عندما كانت بيروت عاصمة الروك في العالم العربي

حسن الساحلي|الثلاثاء23/04/2019
Almodon.com


لا تأريخ فعلياً لموسيقى الروك في لبنان، مع أنه نمط حاضر دائماً في المشهد البيروتي، وكان لفترة طويلة الأكثر بروزاً بين أنماط الموسيقى الغربية. ما نتذكره اليوم يعود الفضل فيه إلى شركات إنتاج أجنبية أعادت إصدار عدد من الإسطوانات، منها ألبوم فرقة “ذا سيدرز” التي عرفت منذ بداية الستينات وحققت نجاحاً كبيراً في لبنان (وفق شركة الإنتاج التي أصدرت الألبوم Groovie Records باع أكثر من عشرة آلاف اسطوانة)، بالإضافة إلى ألبوم ذي طابع استشراقي تحت اسم Waking Up Schahrazad ضم أغاني روك عربية ولبنانية كانت معروفة خلال تلك الحقبة، والتي تتراوح أنماطها بين سايكادليك روك، غاراج، مود، فريك، سيرف، صول، وتتناول مواضيع ذات طابع رومانسي غالباً. من الفرق اللبنانية التي ظهرت عفي الاسطوانتين بالإضافة إلى ذا سيدرز، The Kool Kats، Ray Psyah، Tony Franks & The Hippie Souls، وفرقة الياس الرحباني The News، Simon C. Edwars & his Soul Set وأغلبها اختار اللغة الإنكليزية للغناء، كما أن هناك عدداً من الفرق الأخرى التي تتداول أسماؤها اليوم مثل The Vultures، The Nomads، وThe Lords.  
يقول توماس بولكالتر، الباحث الموسيقي والإنثربولوجي السويسري، في كتابه “مشاهد الموسيقى المحلية والعولمة” Local Music Scenes And Globalization أن بيروت كانت عاصمة الروك في العالم العربي خلال تلك الحقبة، حيث ظهر في عقد السبعينات فقط ما يقارب 200 فرقة لبنانية (الجزء الأكبر كان “Cover bands”)، ويعود حضور هذه الموسيقى إلى أواخر الخمسينات في الجامعات بشكل خاص والفنادق والأندية الليلية التي كان يرتادها خليط كوزموبوليتاني. لعبت هذه الأمكنة دوراً أساسياً في تشكل فرق الروك الأولى التي كانت وظيفتها أداء الأغاني المعروفة بطريقة تقترب أحياناً من النسخ (تركزت الفنادق والأندية في أحياء الزيتونة، الروشة، الحمرا ورأس بيروت. يذكر بوركالتر من الفنادق: نورماندي، سان جورج، انتر كونتينينتال، والأندية سبورتينغ، لونغ بيتش، كازينو لبنان). كما امتلكت شركات الإنتاج العالمية فروعاً لها في بيروت، وكانت الإسطوانات تطبع في بيروت عبر شركة Societe Libanaise Du Disque.


وفق المؤلف الموسيقي وعازف البيانو بوغوس غاليليان أنه خلال الخمسينات شمل ريبرتوار الأندية الليلية الجاز، البلوز، الأغاني الفرنسية والإنكليزية، والموسيقى اللاتينية كالسامبا، بوسا نوفا، بالإضافة طبعاً إلى الأغاني العربية، وعروض الباليه والأوبرا ومقطوعات كلاسيكية مع أوركسترا في بعض المناسبات. وقد شارك فيها موسيقيون لبنانيون، وأجانب أتوا استجابة لتحفيز الفنادق اللبنانية التي قدمت لهم مبالغ فاقت ما يتقاضونه في بلدانهم. يؤكد غاليليان أن الموسيقيين الأجانب كانوا الأغلبية في البداية، لأن الآلات الموسيقية التي استعملت في موسيقى الروك لم تكن معروفة كثيراً، وقد امتلك بعض هؤلاء خبرات كبيرة بسبب عزفهم في أهم المسارح و”مسابقات الروك” العالمية، هذا قبل الانتشار الكبير لهذه الموسيقى في بيروت لاحقا (يقال أن إلغاء حفل لرولينغ ستونز في بيروت في إحدى المرات أدى إلى مظاهرات وحرق إطارات).

