الرئيسية / home slide / عندما كانت الموسيقى الأرمنية… عثمانية وشرقية

عندما كانت الموسيقى الأرمنية… عثمانية وشرقية

حسن الساحلي|الأربعاء03/06/2020

قبل تزايد التوترات بين فئات المجتمع العثماني بفعل صعود الافكار الإستقلالية والقومية، وقبل حصول المجازر العرقية والطائفية بحق الأرمن، وبدرجة اقل اليونانيين، تشاركت الشعوب المتجاورة والمختلطة ديموغرافياً في السلطنة العثمانية، عادات وممارسات فنية وثقافية لم يكن من الممكن تفريقها بسهولة عن بعضها البعض. ينطبق هذا على الموسيقى التي كانت مشتركة إلى حد كبير في مناطق الأناضول، وهذا ما تؤكده أول التسجيلات الموسيقية التي قامت بها شركات الإسطوانات في القسطنطينية بداية القرن العشرين، وأظهرت موقع المغنين الأرمن المتقدّم في المشهد العثماني، والتشابه بين الأنماط الموسيقية والغنائية بين الجماعات التي تعيش في المدينة (كان أكثر من ثلث سكان القسطنطينية من الأرمن واليونانيين).

من بين الأسماء الأرمنية المعروفة يومها، مغنية موسيقى الكانتو بيروز هانم، والمسرحي آغوب أفندي، من دون أن ننسى أن أحد أبرز موسيقيي القرن التاسع عشر في الدولة العثمانية، وكان الأرمني طاطيوس كسردجيان أفندي أو باختصار “كيماني طاطيوس” (“كيماني” هو لقب كان يطلق على بعض الفنانين في الدولة العثمانية ولم يكن يحصل عليه سوى بعض فناني الصف الأول، عبر آليات محددة تورّث من مغنٍّ إلى آخر).

استمر المشهد الموسيقي العثماني في بلاد اللجوء، حيث بقي الأرمن يؤدون الموسيقى الشرقية لعقود في الأوساط المشتركة مع اليونانيين والسوريين وغيرهم من الشعوب العثمانية، بينما استمر جزء منهم بالغناء بالتركية حتى منتصف العقد الثاني (خصوصاً أرمن السهول الذين عاشوا كأقليات في مناطق مختلطة مع الأتراك، على عكس أرمن الجبال الذين كانوا اكثرية في مناطقهم).

لم يكن سهلاً تجاهل هذا الواقع المتداخل، وتجاوزه بعد المجزرة، بالنسبة للفنانين الأرمن ذوي الميول القومية. لذلك كان لا بد من قيام بعضهم بتغييرات حاسمة في البنى الموسيقية والغنائية وصلت حد إجراء عمليات استئصال كاملة لبعض العناصر الموسيقية التركية. طبعاً، في العالم العربي بدأ مسار مشابه بالتخلي عن التراث الموسيقي العثماني، لكن آلياته ومساراته بقيت أقل حدّة واختلفت كلياً عما حصل في أرمينيا. فما طبّقه الأرمن، وبشكل خاص الكاهن غوميداس في بداية القرن، استهدف التراث الشعبي والمديني في آن، وقد ترافق المسار مع انتقال ثقافي من العالم الشرقي ذي الغالبية الإسلامية، إلى العالم الغربي ذي الغالبية المسيحية، وهو انتقال سرّعته المجزرة الأرمنية التي استهدفت الأرمن في حالات كثيرة بصفتهم مسيحيين (انقسم الأرمن ثقافياً بعد المجزرة بين جزء أقرب للإتحاد السوفياتي الذي بقي مسيحياً في الأذهان، وآخر أقرب لأوروبا والولايات المتحدة).

من العناصر التي اختفت في الموسيقى الأرمنية مثلاً، ربع النوطة التي تميز الموسيقى الشرقية عن الغربية. حدث ذلك بفعل اعتماد الموسيقيين الأرمن في القرن العشرين، على أعمال الكاهن غوميداس الذي أعاد تقديم التراث الأرمني بطريقة مناسبة للذوق الكلاسيكي الأوروبي، ما تطلب منه التخلي عن ربع النوطة لأنها غير موجودة في السلم الموسيقي الغربي (درس غوميداس في ألمانيا وتأثر بموسيقيين مثل فاغنر. نشر عدداً ضخماً من الأغاني التراثية التي جمعها بعد جولات في مناطق مختلفة من الاناضول. ساهمت سيرته التراجيدية وتضحياته في سبيل القضية الأرمنية في تقديس صورته وخلق هالة حوله مُنع المس بها لاحقاً).

تخلى الأرمن أيضاً عن آلة العود التي كانت جزءاً من التراث الأرمني في الأناضول، واستبدلت بالدودوك الذي، رغم اعتباره الآلة الوطنية في أرمينيا اليوم، لم يكن مستعملاً في الموسيقى الأرمنية ولا يمكننا العثور على صوته في أولى الإسطوانات التي سجلت للمغنين الأرمن في بداية القرن العشرين (استعماله اتى فقط بسبب ذكره في كتب التاريخ الأرمني).


