة أدبية، رب الأسرة، أصول عائلة أمي، شباب أمي، الخِطبة، الزواج الثاني، الحياة في أوروبا، العودة إلى روسيا، ألكسي الصغير. وتتناول الفصول من الحادي والعشرين إلى الثلاثين يوميات الكاتب، دستويفسكي في بيته، دستويفسكي الأب، دستويفسكي وتورجينيف، دستويفسكي وتولستوي، دستويفسكي صاحب النزعة السلافية، صالون الكونتيسة تولستايا، عيد بوشكين، والعام الأخير في حياة دستويفسكي.   

إخلاص وعمق

ويلاحظ تيخوميروف أن ما كتبته الابنة بيدها قائم على انطباعاتها الطفولية الشخصية، لكنه يتضمن أكثر الصور التي رُسمت لدستويفسكي إخلاصاً وعمقاً. ويشير في هذا الصدد إلى أن كاتب سيرة دستويفسكي؛ ن. ن. ستراخوف (1828- 1896) وصف الدقائق الأخيرة في حياته: “طفلاهما، الابن والابنة، كانا يرسمان علامة الصليب في هلع، راكعين باضطراب على ركبتيهما. اندفعت الفتاة نحوي وهي في حالة شديدة من اليأس، تشبثت بيدي وطالبتني بأن أصلي من أجل أبيها، حتى يسامحه الله إذا كانت لديه ذنوب. قالت ذلك بتعبير عجيب يخلو من نبرة الطفولة لتنهمر من عينيها دموع هستيرية”.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أنه عندما كتبت دستويفسكايا سيرة أبيها كانت قد تخطت الخمسين من عمرها، أي أنه كانت تفصلها تحديداً أربعة عقود عن وفاة الأب.

وبحسب مقدمة بوريس تيخوميروف؛ “شطرت وفاة دستويفسكي حياة ابنته على نحو قدري، شطرين غير متساويين وغير متكافئين. يمكننا أن نضع تصوراً كاملاً على نحو أو آخر للأحد عشر عاماً الأولى من حياتها: تحتوي مراسلات دستويفسكي مع زوجته أنّا جريجوريفنا وفي مذكراتها الرصينة وفي التراجم المنشورة عن الكاتب الكثير من المعلومات المفصَّلة. لكن تظل فصول الكتاب التي كرستها لوبوف فيودوروفنا بنفسها لأبيها مصدراً قيماً للغاية في هذا الصدد”.

وخلافاً لأخيها فيودور، الذي ظل يكتب الشعر طول حياته، ولكنه لم يخاطر مطلقاً بنشره ولو باسم مستعار، بدأت لوبوف دستويفسكايا محاولاتها في اقتحام ميدان الأدب بدءاً من عام 1890، في البداية بالكتابات المسرحية، ثم بعد ذلك (في القرن العشرين) في القصة، لكن تجربتها ظلَّت غير محسوسة في ظل إبداع والدها. وهي افتتحت في نهاية 1897 صالوناً أدبياً في بيتها، “لكنه لم يجد الصدى المرجو”.

يقول تيخوميروف: “ينبغي أن نشير هنا ونحن نتحدث عن الإبداع الأدبي عند لوبوف دستويفسكايا، إلى أن النقد كان متحيزاً للغاية، متهماً ابنة الكاتب بافتقارها التام إلى الموهبة. الأرجح أن مصيبتها كانت ترجع إلى أمر آخر، هو أنها لم تستطع أن تصنع لنفسها “مكانة” بارزة في الحياة الأدبية في عصرها. كان لديها، دون شك رؤية ثاقبة عنيدة لبقة تصل أحياناً إلى حج البراعة. وكثيراً ما نجد في رواياتها صوراً فنية معبرة. لكنها في المجمل كتبت يوميات شخصية ذات صبغة اعترافية. كانت ذات شخصية استثنائية، لم يكتمل مصيرها على نحو دراماتيكي، لم تتمكن من من إقامة حياة أسرية هادئة. فضلاً عن أنها ورثت عن أبيها مرض الصرع ما جعلها تقضي فترات طويلة في المستشفيات والمصحات والمنتجعات العلاجية”. ويشار هنا إلى أن كتابها الأول “فتيات مريضات” صدر في 1911، وهي ظلت السنوات الثلاثين الأخيرة في حياتها بمثابة “الحلقة المفقودة” في سيرتها. أمها توفيت في صيف 1918، وقد كتبت هي أيضاً عن دستويفسكي. أما الابنة فعملت في صبر ودأب على وصف حياته، مضمنةً عملها فصولاً من الذكريات، مستدعيةً من ذاكرتها انطباعات الطفولة والحكايات الأخيرة التي روتها أمها وأقاربها. صادر البلاشفة ممتلكاتها فصار عليها أن تعمل لتكسب قوتها. لم تنل شهرة باعتبارها كاتبة، على أن كتابها عن أبيها سرعان ما اكتسب شهرة مدوية في كل أنحاء أوروبا، ليصل صداه إلى ما وراء المحيط. كتبت دستويفسكايا هذا الكتاب باللغة الفرنسية عام 1920 وصدر في العام نفسه بترجمة ألمانية في ميونخ وفي زيورخ. وفي الفترة نفسها صدر باللغة الهولندية في مدينة أرنيم، وفي العام التالي ظهر بالسويدية وبالانجليزية. وفي عام 1922 صدر في نيويورك وفي ميلانو. وفي عام 1926 وهو العام الذي توفيت فيه دستويفسكايا، صدر الكتاب بلغته الأصلية في باريس. وفي 1922 صدر الكتاب في روسيا السوفييتية متضمناً نصف الأصل المترجم إلى الألمانية. تضمَّن 18 فصلا من أصل ثلاثين، وجرى اختصار بعض الفصول الـ18 بشكل جوهري، وهناك فصول حذفت منها فقرات كاملة وقد تمَّ نقل بعض المقاطع من فصل لتضاف إلى فصل آخر، وهذه تم ترتيبها وفقاً لإرادة المحرر لا المؤلف. لكن دار “أندرييف وأبناؤه” في بطرسبرج أصدرت في العام 1922 ترجمة أخذت عن الترجمة الألمانية غير الكاملة.   

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*