أكثر الفرق التي يتردد اسمها اليوم هي The Sea-Ders التي عرفت أيضاً تحت اسم Top Five قبل سفرها إلى بريطانيا، والاسم يبيّن وظيفتها الأساسية: أداء الأغاني المعروفة بطريقة أقرب إلى النسخ، وقد سميت أيضاً “بيتلز لبنان”. تأثرت الفرقة بعدد من الفرق في البداية (1962) وفق موقع Revolver الذي ينقل عن عازف الدرامز زهير ترمش “إلفيس بريسلي، كليف ريتشارد، ذا شادوز (افتتحت الفرقة أحد حفلاتها في لبنان)، بول آنكا، وجوني هوليداي الذي ألغى إحدى حفلاته كمال جنبلاط في العام 1963 لأنه “لا يناسب أخلاقيات مجتمعاتنا”. لكن مع تقدم الزمن وتطور المشهد العالمي، أصبح التأثير على الفرقة أقرب إلى ذا بيردز، ذا موف، ذا آتاك، رولينغ ستونز، ذا كينكس، ذا غرايتفول ديد، بوب ديلان، والبيتلز طبعاً.

تألفت “ذا سيدرز” بالإضافة لترمش من آلبير حداد (ليد غيتار)، جو شحادة (ريذم غيتار)، ريمون عازوري (باص). تعرّف هؤلاء على بعضهم في متجر تشيكو للإسطوانات (خاتشيغ مارديريان) الذي كان يساهم أيضاً في تنظيم حفلات الـDJs في عدد من الجامعات والمدارس، وكان بفضل علاقته مع مضيفة طيران في شركة الميدل إيست، يؤمن آخر الإصدارات الموسيقية بشكل أسبوعي. عزفت الفرقة في  سبورتينغ ، لونغ بيتش، AUB، كازينو لبنان، بالإضافة لأمكنة غير تقليدية مثل سينما في جبيل وأخرى في الحمرا قبل وبعد عرض فيلم A Hard Day’s Night عن البيتلز.


يخبر زهير ترمش أنه عانى كثيرا في البداية لأن مجتمعه لم يتقبل اختياره هذا الطريق. يقول لريفولفر: “ينقسم البلد إلى قسمين، المسلمين والمسيحيين. إن كنت مسيحياً، لن تعاني كثيراً في حال قررت عزف هذه الموسيقى، بعكس ما كان يحصل في المجتمعات المسلمة، حيث ستتلقى العديد من الشتائم والتعليقات المسيئة لأنك تتخلى وفق الناس عن ثقافتك الشرقية”.

بعد انطلاق شهرة الفرقة بفضل ألبوم Thanks a lot الذي صدر عن The Symbol وسجل في ستديو بعلبك، سافرت الفرقة بمساعدة مديرها الجديد ريتشارد هاوس، الى بريطانيا واعادت اصدار الألبوم مع أحد أهم شركات الإنتاج هناك Decca Records. تحول إسم الفرقة إلى ذا سيدرز عوضاً عن Top Five كإحالة إلى هويتها اللبنانية، وعزفت لمدة 6 أشهر في أحد الأندية الليلية، مستعملة شعار No british band sounds like a lebanese one (لا يوجد فرقة بريطانية بصوت لبناني)، وقد أثارت الانتباه في البداية حيث أتى لمشاهدتها أشخاص معروفون في المجال، لكن تراجعت لاحقاً. أول أغنية أطلقتها شركة الإنتاج في بريطانيا كانت For your Information، لكنها لم تصل إلى “القوائم”، ثم تبعتها بألبوم من 8 أغاني، لم يحقق أي نجاح أيضاً.

عانت الفرقة في بريطانيا من التعليب الثقافي، ويعيد زهير ترمش سبب فشلها إلى طلب مدير Decca Records إعطاء طابع شرقي لموسيقاهم، فأجبرت الفرقة على زيادة آلة البزق، لكن هذه الخطوة وفقه ستبعدهم عن هويتهم الأصلية وعن التطور الذي يفترض أن تأخذه الفرقة تماشياً مع ما كان يحصل في مشهد الروك العالمي: “كان يجب علينا أن نستكشف أمكنة أخرى مثل الجاز فيوجن، هيفي روك، وهيفي ميتال، وهو التطور المنطقي بعد البيتلز. وهذا ما فعلته فرق أخرى كانت ناشطة في أوروبا خلال الفترة نفسها.


اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*