دخل الأرمن بعد المجزرة  في زمن مختلف، ومنظور مسيّس للحياة والثقافة والفن، لا يزال يهيمن على الثقافة الأرمنية بشكل عام. لذلك لم يتبق اليوم من الموسيقى الأرمنية العثمانية سوى جزء بسيط صودف وجوده في دوائر بعيدة عن الإيديولوجيا المهيمنة، وقد حافظ على تراثه الموسيقي بشكل عضوي عبر التوريث (مثلاً الفئات الصغيرة التي لا تزال تمارس فن “الكيف” Kef الشرقي رغم التهميش والاضطهاد الذي تعرضت له. من ابرز الأسماء عازف العود والمغني Marko Melkon). 

من جهة اخرى، يحاول بعض العاملين في الأرشيف تذكر جذورهم المنبوذة خلال العقود الماضية، في قراءة للتاريخ أقل أدلجة وأكثر عقلانية. من بين هؤلاء، أرمن – أميركيون أعادوا نشر أعمال فنانين أتوا كلاجئين إلى الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين، وشاركوا في المشهد الموسيقي إما ضمن الجماعات الأرمنية أو ضمن المهاجرين العثمانيين من اليونانيين والأرمن والسوريين (يحوي ألبوم To What Strange Place : The Music of the Ottoman-American Diaspora, 1916-1929 نماذج من هذه الأعمال). في بداية القرن العشرين ومع تزايد تصنيع الفونوغراف، بدأت الشركات في الولايات المتحدة، البحث عن اسواق جديدة ضمن مجتمعات المهاجرين، عبر التوجه أكثر للموسيقى الإثنية ومن بينها الأرمنية (مثلاً عنونت شركة “يونيفرسال” الأميركية أحد كاتالوغاتها “والدك والفونوغراف” ثم أضافت في مكان آخر: “أصبح بإمكانك اليوم تذوق بلدك الأم والإستمتاع بالذكريات الجميلة”). من الأرمن الذين سجلوا اسطوانات يومها وفق مجلة houshamadyan، كاركن بروديان الذي ولود في ديار بكر، وهاجر من السلطنة العثمانية العام 1903 ليحط رحاله في مدينة نيوجرسي التي ضمت جالية كبيرة من سكان منطقته الأصليين. أطلق بروديان البومين، الأول في 1915، ضم 17 أغنية تركية وواحدة أرمنية (كانت موجهة للجنرال أنترانيك أحد قادة حركة التحرر الأرمني من السلطنة العثمانية في القرن التاسع عشر). أما الألبوم الثاني فأطلقه العام 1921 عبر شركة “فاروس” الأرمنية، التي عملت بين نيوجرسي ونيويورك (ضمت أيضاً جاليات أرمنية)، وتألف من 22 أغنية، أربع منها فقط كانت باللغة التركية.

أحد أبرز أغاني بروديان Kale Kale، تشبّه فتاة أرمنية بشجرة الشيناري، وأغنية أخرى بعنوان “آرف فيداي” موجهة للقائد الأرمني كيري Kery الذي كان قائداً للجيش الأرمني الرابع ضمن الجيش الروسي، وعرف ببطولاته على الجبهة الروسية – العثمانية خلال الحرب العالمية الأولى. يذكر أن “فيداي” هي المعادل الأرمني لكلمة “فدائي” عند الفلسطينيين، وتستعمل عادة لوصف المقاومين الأرمن ضد السلطنة العثمانية.

تعتبر شركة “فاروس” من ابرز اشركات الأرمنية – الأميركية العاملة في تلك الفترة. من الأسماء التي أنتجت لها ايضاً، عازف الكمان Nishan Sedefjian الذي قدم بشكل اساسي إرتجالات على آلة الكمان، المغني وعازف العود Achilleas Poulos الذي كان يمتلك مقهى مع زوجته بقرب مركز الشركة في نيوريوك (شارك في بعض اسطواناته Sedefjian على آلة الكمان). أطلقت الشركة أيضاً اسطوانات للثنائي ستيفان وهايغاز اللذين عرفا بأغنية “هوب لالا” التي كانت مشتركة بين اليونانيين والاتراك والأرمن، وتخبر فصولاً من معاناة المهاجرين خلال رحلات السفر إلى الولايات المتحدة عبر البحار.

من الأسماء الأرمنية التي عرفت في الولايات المتحدة أيضاً، كيماني ميناس الذي سجل العام 1916، ثلاثين أغنية تنتمي إلى خليط من الموسيقى التركية الشعبية والكلاسيكية مع تأليفات أصلية. من اشهر أغانيه Canto Bulbul (رقصة البلبل) التي لا تزال معروفة حتى اليوم رغم انها اعتمدت على اغنية تركية تراثية بالأساس. من الفنانين الاخرين M Duzjian وهو عازف عود وفنان سجل 14 أداء في اواسط العشرينات لشركة بارسكيان الأرمنية، وA. Kevorkian الذي قدم العام 1929 عدداً من الأغاني المميزة، ضمت آلات العود والكمان والكلارينت.